الدرس في مجالس شهر رمضان للعلامة العثيمين 26، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول أسباب دخول النار، مصنفة إلى أسباب مكفرة وأسباب مفسقة، مع التركيز على الشرك بالله والكفر. يشرح أن الكفر بالله أو بملائكته أو كتبه أو رسله أو اليوم الآخر أو قضاء الله وقدره يعتبر كفرًا.
يتناول أسباب الردة عن الإسلام مثل الاستهزاء بالله أو دينه أو رسوله، وسب الله أو دينه أو رسوله، والحكم بغير ما أنزل الله. هذه الأفعال تعتبر كفرًا وردة عن الإسلام.
يتناول علامات وصفات المنافقين مثل الشك في ما أنزل الله وكراهية حكم الله ورسوله، ثم ينتقل إلى الدعاء لله بالعذاب من النفاق وتحقيق الإيمان والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
يصرّ إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم إراءة وتعليق على كتاب مجالس شهر رمضان للعلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى، إراءة وتعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس السادس والعشرين. الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في كتابه "مجالس شهر رمضان": المجلس السادس والعشرون في أسباب دخول النار. قال: الحمد لله القوي المتين، الظاهر القاهر المبين، لا يعزب عن سمعه أقل الأنين، ولا يخفى على بصره حركات الجنين، دل لكبريائه جبابرة السلاطين، وبطل أمام قدرته كيد الكائدين، قضى قضاءه كما شاء على الخاطئين، وسبق اختياره من اختاره من العالمين، فهؤلاء أهل الشمال وهؤلاء أهل اليمين، جرى القدر بذلك قبل عمل العاملين، ولولا هذا التقسيم لبطل جهاد المجاهدين، وما عرف أهل الإيمان من الكافرين، ولا أهل الشك من أهل اليقين، ولولا هذا التقسيم ممتلأت النار من المجرمين، ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها، ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين، تلك -يا أخي- حكمة الله، وهو أحكم الحاكمين، أحمده سبحانه حمد الشاكرين، وأسأله معونة الصابرين، وأستجير به من العذاب المهين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى الأمين، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر، أول تابع من الرجال على الدين، وعلى عمر القوي في أمر الله فلا يلين، وعلى عثمان زوج ابنتي الرسول ونعم القرين، وعلى علي بحر العلوم الأنزع البطين، وعلى جميع آل بيت الرسول الطاهرين، وعلى سائر أصحابه الطيبين، وعلى أتباعه في دينه إلى يوم الدين، وسلم تسليما. إخواني، اعلموا أن لدخول النار أسبابا بيّنها الله في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ليحذر الناس منها ويجتنبوها، وهذه الأسباب على نوعين: النوع الأول أسباب مكفرة تخرج فاعلها من الإيمان إلى الكفر، وتوجب له الخلود في النار، النوع الثاني أسباب مفسقة تخرج فاعلها من العدالة إلى الفسق، ويستحق بها دخول النار دون الخلود فيها. فأما النوع الأول، فنذكر منه أسبابا: السبب الأول: الشرك بالله، بأن يجعل لله شريكا في الربوبية أو الألوهية أو الصفات، فمن اعتقد أن مع الله خالقا مشاركا أو منفردا، أو اعتقد أن مع الله إلها يستحق أن يعبد، أو عبد مع الله غيره فصرف شيئا من أنواع العبادة إليه، أو اعتقد أن لأحد من العلم والقدرة والعظمة ونحوها مثل ما لله عز وجل، فقد أشرك بالله شركا أكبر، واستحق الخلود في النار. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾. وهذا سواء اعتقد هذا المشرك أن هذا المشرك به إله أو لم يعتقد، فقد يعتقده واسطة لله، ولكنه عامله معاملة الإله، فصار مشركا، كحال النصارى في عيسى عليه الصلاة والسلام، واليهود مع عزير، وهكذا كذلك الكثير من المسلمين في عدد من الأنبياء أو الأولياء، فإنها لوثة شركية دخلت على المسلمين من بعض أهل الكتاب والوثنيين، فهم قد يقولون: نحن لا نشرك بالله، وإنما نحن نعظم الصالحين ونعظم الأنبياء، كما قال النصارى في عيسى عليه الصلاة والسلام، وبالحقيقة هذا التعظيم تعظيم شركي، وقعهم في الشرك. ليس هكذا التعظيم والإجلال، فالتعظيم