الدرس الأربعون:من( وإنما تقطع يده إذا سرق نصاباً وهو ربع دينار أو ثلاثة دراهم عند جمهور العلماء ...البطاط الذي يبط الجيوب والمناديل والأكمام ونحوهما فإنه يقطع على الصحيح ).
يتناول هذا الفصل شرح حد السرقة ونصابها وحرز المال، حيث يشترط لقطع يد السارق أن يأخذ المال من حرزه وأن يبلغ النصاب. يستدل الشيخ بالأحاديث النبوية الصحيحة على هذه الأحكام.
يشرح هذا الفصل أحكام السرقة والتعزير في الشريعة الإسلامية، حيث يبين شروط تطبيق الحد والفرق بين المال المحروز وغير المحروز. كما يوضح أن التعزير يطبق على من يسرق مالا لا يبلغ حد القطع.
يتناول هذا الفصل تفاصيل أحكام السرقة ونصاب القطع وتوضيح الشروط التي تؤدي إلى قطع يد السارق. كما يبين الفرق بين السرقة والنهب والاختلاس والخيانة وعقوبة من يأخذ مالا دون نصاب القطع.
تم في هذا الفصل استعراض أهم المسائل في السياسة الشرعية مع الإشارة إلى وجود تفاصيل كثيرة في كتب الفقه، مما يشير إلى نهاية الفصل واكتمال الموضوع.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وإنما تقطع يده إذا سرق نصابا، وهو ربع دينار أو ثلاثة دراهم عند جمهور العلماء من أهل الحجاز وأهل الحديث وغيرهم، كمالك والشافعي وأحمد. ومنهم من يقول: دينار أو عشرة دراهم. فمن سرق ذلك قطع بالاتفاق، والصواب الأول كما تقدم، لما سيأتي من الأحاديث الصحيحة في هذا الباب. قالوا: في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم، والمجن الترس. قالوا: في لفظ لمسلم: قطع سارقا في مجن قيمته ثلاثة دراهم، والمجن الترس، يعني نوع من أنواع الترس. قالوا: في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا». وفي رواية لمسلم: «لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا». قالوا: في رواية للبخاري قال: «اقطعوا في ربع دينار، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك». وهذه الرواية ليست في صحيح البخاري، ولكن هي عند الإمام أحمد والبيهقي بإسناد يرتقي بمجموع طرقه إلى الحسن. والشيخ الألباني رحمه الله في مواضع ضعفه، وفي مواضع صححه. وفي بعض كتبه أشار إلى أنه كان يضعفه قبل، فوجد له ما يشهد له، فهو يصح فيرتقي إلى الحسن. قال رحمه الله: وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم، والدينار اثنا عشر درهما، هكذا جاء متصلا برواية الإمام أحمد والبيهقي، يعني في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: ولا يكون السارق سارقا إذن، هذا نصاب السرقة، فمن سرق ما قيمته أقل من ذلك لا تقطع يده، ومن سرق ما قيمته مثل ذلك وزيادة تقطع يده. قال: ولا يكون السارق سارقا حتى يأخذ المال من حرز. قال: فأما المال الضائع من صاحبه، والثمر الذي يكون في الشجر، والحرز يختلف بحسبه. وقد ذكر الفقهاء تفاصيل كثيرة في كتب الفقه في الحرز. وأشار شيخنا في التعليق إلى معنى ذلك، فقال رحمه الله: الحرز تعريفه ما يحرز به المال عادة، يعني ما يحفظ به المال عادة. وهذا التعريف يقتضي أن الحرز يختلف باختلاف الأموال والبلدان والسلطان والزمان، وعدل السلطان وجوره وضعفه وحزمه وغير ذلك. قال: فما دمنا نقول إن الحرز وما جرت العادة بحفظ المال فيه، فلابد أن يختلف بهذه الاختلافات. ثم ذكر أمثلة تبين أن لكل شيء حرز، فالدنانير والدراهم لها حرز خاص، والجواهر والأشياء الثمينة لا ترمى في زريبة الحيوان، ولكن أن تكون في البيت وفي موضع خاص بها. وكذلك حرز الماشية أن تكون في مكانها، سواء في زريبتها التي تجعل فيها، كأن تكون في جانب البيت، ولو كان ذلك بشيء يسترها يسير، إذا صار هذا العرف فهذا حرز. فمن أخذها من هذا المكان فهو سارق. ويختلف كما ذكر رحمه الله من بلد إلى