الدرس التاسع عشر:من( فصل:الظلم الواقع من الولاة والرعية ... محاباة الولاة في المعاملة من المبايعة والمؤاجرة والمضاربة والمساقاة والمزارعة ونحو ذلك هو من نوع الهدية ).
يتحدث عن الظلم في أداء الأموال والعقوبات التي يمكن أن توقع على من يمتنع عن أداء الحقوق المالية. يشرح مراتب العقوبة التي تبدأ بالتهديد ثم الحبس وأخيراً الضرب إذا لزم الأمر.
يناقش مسألة عقوبة الغني المماطل في سداد ديونه، ويتطرق إلى حكم أخذ الهدايا من قبل العمال والأمراء، حيث تعتبر غلولًا وتستحق الاستخراج من قبل ولي الأمر العادل.
يتناول تحريم قبول الهدايا من العمال والولاة، ويبين أن هذه الهدايا تعتبر غلولا ورشوة، ويحذر من قبولها لأنها تنافي الأمانة والإخلاص للعمل.
يتحدث عن ظلم ناتج عن هدية، ويشير إلى أن هذا الظلم له سبب مرتبط بهذه الهدية، ويشير إلى أنه سيكمل الحديث في وقت لاحق.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه «السياسة الشرعية»: فصل. قال: «الظلم الواقع من الولاة والرعية...» هكذا في بعض النسخ، فيها فصل، وهذا العنوان. وبعض النسخ ليس فيها فصل ولا عنوان، وفي بعض النسخ فيها فصل دون العنوان. قال رحمه الله تعالى: «وكثيرا ما يقع الظلم من الولاة والرعية، هؤلاء يأخذون ما لا يحل، وهؤلاء...» كما قد يتظالم الجند والفلاحون، فالجند يمثلون الولاة، والفلاحون يمثلون الرعية. وقد مرت معنا بعض الأمثلة لذلك، وسيأتي إن شاء الله. فقد يكون الظلم بأخذ ما لا يحل، كالجبايات المحرمة والمكوس وما كان بمعناها من المال الذي يؤخذ بغير حق، ومنه الرشوة وهدايا العمال. والفلاحون ومن كان بمعناه من الرعية من منعهم ما لا يجوز منعه، كالزكاة. وقد يكون التواطؤ بينهم وبين السعاة، فيدفع نصف الزكاة في مقابل أن يعطي هذا الساعي شيئا من المال، وغير ذلك من المظالم. قال: «وكما قد يترك بعض الناس من الجهاد ما يجب، كذلك قد يكون ذلك من الوالي، وقد يكون من يعني الراعي، وقد يكون من الرعية». قال: «ويكنز الولاة من مال الله ما لا يحل كنزه»، يعني إذا دخلت إليه الأموال التي يجب إنفاقها، وجب عليه أن ينفقها في أوجهها، كمال الزكاة وغيره من الأموال التي يجب أن تصرف في مواضعها. قال: «وكذلك العقوبات على أداء الأموال، فإنه قد يترك منها ما يباح أو يجب، وقد يفعل ما لا يحل». وقوله: «وكذلك العقوبات على أداء الأموال» كما تقدم، وسيأتي معنا إن شاء الله. فهناك عقوبة يأمر بها الشرع، إما بالنص الخاص أو العمومات في مسألة الأموال، عدم أدائها. قال: «فإنه قد يترك منها ما يباح أو يجب»، يعني مما يباح تركه أو ما يجب تركه، هو العكس. وقد يفعل ما لا يحل. والواجب في هذا على الوالي والراعي أن يسلك ما أمر به الشرع، سواء بنصه الخاص أو عمومات الأدلة في ذلك. لأن بعض المسائل قد تقتضيه عمومات الشريعة، تتبعا لأعلى المصلحتين، ودفعا لأشد المفسدتين. فلا يجوز أن يكون تصرف هذا الوالي أو ذاك الأمير بمقتضى الهوى والشهوى أو المحاباة أو غير ذلك. قال: «والأصل في ذلك أن كل من عليه مال يجب أداؤه، كرجل عنده وديعة أو مضاربا أو شريكا أو مال لموكله أو مال يتيم أو مال وقف أو مال لبيت المال أو عنده دين، وهو قادر على أدائه، فإنه إذا امتنع من أداء الحق