والإجلال بأن لا يرفع العبد فوق منزلته، ولهذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الإطراء والتعظيم الذي يوصل إلى الشرك: «لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح بن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله». فهذا الذي وقع فيه أهل الكتاب، وقع فيه بعض المسلمين، فلو قال القائل: أنا ما أشركت، وهو في الحقيقة وقع في الشرك، فالعبرة بالحقائق لا بالمسميات. قال رحمه الله تعالى: السبب الثاني: الكفر بالله عز وجل، أو بملائكته، أو كتبه، أو رسله، أو اليوم الآخر، أو قضاء الله وقدره، فمن أنكر شيئا من ذلك تكذيبا أو جحدا أو شكا فيه، فهو كافر مخلد في النار. فهي ثلاثة أمور: إما الكفر بعدم الإيمان، أو التكذيب والجحود، أو الثالث الشك، وكلها توجب الكفر بالله سبحانه وتعالى، ولهذا لا يسمى الإيمان إيمانا إلا بأن يعقد القلب اليقين على ذلك، يعقد القلب اليقين والجزم على ذلك. فأنت تؤمن بالله، قلبك قد عقد اليقين بأن الله عز وجل هو الرب والإله الحق، الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى، الذي يستحق العبادة ولا يعبد غيره سبحانه وتعالى، وهكذا بسائر أركان الإيمان. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا * أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾. وهذا يبين أن الإيمان ببعض والكفر ببعض، ولو كان البعض واحدا، سبب للكفر، كما أن أهل الكتاب كفروا لما آمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض، فكذلك من كفر بشيء، ولو خصلة واحدة من الدين، فإنه يكفر. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾، أي: يدخلوا في هذا الإسلام من جميع جوانبه وأبوابه، فمن دخل في الإيمان في باب وترك بابا آخر، فهو كافر. ولهذا كفر أهل الكتاب، آمنوا بعيسى فكفروا بمحمد عليه الصلاة والسلام فكفروا، وآمن اليهود بموسى وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم فكفروا، أو جحدوا أو شكوا، وهم طوائف، فمنهم من يقول: محمد رسول، ولكنه للعرب خاصة، وليس للناس عامة، وهذا كفر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل للناس عامة، فلا يكفي الإيمان المبعض، بل يجب أن يؤمن بكل ما أمر الله عز وجل بالإيمان به. فمن قال: نؤمن ببعض، نكفر ببعض، فهو كافر. قال رحمه الله تعالى: السبب الثالث: إنكار فرض شيء من أركان الإسلام الخمسة، فمن أنكر فريضة توحيد الله، أو الشهادة لرسوله بالرسالة وعمومها لجميع الناس، أو فريضة الصلوات الخمس، أو الزكاة، أو صوم رمضان، أو الحج، فهو كافر؛ لأنه مكذب لله ورسوله وإجماع المسلمين. وكذلك من أنكر تحريم الشرك، أو قتل النفس التي حرم الله، أو تحريم الزنا، أو اللواط، أو الخمر، أو نحوها مما تحريمه ظاهر صريح في القرآن، أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه مكذب لله ورسوله. لكن إن كان قريب عهد بإسلام، فأنكر ذلك جهلا، لم يكفر حتى يعلم، فينكر بعد علمه. وهذا كذلك ويسميه العلماء: ما هو معلوم من الدين بالضرورة، فكل ما كان معلوما من الدين بالضرورة، من كفر بشيء منه، جحده أو شك فيه، فهو كافر، ولو ادعى الإسلام. ولكن استثنى الشيخ رحمه الله من كان حديث عهد بإسلام، فإنه يعلم؛ لأن الجهل عذر، والجهل عذر، وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا. قال: السبب الرابع: الاستهزاء بالله سبحانه، بدينه، أو رسوله صلى الله عليه وسلم. قال الله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرُسُلِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. والاستهزاء والسخرية: هو من أعظم الاستهانة بالله، ودينه، ورسوله، وأعظم الاحتقار والازدراء، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وسواء كان الاستهزاء بالقول، أو بالفعل، فإنه يدخل في الاستهزاء، فمن استهزى بقول، كما وقع في أولئك النفر الذين قالوا: «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أكبروا بطونا، وأجمنوا عند