بلد، ومن زمان إلى زمان. فقد يكون في زمان في وقت الأمن هذا حرزها، وفي وقت آخر يضيع الأمن ليس هذا حرزها، وهكذا. قال رحمه الله: فأما المال الضائع من صاحبه، والتمر الذي يكون في الشجر في الصحراء بلا حائط، والماشية التي لا راعي عندها، ونحو ذلك، فلا قطع فيه، لكن يعزر الآخذ. وقد وضع لكل واحد من هذه الأمثلة قيد، المال الضائع من صاحبه، بخلاف المال لو كان موضوعا بجانب صاحبه. والتمر الذي يكون في الشجر في الصحراء بلا حائط، إذن لو كان له حائط هذا حرز. والماشية التي لا راعي عندها، إذن لو وجد الراعي فهذا حرز، ونحو ذلك. وسيأتي معنا إن شاء الله ما يزيد في إيضاح هذه الأمثلة. فالشاهد أن هذه ليست محروزة، فليس فيها قطع، لكن فيه التعزير. يعزر السلطان من اعتدى على هذه الأموال بما يرى أنه يردعه دون الحد. قال: ويضاعف عليه الغرم كما جاء به الحديث، يعني كما سيأتي فيمن أخذ شيئا دون ما يصل إلى حد القطع، فإنه يضاعف عليه ويعزر. وسيأتي الحديث. قال: وقد اختلف أهل العلم في التضعيف، وممن قال به أحمد وغيره. وقال رافع بن خديج رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا قطع في ثمر ولا في كثر». رواه أهل السنن. قال: والكثر جمار النخل، هكذا فسر. وفسره بعضهم بغير الجمار. والجمار هو ما يكون في أصول جذوع النخل، يعني ملتقى فروع الفروع التي تحمل أوراق النخل، في موضعه يوجد الجمار، فهو مثل القلب للنخلة. وهذا الحديث معناه صحيح، وقد جاءت به طرق، وأشار إلى تصحيحه المعلق. وهو لا يعارض الأحاديث الواردة في هذا الباب، لأنه سيأتي معنا إن شاء الله أن هذا محمول إذا كان الثمر في أشجار ليست محروزة، كأن تكون حديقة ليس عليها سور، وأن يكون الآخذ أخذ شيئا لا يصل إلى ثمن المجن. فالسنة يفسر بعضها بعضا، ويؤيده قوله: «ولا في كثر»، لأن الجمار ليس قيمته ربع دينار، بل هو دون ذلك بكثير. فعلم بهذا السياق أن المراد بالثمر أي الثمر القليل الذي لا يصل قيمته قيمة القطع. ويؤيده ما أتى في الروايات الأخرى. قال: وعن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: سمعت رجلا من مزينة يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: يا رسول الله، جئت أسألك عن الضال من الإبل. قال: «معها حذاؤها وسقاؤها، تأكل الشجر وترد الماء، فدعها حتى يأتيها باغيها». قال: فالضالة من الغنم. قال: «لك أو لأخيك أو للذئب». تجمعها حتى يأتيها باغيها. وفي قولها: «حتى يأتيها باغيها»، يعني إن جاء وإلا فهي لك. قال: فالحريسة التي تأخذ من مراتعها. قال: «فيها ثمنها مرتين وضرب نكال». وما أخذ من عطنه ففيه القطع إذا بلغ ما يأخذ من ذلك ثمن المجن. قال: يا رسول الله، فالثمار وما أخذ منها من أكمامها. قال: «من أخذ منها بفمه ولم يتخذ خبنة فليس عليه شيء». ومن احتمل فعليه ثمنه مرتين وضرب نكال. وما أخذ من أجرانه ففيه القطع إذا بلغ ما يأخذ من ذلك ثمن المجن. وما لم يبلغ ثمن المجن ففيه غرامة مثليه وجلدات نكال. رواه أهل السنن، لكن هذا سياق النسائي. والحديث حديث حسن، له طرق كثيرة، وقد حسنه العلامة الألباني رحمه الله في مواضع من كتبه وغيره. فهذا الحديث وله كذلك شواهد كثيرة تؤيده. هذا الحديث يفسر الحديث الذي قبله، وهكذا أيضا أحاديث أخرى في هذا الباب يفسر بعضها بعضا. فقوله في ضالة الإبل أي لا تأخذ بحال بل تترك، وضالة الغنم تأخذ إذا خيف عليها، وإذا لم يخف عليها فلا تأخذ. فالحكم يدور مع علته وجودا وعدما. فإذا كان في بلد ليس فيها ذئب، مثل جزيرة سقطرة، جزيرة ليس فيها ذئب ولا كلب ولا ثعلب ولا شيء يؤذي أبدا، الغنم ترعى في الجبال طول العام ولا يؤذيها شيء، فمثل هذه مثلها كمثل الإبل لا يجوز أن تأخذ. والناس قد أمنوا على