الواجب من عين أو دين، وعرف أنه قادر على أدائه، فإنه يستحق العقوبة حتى يظهر المال أو يدل على موضعه». فإذا عرف المال، فإذا عرف المال، «فإنه يستوفى الحق من المال، ولا حاجة إلى ضربه»، يعني فإذا عرف مكان المال، أو فإذا عرف المال، يجوز هذا وهذا، إذا عرف هو المال، هذا الذي أخفى المال عرفه. قال: «فإنه يستوفى الحق من المال، ولا حاجة إلى ضربه». إذن، فإذا عرف المال، الصواب: فإذا عرف المال، لأنه قال: «ولا حاجة إلى ضربه»، معناه: ولم يظهره، لكن ظهر المال بالبحث عنه، فهنا تأخذ ما عليه من حقوق. فإن كان له باقي، رد له الباقي، ولا حاجة إلى ضربه ولا حبسه، يفك عن الحبس والضرب. وهذا مثال لما قد يقع من الامتناع عن أداء الحقوق في المال من الرعية. ومثل هذا الموضع من المواضع التي يجوز فيها العقوبة، كما سيأتي معنا إن شاء الله. وقوله: «لا حاجة إلى ضربه» لأنه قد حصل منه السداد. قال: «وإن امتنع من الدلالة على ماله ومن الإيفاء، ضرب حتى يؤدي الحق أو يمكن من أدائه». وهذا كله إذا علم أنه يمتنع مع القدرة. وأما إذا علم أنه ليس عنده قدرة، وهو صادق فيما يقول، فالأمر كما قال الله عز وجل: ﴿فَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قال رحمه الله: «ضرب حتى يؤدي الحق أو يمكن من أدائه». إذا لا يمكن استخراج الحق إلا بالضرب. ضرب، وإلا فهناك قبل الضرب الحبس، وقبل الحبس التهديد. فهذه ثلاثة مراتب: المرتبة الأولى التهديد، والمرتبة الثانية الحبس، والمرتبة الثالثة الضرب. وعمومات الأدلة تدل على ذلك. فقد جاء في الصحيح في قصة المرأة التي أخفت الكتاب، قال علي رضي الله عنه: «لتخرجن الكتاب أو لننزعن الثياب»، فهددها أولا، فأخرجت الكتاب. وهكذا في الحديث، كما سيأتي. وقوله: «لي الواجد ظلم». وفي رواية: «مطل الغني ظلم»، كما سيأتي، يحل عرضه عقوبته. فقدم العرض، وأخر العقوبة. قال: «وكذلك لو امتنع من أداء النفق الواجب عليه، مع القدرة عليها...». قال: «مع القدرة عليها»، كذلك، يعني هو مثل الدين، لأنه واجد، وامتنع عن أداء ما عليه، فهو مثل الدين. لما روى عمرو بن الشريد عن أبيه، يعني شريد بن سويد، قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «لي الواجد يحل عرضه عقوبته». عندكم: «ظلم» أو «ليس ظلم». «لي الواجد» ها، ألفي أحد النسخ: «ظلم». طيب، جاء: «ظلم». وفي الحديث الآخر: «مطلو الغني ظلم». قال: رواه أهل السنن. وقال صلى الله عليه وسلم: «مطلو الغني ظلم»، أخرجاه في الصحيحين، يعني الثاني، وهو حديث أبي هريرة في الصحيحين. وآخره: «وإذا أتبع أحدكم على ملي، فليتبع». والحديث الأول خرجه البخاري معلقا، وأصله خارج الصحيح، كما قال عند أهل السنن: عند أبي داود، والنسائي، وابن ماجة، وأحمد، والحاكم، وإسناده صحيح. وعلق البخاري على هذا الحديث بأثر عن سفيان، قال سفيان: «عرضه» يقول: «مطلتني». وعقوبته: الحبس. وذكر غيره أنه ما يكون من توبيخه وتهديده. هذا معنى حل العرض، لأن الأصل لا يجوز أن يهدد ولا يوبخ، لكن لأنه امتنع عن هذا الواجب، وهو مستطيع، فيكون ذلك. وسيأتي إن شاء الله دليل أصرح. والعقوبة: الحبس. وهكذا كذلك الضرب، كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله. قال رحمه الله: «واللي