الدرس في شرح السياسة الشرعية 24، الدرس الرابع والعشرون:من( وكذا صرفه في الأثمان والأجور لما يعم نفعه ... أو إعطاء العرافيين من الكهان والمنجمين ونحوهم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح مصارف الفيء والجزية والخراج وجواز صرفها في الأثمان والأجور والمصالح العامة مع تقديم ذوي الحاجات. مبينا أهمية اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين في ذلك.
يشرح أربعة أصناف من الناس يستحقون العطاء من بيت المال وهم العلماء والمجاهدون وأهل الحسبة وذوو الحاجات. مع التشديد على مراعاة احتياجاتهم الفردية وتقديم ما يكفيهم للقيام بواجباتهم.
يشرح ضوابط العطاء في مال المصالح والصدقات بحيث يكون العطاء بحسب منفعة الرجل وحاجته. مع التأكيد على ضرورة العدل وعدم التحيز والمحاباة في العطاء.
يشرح تحريم كتابة الانتدابات للموظفين بدون عمل فعلي وظلمها لثلاث جهات: أنفسهم، الحكومة، والمعطى. مع التحذير من عواقب هذا الفعل واعتباره حراماً وظلماً.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «وكذا صرفه في الأثمان والأجور لما يعم نفعه من سداد الثغور بالكراع والسلاح، وعمارة ما يحتاج لعمارته من طرقات الناس كالجسور والقناطر وطرقات المياه كالأنهار». يعني هذا مما يجوز أن يصرف فيه كذلك الفي، فمن مصارف الفي -ويلحق به الجزية والخراج- أنه يصرف في هذه المواضع، وهو مما يخرج من بيت المال. وقوله: «وكذا صرفه في الأثمان» المراد في الأثمان، أي أثمان السلع، وما كان بمعناها من حوائج الدولة أو حوائج المسلمين العامة. فإن كان هناك شيء يحتاج إلى شرائه تنتبع به الدولة، كآلات للمقاتلين أو آلات للسعاه، أو كذلك آلات لغيرها وأدوات، حتى ما يكون من طعام وغيره، إذا كان في مثل هذه المصالح فنعم منه. وهكذا ما ينتبع به عموم المسلمين من المصالح العامة، كما ذكر، كعمارة ما يحتاج إلى عمارته، مثلا الحصون، حصون المسلمين، أو كذلك الطرقات العامة للناس، أو الجسور -ومعروف الجسور ما يحتاج الناس أن يعبر عليه من مكان إلى آخر- أو القناطر، والمراد بها القناة التي تشق لمرور الناس وطرقات المياه وغيرها، سواء ليمشي المشاه فوق الماء أو لتمشي السفن، فيفتح طريق في البر ليصل الماء بماء أو غير ذلك، فكل هذا من بيت المال. وأما قوله: «والكراع والسلاح» فالكراع المراد به ما يحتاجه المقاتلون من مركوب، ومنه الخيل، فيدخل في الكراع الآلات الحديثة من سيارات وطائرات ودبابات وغيرها من مركوبات يركب عليها المقاتل. فالكراع كان يطلق في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وعند العرب على الخيل بما تحمله من عدة القتال، الخيل بعدة القتال يسمى كراع. والسلاح ما يحتاجه المقاتل من سيف ورمح ونبال وغير ذلك، حتى الترس والمغفر وغير مما يحتاجه المقاتل من السلاح، فكل هذا وما كان بمعناه هو من مصارف التي تؤديها مثل الفي. قال: «ومن المستحقين ذو الحاجات». فإن الفقهاء قد اختلفوا هل يقدمون في غير الصدقات من الفي ونحوه على غيرهم على قولين، في مذهب أحمد وغيره. منهم من قال: يقدمون، ومنهم من قال: المال استحق بالإسلام، فيشتركون فيه كما يشترك الورثة بالميراث. والصحيح أنهم يقدمون، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقدم ذوي الحاجات، كما قدمهم في مال بني النضير. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «ليس أحد أحق بهذا المال من أحد، إنما هو الرجل وسابقته، والرجل وغناءه، والرجل وبلاؤه، والرجل وحاجته». فجعلهم عمر رضي الله عنه أربعة أقسام: الأول ذو السوابق الذين بسابقتهم حصل المال. والثاني من يغني عن المسلمين في جلب المنافع لهم، كولاة الأمور والعلماء الذين يجلبون لهم منافع الدين والدنيا. الثالث من يبلي بلاء حسنا في دفع الضرر عنهم، كالمجاهدين في سبيل الله من الأجناد والعيون من القصاد والناصحين ونحوهم. الرابع ذو الحاجات. وإذا حصل من هؤلاء متبرع، فقد أغنى الله به، وإلا أعطي ما يكفيه أو قدر عمله. وهذا الذي ذكره رحمه الله، كما أشار، دل عليه سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين. أما سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فكما أشار في قسم مال بني النضير، فقد جاء في الصحيحين من حديث عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ذلك المال -وهو فيء- نفقت لأهله نفقة سنة، وإن بقي شيء جعله في الكراع والسلاح، عدة في سبيل الله. وجاءت له ألفاظ، وأشار المعلق إلى بعض تلك الألفاظ خارج الصحيح. وأصل الحديث في الصحيحين، والشاهد منه أن النبي صلى الله عليه وسلم جعله في هذا الباب، فيجوز لولي الأمر أن يصرف كذلك. وما جاء عن عمر رضي الله عنه يفسر ويوضح أكثر هذا المقام، وهو أثر صحيح عن عمر، كما أشار، صححه العلامة الألباني رحمه الله في صحيح أبي داود، وهو كذلك موقوف له حكم الرفع، لأن مثل هذا لا يتصرف فيه عمر رضي الله عنه برأيه، بل بما علم من عمومات الشريعة وما فهمه من سنة النبي صلى الله عليه وسلم. وقد دل على معناه حديث عمر في الصحيحين في مال بني النضير، فإن أصله في الصحيحين وخارج الصحيحين، وفيه معنى هذا الأثر عن عمر، فيكون عمر فعل ذلك بما فهمه من النبي عليه الصلاة والسلام. ثم ذكر رحمه الله أن عمر قال: «ليس أحد أحق بهذا المال من أحد»، يعني المال الذي يدخل إلى بيت المال، ومنه الفي. «إنما هو الرجل وسابقته، والرجل وغناءه، والرجل وبلاؤه، والرجل وحاجته». وفصل وضح فقال: الأول ذو السوابق الذين بسابقتهم حصل المال. وكما تقدم، هو يجمل معنيين: إما يشمل الذين حصل المال بسببهم، بما كان من تقدمهم على غيرهم، وهم ثلاثة أقسام كما تقدم معنى في الفصول السابقة. وإما أن يقصد به من لهم السابقة بمجموعهم، كالجيش الذي يذهب فيغزو فيأتي بالمال، فلهم الأولوية في هذا المال بعينه من غيرهم. ولهذا أعطي المجاهد الذي يشهد الوقعة من الأربعة أخماس، إن كان راجلا يأخذ خمسا، وإن كان فارسا فثلاثة أخماس. قال: «قال رحمه الله: الثاني من يغني عن المسلمين في جلب المنافع لهم، كولاة الأمور والعلماء الذين يجذبون لهم منافع الدين والدنيا». وهذا هو قوله: «والرجل وغناؤه»، يعني بما يغني المسلمين بمنافعه، يغنيهم بحسن تدبيره وسياسته، وكذلك تصرفه. ومنهم ولاة الأمور، ومنهم العلماء، لأن العلماء هم ينبغي أن يكونوا بطانة ولاة الأمور. فولاة الأمور مرجعهم إلى العلماء، وهذا هو الواجب، كما ذكر العلماء في تفسير قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:59]، أن ولاة الأمر في هذه الآية هم العلماء والأمراء، والأمراء تبع للعلماء. فالعلماء هم الذين يعلمون الشرع، والأمراء هم الذين ينفذون ما علمهم