أغنامهم ويعرفونها بما جعلوا فيها من علامات، فآخذها معتد. وهكذا أيضا العكس، لو صارت الإبل يخاف عليها، كأن يكون صغير الإبل وفي موضع فيه دواب يخشى عليها، كبعض بلاد أفريقيا، فهنا يقال: خذها، لكن ليس لتضيعها على صاحبها، وإنما لتحفظها لصاحبها. فالحكم يدور مع العلة وجودا وعدما، وهناك تفاصيل كثيرة تذكر في هذا الباب. قال: فالحريسة التي تأخذ من مراتعها. قال: «فيها ثمنها مرتين وضرب نكال». وما أخذ من عطنه ففيه القطع إذا بلغ ما يأخذ من ذلك ثمن المجن، يعني ما أخذ ولم يبلغ قيمته قيمة القطع فليس فيه قطع، وما أخذ وبلغ قيمته قيمة القطع ففيه القطع. والسنة يفسر بعضها بعضا، وفيه دليل أيضا على أن هذه القاعدة مضطردة في كل شيء أخذ لم يبلغ حد النصاب، نصاب القطع، فإنه يغرم بثمنه مرتين، ويضرب ضرب نكال، أي تعزير. وما بلغ نصاب القطع فإنه يقطع به. ثم سئل عن ثمار، فذكر عليه الصلاة والسلام هذا التفصيل. من أخذ منها بفمه ولم يتخذ خبنة، والمراد بفمه يعني ما يأكله ولم يحمل معه، لأن الحمل تهمة. والأكل كان عرف الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم الإذن فيه. واليوم في بعض البلاد يوجد هذا العرف، كالمزارع المفتوحة التي ليس لها أسوار ولا أبواب، فإنه يغلب على الناس الإذن فيها. وأما المزارع المغلقة بأسوارها وأبوابها فلا يؤذن فيها في الغالب، فمن دخل كان معتديا، فضلا عن أن يأخذ ويأكل أو يحمل. وقوله: ومن احتمل فعليه ثمنه مرتين، يعني إذا كان الذي حمله ليس يساوي ثمن النصاب، النصاب القطع، يعني ليس يساوي ربع دينار أو ثلاثة دراهم. فإن بلغ كذلك فإنه يقطع. وإن قال قائل: إن أكل بغير إذن أو اتخذ خبنة، فهنا يؤدب، يؤدب، ولكن لا يقطع. وتأديبه يكون بحسبه ودون الذي بعده. قال: وما أخذ من أجرانه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن. الجرين هو الموضع الذي يجفف فيه التمر ويهيأ لأن يكنز. فالشاهد هذا حرز التمر، هذا حرز التمر، فمن أخذ تمرا يبلغ نصاب القطع فإنه يقطع، وإذا أخذ دون ذلك ففيه غرامة مثليه وجلدات نكال، يعني تعزير. قال رحمه الله تعالى: ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس على المنتهب ولا على المختلس ولا على الخائن قطع». قال: فالمنتهب الذي ينهب الشيء والناس ينظرون، والمختلس الذي يجتذب الشيء فيعلم به قبل أخذه، يعني خلسة. وأما الطرار وهو الباطط الذي يبط الجيوب والمناديل والأكمام ونحوها، فإنه يقطع على الصحيح، يعني مثل ما يسمونه النشال، النشال الذي ينشل المحفظة أو المحفظة ونحوها، فهؤلاء يقول أنهم يقطعون. أي من كان يأخذ هذا المال، والصحيح أنه يرجع إلى ما سبق، يعني بالتفصيل السابق يقطع. وهذا ظهر كلام الشيخ على ما سبق، إذا بلغ ما أخذ النصاب نصاب القطع، وإذا لم يبلغ ما أخذ نصاب القطع فإنه لا يقطع. وأما المنتهب والمختلس والخائن، فالصحيح أنه إذا أخذ ما يبلغ نصاب القطع فإنه يقطع. وتقدم معنى ذلك في أوائل هذا الكتاب، فإنه قد صحت الرواية في معنى ذلك، فإنه جاء في قصة المرأة المخزومية أنها كانت تأخذ وتجحد، وجاء في رواية تخون فقطعت يدها. وقد مر معنى أن بعض الفقهاء لم يروا في ذلك قطع، والصحيح أن فيه القطع. فإذا هذا هو الضابط، الضابط أن من أخذ شيئا بلغ فيه حرز، أخذه من حرز، وبلغ فيه نصاب القطع، فإنه يقطع. ومن أخذ دون ذلك فإنه يغرم ثمنه مرتين، غرامة مثليه مع ما يجلد نكالا، يعني تعزيرا وتأديبا كما جاء في هذا الحديث. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الفصل، وهذا على وجه الاختصار، وإلا ففي هذا الفصل في كتب الفقه تفاصيل كثيرة. لكن الشيخ رحمه الله يشير إلى أهم المسائل التي يحتاج إليها في هذا الباب في السياسة الشرعية.