هو المطل»، يعني المماطلة، وسميت المماطلة «لي» لأنها فيها شيء من عدم الاستقامة. المماطلة: انحراف معنوي، يعني يلف ويدور، ويلف ويدور، ما يأتي بالصدق. الشحيح ما يريد أن يسدد الذي عليه من واجب. قال: «والظالم استحق العقوبة والتعزير». وهذه العقوبة وهذا التعزير يرجع إلى الإمام، ويبدأ بالأخف وينتقل إلى الأشد، بحسب ما تقتضيه المصلحة. قال: «وهذا أصل متفق عليه، أن كل من فعل محرما أو ترك واجبا استحق العقوبة». فإن لم تكن عقوبته مقدرة بالشرع، كان تعزيرا، يجتهد فيه ولي الأمر. ولكن في الشرع جاء حد للتعزير، حتى لا يتوسع الناس بالتعزير. قال: «فيعاقب الغني المماطل بالحبس، فإن أصر، عقب بالضرب حتى يؤدي الواجب». وقد نص على ذلك الفقهاء من أصحاب مالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم، رضي الله عنهم. ولا أعلم فيه خلافا، يعني في هذه العقوبة. ولكن كما تقدم، يتدرج، ويبدأ بالأخف ثم الأشد، بحسب ما تقتضيه المصلحة. وكذلك لا يتعدى ما يوصل إلى الحد، على تفاصيل معروفة في كتب الفقه. ولكن المقصود هنا بيان السياسة الشرعية في علاج مثل ذلك، على وجه الإشارات. قال: «وقد روى البخاري بصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما...». إلى أن قال: «فهذا الرجل كان ذميا، والذمي لا تحل عقوبته إلا بحق». وكذلك كل من كتم ما يجب إظهاره من دلالة، أو دلالة واجبة، ونحو ذلك، يعاقب على ترك الواجب. والحديث أولا ليس في صحيح البخاري، كما أشار المعلق. وشيخ الإسلام رحمه الله تعالى وقع له هذا الخطأ، تبعا للحميدي في الجمع بين الصحيحين، فإنه ذكره من أفراد البخاري في الجمع بين الصحيحين. وهذه من أخطاء الحميدي. فالحميدي رحمه الله في كتابه «الجمع بين الصحيحين»، وهو كتاب نافع مفيد، خصوصا أنه ينبه على أفراد البخاري ومسلم، إلا أنه أحيانا يدخل أحاديث من المستخرج بزيادات، فينبه عليها. وأحيانا لا ينبه عليها، ويخطئ، فينسبها للبخاري، وليست هي في البخاري، أو في مسلم، ليست هي في مسلم. ولكن هذا قليل. وكما ذكر في ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن «الجمع بين الصحيحين» للحميدي، كان من أوائل ما حفظه رحمه الله في بداية طلبه، كما ذكر ذلك في «الكواكب الدرية» في ترجمته. فبهذا يعلم أنه استند إلى كلام الحميدي. فالحميدي أخطأ في هذا، فحصلت المتابعة في الخطأ. ونحوه ابن الأثير، فإن ابن الأثير في «جامع الأصول» أشار كذلك إلى أنه بالبخاري، وليس الأمر كذلك. وابن الأثير كثيرا ما ينقل من الحميدي في «الجمع بين الصحيحين». والصواب أن الحديث خارج البخاري. فالحديث كما أشير عندكم، أخرجه البيهقي، وأبو داود، وغيرهما، وإسناده صحيح. والشاهد منه أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع ساعي اليهود إلى الزبير، لأجل أن يعترف أين أخفي المال، فاعترف بعد العقوبة. وهذا هو الشاهد: أنه يجوز عقوبة من يمتنع عن إظهار الحق وإعطائه. وهذه العقوبة بحسبها ينتقل من الأخف إلى الأشد، بحسب ما تقتضيه المصلحة. لكن لا يجوز أن يتعدى إلى ما يفضي إلى إيقاع عقوبة الحد من الحدود الشرعية، بل يكون دون ذلك. قال رحمه الله تعالى: «وما أخذ ولاة الأموال وغيرهم من مال المسلمين بغير حق، فلولي الأمر