إياه العلماء من الشرع. ولذلك كان الخلفاء في أول الإسلام هم من العلماء، وبعد ذلك كان بطانة الخلفاء من العلماء، بل الواحد منهم يكون عالما، ومع ذلك ما يكتفي بعلمه. فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الخليفة الراشد والفاروق رضي الله عنه أرضاه، ومع ذلك اتخذ لنفسه مشورة أهل شورى، يجمعهم ويستشيرهم. وهكذا كان قبله أبو بكر، بل للنبي صلى الله عليه وسلم، بل قال الله عز وجل: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران:159]. فمشورة العلماء تجرب نفعا وغنًى للإسلام والمسلمين. فلذلك صار من أوائل ما يعطى من بيت المال العلماء. وليس معنى هذا أن يكون العلماء ينافسون الأغنياء، ليس هذا المقصود، ولكن المقصود أن يغنى العلماء عن أن ينشغلوا عن العلم، يفرغ العلماء للعلم حتى ينفع الله عز وجل بهم العباد والبلاد، لأن العالم إذا لم يجد من يعينه في طريقه العلمي، هو بين أحد أمرين: إن قل لدينه تعيش بماذا؟ بالعلم. وإن قل لدينه ترك العلم واكتسب، وكلا الأمرين يضر بالإسلام والمسلمين، كلا الأمرين يضر. فلذلك كان يجب على ولاة الأمور والقائمين على بيت المال أن يغنوا العلماء بما يكفيهم لتفرغهم للعلم. ومن هذا المعنى كذلك استمرار سلسلة العلم، بيعان طلبة العلم، العلماء هؤلاء غدا سيموتون، فمن سيخلفهم؟ من سيخلفهم فينفع الله عز وجل بهم العباد والبلاد؟ هم طلاب هؤلاء العلماء. فإذن يجب كذلك على ولاة الأمور أن يفرغوا طلبة العلم لتعلم العلم، ولهم أن يخصوا -كما نص العلماء- المجتهدين منهم بما يعينهم على اجتهادهم، لأن حاجة المجتمع لأمثال هؤلاء المجتهدين كحاجة المجتمع والدولة المسلمة لأولئك المقاتلين المحنكين. أليس من المكسب العظيم أن تكسب دولة الإسلام مقاتلين أقوياء محنكين أذكياء؟ إن كان الجواب نعم، فكذلك هم يحتاجون إلى علماء مثل هؤلاء، وأعظم. هم يسيرون المقاتلين والأمراء بما أعطاهم الله عز وجل من العلم والمعرفة، فيكونوا بذلك عونا لنصرة الإسلام والمسلمين. فهؤلاء يغني الله عز وجل بهم المسلمين، كما ذكر رحمه الله. والثالث من يبلي بلاء حسنا في دفع الضرر عنهم، كالمجاهدين في سبيل الله من الأجناد والعيون من القصاد والناصحين ونحوهم. ومنهم كذلك أهل الحسبة، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، فإنهم يعانون من بيت المال. فأهل الحسبة يصلح الله عز وجل بهم المسلمين، والمجاهدون يفتح الله عز وجل بهم بلاد الكافرين، وكلهم قصدهم أن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا وفجروا هي السفلى. فكل هؤلاء يعانون من بيت المال، لأن عدم إعانتهم تعطيل لهذه المصالح. إذا لم يعان المجاهد والمقاتل، ولم يعان المحتسب الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، ولم يعان الجنود والقصاد والناصحين وغيرهم، فمن الذي سيقوم بهذه المهمات؟ كل الناس يحتاج إلى الاكتساب والتعيش، فسيكتسب هذا ويكتسب هذا، وتعطل هذه المصالح. فلذلك يعطى أمثال هؤلاء من بيت المال. وتأمل كيف أن هذا الدين العظيم المحكم المنزل من عند رب العالمين، فيه مثل هذه التفاصيل المحكمة التي فيها وضع الشيء في موضعه. وفي المقابل تصرفات الكافرين ومن تشبه بهم من المنافقين وجهلة المسلمين، كم تضيع عليهم من أموال فيما لا منفعة فيه ولا فائدة. وقوله رحمه الله: «الرابع ذو الحاجات». وهذا هو المقصود التنبيه عليه. ومن ذوي الحاجات جميع أصحاب الضعف: الرجل الكبير المسن ليس له من ينفق عليه، الأعمى، الأعرج، المشلول، وغير هؤلاء من ذوي الحاجات. ويدخل فيهم حتى الأرملة واليتيم وغيرهم. وإن كان قد نص أمثال هؤلاء الشرع، فيكون هذا لهم الأولوية كذلك فيه بهذا الاعتبار، بعد هذا الترتيب. وهذا هو قوله رحمه الله: «ومن المستحقين ذو الحاجات». فإن الفقهاء قد اختلفوا هل يقدمون في غير الصدقات من الفي -يعني في الصدقات هم من ذوي الحاجة، لأنهم إما مساكين وإما فقراء وإما أيتام، وكل هؤلاء تشملهم معنى الصدقة الذين تحل لهم الصدقة- فلكن في الفي هل يقدمون؟ ذكر الخلاف، والصحيح أنه حتى في الفي يقدمون. لأن الزكاة قد لا توجد، فإذا وجد الفي أعطوه من الفي، وإذا أغنوا بالزكاة، فما أغنوا به من الزكاة يجعل الفي في مصالح أخرى. وكما تقدم، يدبر ولاة الأمور والقائمون على هذه الأمانات هذه الأمور بالأصلح فالأصلح. وهذا كله يحتاج لعلم، وبه نعرف افتقار الدولة المسلمة إلى العلماء، فالأمور تدبر بالعلماء الذين عندهم علم شرعي. وبالعلم الشرعي يوضع كل شيء في موضعه على وجه العدل، ليس العدل بالعقل والعاطفة والهوى، ولكن العدل بمقتضى الشرع المنزل من عند الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: «وإذا حصل من هؤلاء متبرع، فقد أغنى الله به، وإلا أعطي ما يكفيه أو قدر عمله». ومعناه: إن كان أحد هذه الأقسام الأربعة -أو غيرها، والمقصود بالذات الأقسام الثلاثة، لأنهم هم الذين يقومون بالمهمات- فإن كان هؤلاء متبرع، يعني يقول: أنا ما أريد منكم شيئا، أريد ما عند الله سبحانه وتعالى، الحمد لله أغناني الله، فأنا أتفرغ في هذا. مثل ولي أمر غني يقول: أنا سأتولى، وسأنفق من مالي على هذه الدولة ما أحتاج، أن تعطوني شيئا. وهكذا العالم الغني، أو كذلك المقاتل والمجاهد الغني، والمحتسب الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر الغني، ونحو هؤلاء. فإن حصل مثل هذا، فجزاه الله خيرا. «وإذا حصل من هؤلاء متبرع، فقد أغنى الله به»، يعني أغنى الله به أن يخرج شيء من بيت المال، فيذهب هذا الشيء لأبواب أخرى. وهنا تأتي مسألة: وهي إذا خرج هذا المال، وجاء إليه، فهل يقبله أم أنه يرده؟ صحة السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا جاء من غير مسألة، فيقبله، ثم يضعه حيث يشاء، ويرى أنه أصلح وأنفع، كما وقع مع عمر رضي الله عنه، كما وقع لعمر رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم. وأما إذا كان سئل قبل ذلك أو أخبرهم فامتنعوا، فهذا هو ما ذكر رحمه الله. وقوله: «وإلا أعطي ما يكفيه»، يعني فيما يقوم به من عمل، وبه يعلم أن المطلوب هو سد كفايته، وليس المطلوب هو حد لا يكفي. وبه كذلك نعرف أن ما يكون لأمثال هؤلاء لا ينبغي أن يكون على حد واحد، بل يختلف بحسب أحوال الأشخاص، وبحسب كذلك أحوال الزمان. فما يجري بين الناس اليوم بأن راتب المدرس مثلا كذا وكذا، وراتب الجندي كذا وكذا، هذا خلاف الفقه. بل ينبغي أن يعطى هؤلاء بحسب حاجتهم، فصاحب الأسرة الكبيرة يعطى أكثر، وصاحب الأسرة الصغيرة يعطى أقل. وكلما زادت الأسرة، زيد له في الراتب، وكلما غلت الأسعار، زيد له كذلك في العطاء، وهكذا. لأن هذا هو الذي أمر به الشرع أولا، ولأنه هو العدل ثانيا. وقوله: «أو قدر عمله»، يعني إذا كان عمله مؤقت، قد يحتاج إلى واحد لفترة معينة، فيعطى بقدر عمله، بالساعة، باليوم، بالشهر، بحسب الحاجة إليه. وأما إذا احتيج إليه على الدوام، فإنه يعطى ما يكفيه، حتى لا يحتاج إلى أن يتعيش. وما الفائدة أن تقول لإنسان: نحن سنعطيك في الشهر عشرة آلاف، فيأخذها ثم يقلبها، عشرة آلاف ما تكفيه، فماذا يفعل؟ إما أن يخلط بين العملين، وهذا يضر، وإما أن يقول: أنا ما أستطيع أن أؤدي لكم الأمانة، خذوا العشر آلاف وخذوا الوظيفة، وأنا سأبحث لي عن وظيفة أخرى. وهل هذا أصلح للإسلام والمسلمين؟ الجواب: لا. بل الأصلح للإسلام والمسلمين تفرغ من ينتفع الإسلام والمسلمون به، فتفرغه، ما دام بهذا المال لا يكفيه، يعطى ما يكفيه، ولو زاد ثلاثة أو عشر أضعاف. قال رحمه الله تعالى: «وإذا عرفت أن العطاء يكون بحسب منفعة الرجل وبحسب حاجته في مال المصالح، وفي الصدقات أيضا، فما زاد على ذلك لا يستحقه الرجل إلا كما يستحقه نظراؤه». مثل أن يكون شريكا في غنيمة أو ميراث. وهذا ملحظ دقيق منه رحمه الله تعالى، تدل عليه النصوص. يقول: «وإذا عرفت أن العطاء يكون بحسب منفعة الرجل»، وهذا واضح، «وبحسب حاجته في مال المصالح، وفي الصدقات أيضا»، لأنه يعطى بقدر حاجته وكفايته، حتى لا يترك هذا العمل فيتضرر المسلمون، وإن كان من ذوي الحاجات. لأن الشرع أمرنا بسد حاجته، حتى ذكر العلماء: الفقير يعطى نفقة سنة، والمسكين يعطى ما يوفي له نفقة سنة. فمن المساكين من يكون عنده سفينة، وعنده دكان، وعنده سيارة أجرة، لكن ما تكفيه، فينظر كم تدخل له هذه السيارة أو هذا الدكان أو هذه السفينة؟ فإن علمنا أنها تدخل له نصف نفقة مثله في سنة، فيعطى من الزكاة النصف الآخر. والفقير الذي ليس عنده شيء أبدا، يعطى نفقة سنة كاملة لمثله، ليس يعطى نفقة سنة لمن هو دونه، كما لا يجوز أن يعطى لمن هو أعلى منه، بل يعطى لمثله. أسرى فيها خمسة، كم تكفيهم في السنة؟ كم تكفيهم في السنة؟ فيعطون كذلك. وبه نعرف خطأ ما يفعله بعض التجار إذا قسموا الزكاة، صرفوها عشر ريالات، ثم نثرها في أرض الله الواسعة، من عشر ريال، عشر ريال. هل هذا أنفع للإسلام والمسلمين؟ لا، ليس بأنفع. ولهذا نص العلماء: كونه يغني بعض المحتاجين أو يسد بعض حاجتهم، أولى من ضياعها بهذا الوصف، لأنه بهذا الوصف ما ينتفع بها أحد، ما ينتفع بها أحد. لكن يسدد عن هذا دين، ويغني لهذا، يعني ما يتيسر من نفقة ثلاثة أشهر أو شهر أو شهرين أو نحو ذلك، وإن استطاع سنة فحسن. وقوله رحمه الله: «فما زاد على ذلك لا يستحقه الرجل»، كما تقدم، لا يجوز مثلا أن يعطى الفقير أكثر من حاجته إذا كان فقيرا، فما بالك إذا كان ليس بالفقير، وإنما هو موظف، فيعطى بقدر ما يكفيه، لا يعطى أكثر. وفي الغالب يعطى أكثر محابة، يعطى أكثر محابة أو جهل، فالجاهل يعلم، والمحابي ينصح. وقوله: «إلا كما يستحقه نظراؤه»، يعني يجوز أن يعطى الزيادة إن كانت الزيادة ستدخل عليه بمسمى آخر، كأن يقوم بعملين. قال: «مثل أن يكون شريكا في غنيمة أو ميراث»، يعني مثلا إنسان موظف، وفي نفس الوقت خرج ويقاتل، فصار لأنه حضر الوقعة يستحق ماذا من الغنيمة؟ فهذه الزيادة دخلت عليه بوجه شرعي صحيح. ومثله كذلك لو دخل عليه بالميراث، فلا يقال: الميراث ينافي كونه غنيا، لو كان غنيا وورث شيئا، فهذا شيء يسره الله له، ولو كان غنيا. قال: «ولا يجوز للإمام أن يعطي أحدا ما لا يستحقه لهوى نفسه من قرابة بينهما أو مودة ونحو ذلك، فضلا عن أن يعطيه لأجل منفعة محرمة منه كعطية المخنثين من الصبيان المردان والأحرار والمماليك ونحوهم، والبغايا والمغنين والمساخر ونحو ذلك، أو إعطاء العرافين من الكهان والمنجمين ونحوهم». وهذا تنبيه منه رحمه الله، وكما يقال: يضع النقط على الحروف، لأن الكثير من ولاة الأمور مبتلى بمثل هذا ونظائره، إلا من رحم الله. فلذلك نبه عليه، وإلا فهو معلوم، لكن بعض المعلوم يحتاج لتنبيه خاص. قال: «ولا يجوز للإمام أن يعطي أحدا ما لا يستحقه»، وهذا معلوم مما تقدم، إذا كان هو مأمور بأداء الأمانة على التفصيل السابق، فلا شك أنه لا يجوز له أن يعطي ما لا يستحق. لكن لأن الناس ابتلوا بذلك، أو فيهم من يبتلى بذلك، ولأنه كذلك التنبيه عليه يكون أردع وأدعى للوعظ والنصح والتذكير، وخصوصا أنه ألفه -كما تقدم- بطلب من بعض الأمراء، فاستحق أن يبين من العلم ما يكون به حصول المقصود. فإن بعض ذلك لا يكفي فيه الإلماح، فقال: «لا يجوز للإمام أن يعطي أحدا ما لا يستحقه»، ثم مثل. قال: «لهوى نفسه من قرابة بينهما»، الذي يعطي القريب هوى يدفعه لإعطاء القريب، وهذا يبتل به الكثير من الولاة إلا من رحم الله، لا يكاد أحد يتولى ولاية إلا وقرب الأقربين، إلا وقرب الأقربين وحاب الأقربين، إما بوظائف وإما بماذا رواتب أو غيرها، وهذا لا يجوز، يعني على وجه المحابة. أما أن يسويهم بغيرهم، فإن كانت فيهم كفاءة أعطاهم كما يعطي غيرهم، فهذا حق. والناس بهذا طرفان ووسط، فإن من الناس من يدفعه قلة دينه وجهله إلى تقريب ذوي القرابات وتفضيل ذوي القرابات، وهذا حرام لا يجوز. ومن الناس من حرصه على دينه يدفعه إلى ظلم قرابته بمنعهم ما يستحقونه، وهذا خطأ، وهذا خطأ كذلك. فليس من العدل أن تحرم من يستحق من قرابتك خشية الناس، بل ينبغي أن تعامل الله سبحانه وتعالى، وعدل كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الزبير، ماذا قال؟ «اسقي يا زبير». العدل يقتضي أن يقدم الزبير أولا، لكن عند بعض الناس ربما ماذا سيفعل؟ حتى لا يتهم، ربما يقول للزبير: تعال ارجع إلى الوراء، وخلي فلان يقدم. وهل هذا الفعل عدل؟ ليس بعدل. مادام هذا هو الأولى، وهذا هو الحق، قدم الحق ولا تبالي بالناس. وضح أن فلان قدم، ليس لأجل قرابة لأنه يستحق، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنها صفية». صحيح، في بعض الأحوال قد يؤثر الإنسان بعض الناس على بعض، درءا للمفاسد. وسيأتي معنا إن شاء الله كذلك نظائر له في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، لكن ليس هذا على إطلاقه، يعني هذا في أحوال خاصة تدرأ المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى. فالحاصل: الواجب في هذا هو الوسط، لا إفراط ولا تفريط كذلك. قال: «أو مودة»، المودة إما لكونه جار، أو زميل دراسة، أو كذلك يعني بينك وبينه شراكة في عمل أو غير ذلك، فإنه لا يجوز. وما أكثر ما يقع ذلك، فبعض الناس إذا تولى ولاية، ربما قرب بعض من بينه وبينهم مودة، إذا جاءت مقاولات للأقرباء، لزملاء العمل السابقين، لشركاء، وربما مقاولات مبطنة، وغير ذلك من التحايل على ما لا يجوز من العدل. وقوله: «ونحو ذلك كثير». وذكر شيخنا رحمه الله بعض هذه الأمثلة. قال رحمه الله: «لا يجوز للإمام أن يعطي أحدا ما لا يستحقه لهوى نفسه من قرابة بينهما أو مودة ونحو ذلك». قال: «وهذا الإمام الذي له الكلمة العليا في الدولة، فكيف بمن دونه؟» هذا التنبيه الأول، يعني إذا كان بمثابة رئيس الدولة لا يجوز له ذلك، فما بالك بمن هو دونه من صغار الموظفين؟ فإنهم من باب أولى لا يجوز لهم. ثم قال شيخنا رحمه الله: «وبهذا يعرف خطأ الذين يكتبون للموظفين انتدابات وهم لم يعملوا، بل هم باقون في أمكنتهم، أو يكتبون لهم انتدابات أياما طويلة والعمل لا يستحق إلا نصف هذه الأيام أو ربعها أو أقل». فإن هؤلاء لا شك أنهم فعلوا محرما، وظلموا ثلاث جهات: ظلموا أنفسهم بخيانة الأمانة وإدخال الظلم على الناس، وظلموا الحكومة بخيانتها فيما تمنوا عليه، وظلموا المعطى بإعطائه ما لا يستحق. وهم يظنون أنهم نفعوه، وهم والله ضروه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما». قالوا: «يا رسول الله، هذا المظلوم، فكيف ننصر الظالم؟» قال: «تمنعه من الظلم، فذلك نصره». أما هؤلاء فيعينون أولئك القوم على الظلم. ولهذا كان المتورعون الذين يخشون الله ويخافونه يسألون دائما عن مثل هذه الحال: يكتب لهم انتدابات وهم في بيوتهم، لم يبرحوا البلد، أو يكتب لهم انتداب شهر أو شهرين مثلا، وهم لم يعملوا إلا نصف المدة. فهذا حرام ولا يجوز. والانتدابات: العمل الخارجي، يعني يكتب للإنسان أنه عمل عمل خارج الوظيفة، وهو لم يعمل شيئا، أو يكتب له أنه عمل شهر وهو عمل نصف العمل، فهذا لا يجوز. وكما ذكر رحمه الله: فيه ظلم من ثلاث جهات، بل يضاف وجه رابع، وهو أنه إذا أعطاه على وجه لا يستحقه، ففيه ظلم لمن يستحقه، فيه ظلم لمن يستحقه. فقد يحاب قريب أو لمواه، وهناك من هو أولى منه، ففيه ظلم لذاك الأولى. قال رحمه الله: «ومن الهوى أن بعض الناس يكتب انتدابا لموظفين من أجل أن يكتب له هو مثله أيضا، ويكون انتدابا ولم ينتدب»، يعني كما يقال: مبادلة في المصالح على حساب مال الدولة، وهذا حرام لا يجوز. ومن هذا كذلك تقاعد الأصحاء من هذا الباب، تقاعد الأصحاء: إنسان قوي صحيح، يعطى تفريغ وتقاعد قبل وقته. ورجل ربما ضعيف كبير في السن، قد خدم ثمانية عشر سنة أو أكثر، فيأتي وهو يأتي بمشقة إلى عمله، ولا يستطيع أن يقوم بكامل عمله، فيقال له: «بقي لك سنوات، بقي لك سنوات». وذاك شاب قد خرج وحصل التقاعد. وأعظم من هذا ما يحصل من عمل وظيفتين أو ثلاث بالقرابة والمودة وما كان بمعناها من الاعتبارات، يصير للإنسان ثلاث وظائف، أربع وظائف، هو هنا في الجيش، وهناك في الأمن، وهناك في الدائرة الحكومية الأخرى، وهناك كذلك مسؤول دائرة انتخابات، وفي المكان الهام كذلك مراقب ومشرف، وفي الآخر معه ورشة. صارت كم مهن؟ ست مهن، وستة رواتب تدخل عليه بهذا المعنى، هذا حرام وظلم، والظلم ظلمات يوم القيامة. حتى قل أن تجد بعض هؤلاء أو أمثال هؤلاء إلا ولهم من القرابات من لهم مثل هذا ونحوه، إلا من رحم الله. وهكذا كذلك ما تصنعه الأحزاب والجماعات، إذا كان من حزبه فإذا يعان ويفرغ ويعطى له أنواع التسهيلات، وربما كذلك وظائف، وهو في بيته، ليست وظيفة بل وظائف، وظائف متعددة وهو في بيته. وكل هذا من الظلم والهوى، هوى النفس الذي يكون فيه العطاء بغير استحقاق. طيب نقف إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.