العادل استخراجه منهم، كالهدايا التي يأخذونها بسبب العمل». قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: «هدايا الأمراء غلول». وروى إبراهيم الحربي في كتاب «الهدايا» عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هدايا الأمراء غلول». وهذه الجمل جاءت مرفوعة وموقوفة. ها، في اختلاف في النسخة: «هدايا العمال» أو «هدايا العمال غلول». والنسخة الأخرى: «هدايا العمال». هو جاء من حديث أبي سعيد، وحديث أبي حميد، وحديث أبي هريرة، وحديث جابر: «هدايا الأمراء غلول». وحديث جيد: «هدايا الأمير غلول». وجاء بلفظ كذلك في بعض الروايات: «هدايا السلطان سحت وغلول». فهي مجموعة روايات، أشار إليها في «كنز العمال». وهكذا كذلك في مواطنها. فقد أخرجوا أكثر هذه الروايات: البيهقي في «السنن الكبرى»، والطبراني في «الأوسط»، وابن جرير. وبعضها فيها ضعف. فحديث جابر مثلا رواه ابن جرير، وفيه إسماعيل بن مسلم، ضعيف. ولكن مجموع ما روي في هذا الباب، مع شواهد أخرى، يصحح هذا المعنى. المهم: نكتب نحن في نسخة: «هدايا العمال غلول». نسخة: «هدايا العمال»، لأنه سيذكر معنى ذلك. معنى قد ذكره قبل. طيب، على أن الذي جاء: «هدايا العمال غلول»، الحديث: أبي حميد الساعدي. لكن حديث أبي سعيد: «هدايا الأمراء»، فيما وقفت عليه. والله أعلم. الشاهد من هذا: أنه أورد هذا الحديث بهذا اللفظ خاصة، لأجل أن يبين أن الأمراء يلحقهم هذا الحكم على الصحيح. لأن بعض الفقهاء -وهذه مسألة خلافية- يستثني الأمير من هذا الحكم، فيجعلها للعمال، ليس للأمراء. والصحيح: أن الأمراء يلحقهم هذا الحكم، لعموم الأدلة. وفي بعض ألفاظ الحديث جاء تنصيص على الأمراء والسلطان والأمير. فجاء: «هدايا السلطان سحت وغلول». وجاء: «هدايا الأمراء غلول». وجاء: «هدايا الأمير غلول». والأمراء يدخلون في العمال، إذا كانت الهدية لأجل العمل. وأعظم من ذلك: أن تكون لأجل إبطال حق أو إحقاق باطل، فهي من الرشوة المحرمة. فقول: «وما أخذ ولاة الأموال وغيرهم من مال المسلمين بغير حق، فلولي الأمر العادل استخراجه منهم». إذن، عندنا أمير أعلى، ووالي أدنى، أو أمير أصغر. فقد يأخذ الأصغر من الولاة الذين يولون على الأموال، أو غيرها من المسلمين، أموالا بغير حق. فهنا يجب على الولي الأعلى، والأمير الأكبر، أن يستخرج هذه الأموال. ومن هذه الأموال: الهدايا التي يأخذونها بسبب العمل. وسيأتي معنا إن شاء الله ما يدل على ذلك ببعض الآثار. فإذا علم أنه أخذها رشوة، فهذا أشد، وهو من باب أولى أنه يأخذ. وهذا يستدعي كذلك أن تغلق الأبواب التي تفضي إلى ذلك. فمن العلاج: أن يعان هؤلاء الولاة على رفع الرواتب لهم. جعل الذي يأخذونه يزيد. وهذا من السياسة الشرعية، حتى لا يكون محتاجا لغيره، يكفى. ولهذا نص أهل العلم: أن القضاء، ومن كان بمعنى هؤلاء، يكون لهم من العطاء ما هو أعظم من غيرهم، حتى لا يحتاجوا إلى غيرهم. ولا تزال هذه سنة في بلاد المسلمين إلى يومنا هذا. ومن ذلك كذلك: أن تكون هناك لجان مراقبة ومحاسبة، حتى لا تسول نفس أحد أن يقع في شيء من ذلك. قال: «وفي الصحيحين عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه...». إلى أن قال: «ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه: اللهم هل بلغ، اللهم هل بلغ، ثلاثا». والحديث فيه معنى ما تقدم: التحذير من قبول الهدايا مع العمل، لأن الهدية في أثناء العمل ينافي الأمانة، وكذلك الإخلاص للعمل. وسد باب تطاول من يريد التطاول. فلذلك منع النبي صلى الله عليه وسلم من قبول الهدايا في هذا الباب. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يأخذ منه شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمل على رقبته»، يعني: أنه سيسأل عنه يوم القيامة، ويتحمله يوم القيامة. وقوله: «بعيرا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر»، هذا صوت بهيمة الأنعام. هذه صوت البعير: رغاء. والبقرة: خوار. والشاة: كذلك تيعر. والمعنى: التحذير من أن يأخذ شيئا، لا قليل ولا كثير. والحديث له طرق وروايات، وجاءت بمعنى حديث أخرى. والمقصود هو التحذير من قبول الهدايا من العمال، والتحذير من إعطاء الهدايا للعمال. قال: «وكذلك محابات الولاة في المعاملة، من المبايعة والمؤاجرة والمضاربة والمساقاة والمزارعة ونحو ذلك، هو نوع من الهدية كذلك». ونص العلماء على هذا في كتبهم. وبوب البخاري بصحيحه بابا، فقال: «باب من لم يقبل الهدية لعله». وقال عمر بن عبد العزيز: «كانت الهدية في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية، واليوم رشوة». ثم ذكر الحديث بمعنى حديث أبي حميد. والمقصود من هذا: أن الهدية إذا كان لها غرض، وشعر المعطى إليه أن لها غرضا، فلا يجوز له أن يقبلها. وهذا معنى قول عمر بن عبد العزيز رحمه الله. فالناس تغيرت نياتهم ومقاصدهم. فلذلك ينبغي للإنسان أن يعرف ما هو مقصد الهدية. فقد تكون الهدية لأجل الحب في الله وذات الله، كهدية الإخوان فيما بينهم. وقد تكون الهدية لأغراض أخرى. فإن كانت للولاة لأجل المحاباة في المعاملة، فهذا لا يجوز للوالي في مثل هذا أن يقبل مثل هذه الهدية. وقوله: «من المبايع والمؤاجرة والمضاربة والمساقاة والمزارعة»، يعني إلى آخره من المعاملات التي يبتل بها الإنسان في المجتمع. فينبغي أن يتحرز، لا يقبل مجاملة ولا محابة، حتى لا يضعف في الحق الذي يجب عليه. فالنفوس ضعيفة. فمثلا لو عاملت إنسانا بمؤاجرة أو مبايعة، فكان يعطيك دائما بأقل، فإذا احتاجك في يوم من الأيام -وأنت موظف- الغالب أنك تضعف في الأخذ منه كما تأخذ من الناس. حتى أنك ربما إن كنت أمينا، إذا ماكسك وأنت تعرف أنه لا مجال للمماكسة، تدفع من جيبك إذا كنت أمين. ماذا ستتصنع؟ ستدفع من جيبك، حياء مما كان قد أغدق عليك فضلا، عما يكون من بشاشة، ومن كذلك، ربما تقديم، ونحو ذلك. وكل هذا ظلم، سببه ماذا؟ سببه تلك المحابة التي كان يعاملك في المبايعة والمؤاجرة أو غيرها. وقد مر معنا أن بعض أهل العلم جعل عدم العدل في الابتسامة والسلام والتحية ونحوها، يعتبر من الخيانة. وما أكثر ما يقع. فتجد اليوم مثلا إذا إنسان جاءه قريب، وهو موظف، أو جاءه من هو معامل، وقد حصل منه شيء من الإكرام السابق، ما يعامله مثل سائر الناس. أقل شيء إذا عدل، سيقدمه على الصف، هو آخر الناس، سيجعله أول الناس. فضلا، يدخل من خلف السور، ونحو ذلك. وهذا لا شك أنه نوع من الظلم، وسببه هذه الهدية. طيب، نقف لهنا، ونكمل في وقت لاحق. والله أعلم. شكرا لكم.