اللقاء»، يريدون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فنزلت هذه الآية: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. فهروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب، نمضي به حديثنا في السفر، فلم يزد النبي صلى الله عليه وسلم أن يجيب بهذه الآية: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. وهكذا كذلك الاستهزاء بالفعل، مثل أن يشير بيده، أو بوجهه، أو بلسانه، ما يدل على الاستهزاء، فهو كذلك إذا كان لأجل الدين، لا لأجل أشياء شخصية. فمن استهزأ بالله، وبرسوله، وبحملة كتابه، ورسوله، لأجل الدين، فهو مرتد كافر بالله عز وجل؛ لأنه استهزأ بشيء من دين الله سبحانه وتعالى. وأما ما كان لأشياء شخصية، فهي كبيرة من الكبائر، ومعصية لا تصل إلى حد الكفر والردة. قال: السبب الخامس: سب الله تعالى، أو دينه، أو رسوله، وهو القدح والعيب، وذكرهم بما يقتضي الاستخفاف والانتقاص، كاللعن والتقبيح ونحو ذلك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «من سب الله أو رسوله، فهو كافر ظاهراً وباطناً، سواء كان يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلا له، أو كان ذاهلا عن اعتقاد». وقال أصحابنا: «يكفر، سواء كان مازحا أو جادا»، وهذا هو الصواب المقضي به. ونقل عن إسحاق بن راهويه: «أن المسلمين أجمعوا على أن من سب الله، أو سب رسوله، أو دفع شيئا مما أنزل الله، فهو كافر، وإن كان مقرا بما أنزل الله». وقال الشيخ أيضا: «والحكم في سب سائر الأنبياء كالحكم في سب نبينا صلى الله عليه وسلم، فمن سب نبيا مسمى باسمه من الأنبياء المعروفين المذكورين في القرآن، أو موصوفا بالنبوة، بأن يذكر في الحديث أن نبيا فعل أو قال كذا، فيسب ذلك الفاعل أو القائل، ما علم أنه نبي، فحكمه كما تقدم، أي: الردة». وأما سب غير الأنبياء، فإن كان الغرض منه سب النبي صلى الله عليه وسلم، مثل أن يسب أصحابه، يقصد به سب النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن المقارن يقتدي بمن قارنه، ومثل أن يقذف واحدة من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم بالزنا ونحوه، فإنه يكفر؛ لأن ذلك قدح في النبي صلى الله عليه وسلم، سب له، ولأنه كذلك تكذيب للقرآن. فمن طعن في عائشة رضي الله عنها، واتهمها -والعياذ بالله- بالفاحشة، بعد أن برأها الله من فوق سبع سماوات، فهو مكذب للقرآن، ولهذا نص العلماء في كتب العقائد: أن سب عائشة، واتهامها بالفاحشة، يعتبر ردة وكفر. وهكذا كذلك سب أبي بكر خاصة؛ لأنه تكذيب للقرآن، الله عز وجل أثنى على أبي بكر بالإسم، وأثنى على عائشة رضي الله عنها، وبرأها بالإسم، ومن فعل غير ذلك، فقد كذب بالقرآن، فلهذا هو مرتد وكافر بالله عز وجل. قال الله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾، والمعنى: أن الساب بهذا الوصف المذكور، وصف الخبث للنبي عليه الصلاة والسلام، وهذا معارض للقرآن. قال: السبب السادس: الحكم بغير ما أنزل الله، معتقدا أنه أقرب إلى الحق، وأصلح للخلق، أو أنه مساوي لحكم الله، وأنه يجوز الحكم به، فهو كافر؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. وكذلك اعتقد أن حكم غير الله خير من حكم الله، أو مساوي له، أو أنه يجوز الحكم به، فهو كافر، وإن لم يحكم به؛ لأنه مكذب لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، ولما يقتضيه قوله جل وعلا: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. الحكم بغير ما أنزل الله، معتقدا أنه أقرب إلى الحق، وأصلح للخلق، أو مساوي له، هذه الاعتبارات مهمة، سبب للكفر والردة، ولو اعتقد ولم يحكم كذلك، صار كافرا مرتدا؛ لأنه اعتقد ما هو كفر. وبه نفهم: أن من حكم بغير ما أنزل الله، مع علمه أنه مخطئ ومذنب، ولكن فعل ذلك ضعفا، أو لشهوة، وكرسي وملك ونحو ذلك، فهو عاص، ولكن لا يصل إلى الكفر. فما من أحد من المسلمين، من الرعية أو من الرعاة، إلا ويقع في الحكم بغير ما أنزل الله، فالسارق حين يسرق، هل حكم بغير ما أنزل الله؟ لم يحكم بما أنزل الله. وهكذا كذلك كل من فعل شيئا من المحرمات، فيما يتعلق بحكم الله، بعض العلماء فرق بين التشريع، بأن يجعل شريعة كاملة بدلا من شريعة الله، فقالوا: هذا الفعل يعد كفرا وردة، لماذا؟ قالوا: لأنه بهذا الاستبدال، صار عنده فعل بمعنى الاستحلال. والصحيح في هذا التفصيل، وهذا المنقول عن عدد من الأئمة والمحققين من أهل العلم قديما وحديثا. وأما ما نقل عن ابن كثير وغيره، فيما فعله بعض رؤوس التتار، جنكسخان وغيره، فإنما هي قضية من قضايا الأعيان، حكم فيها العلماء بما علموا، ولا ينبغي أن تعمم قضايا الأعيان، فيجعل ذلك مثالا يحتذى به، ويحكم به لجميع الناس، هذا ليس بصحيح. وهناك تفاصيل في هذه القضية، ينبغي الرجوع إلى علماء أهل السنة الذين بيّنوا هذه التفاصيل، حتى لا يقع المسلم في لوثة دعاة التكفير. قال رحمه الله تعالى: السبب السابع: النفاق، وهو أن يكون كافرا بقلبه، ويظهر للناس أنه مسلم، إما بقوله أو بفعله. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾. وهذا الصنف أعظم مما قبله، ولذلك كانت عقوبة أصحابه أشد، وهم في الدرك الأسفل من النار؛ لأن كفرهم جامع بين الكفر والخداع والاستهزاء بالله وآياته ورسوله. قال الله تعالى عنهم: ﴿مِّنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. وللنفاق علامات كثيرة، منها: الشك فيما أنزل الله، وإن كان يظهر للناس أنه مؤمن. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾. ومنها: كراهة حكم الله ورسوله. قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾. ومنها: كراهة ظهور الإسلام، وانتصار أهله، والفرح بخذلانهم. قال تعالى: ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ مُّصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَّهُمْ فَرِحُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾. ومنها: طلب الفتنة بين المسلمين، والتفريق بينهم، ومحبة ذلك. قال تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. ومنها: محبة أعداء الإسلام، وأئمة الكفر، ومدحهم، ونشر آرائهم المخالفة للإسلام. قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. ومنها: لمز المؤمنين، وعيبهم في عبادتهم. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. فيعيبون المجتهدين في العبادة بالرياء، ويعيبون العاجزين بالتقصير. ومنها: الاستكبار عن دعاء المؤمنين، احتقارا وشكا. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُّسْتَكْبِرُونَ﴾. ومنها: ثقل الصلاة، والتكاسل عنها. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أثقل الصلاة على المنافقين: صلاة العشاء، وصلاة الفجر»، الحديث متفق عليه. ومنها: أذية الله ورسوله. قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا﴾. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾. وهذه الصفات إذا تأملتها، تعلم أن المنافقين ليسوا فقط في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، بل هم في كل زمان ومكان، من كانت فيه هذه الصفات، فهو من المنافقين. وما أكثرهم في هذا الزمان، هؤلاء الذين يكتبون في وسائل الإعلام، ويظهرون فيها مرئية أو مسموعة أو مكتوبة، فيهمزون ويلمزون بالإسلام والمسلمين، ويشيدون بالكفار والكافرين، ويتحقق فيهم كل هذه الصفات أو بعضها، هؤلاء من المنافقين، ولو ظهروا في بعض وسائل الإعلام أنهم يصلون مع المصلين، ولو زعموا أنهم من المسلمين. فإن العبرة بماذا؟ بالحقائق لا بالمسميات، وهؤلاء يلحقهم حكم النفاق الذي وصف الله عز وجل به أهل الكتاب، ونبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سنته. فهؤلاء أهل النفاق، هم موجودون، ليس فقط في زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهم من تحققت فيهم هذه الصفات. قال: فهذه طائفة من علامات المنافقين، ذكرناها للتحذير منها، وتطهير النفس من سلوكها. اللهم عذنا من النفاق، وارزقنا تحقيق الإيمان على الوجه الذي يرضيك عنا، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، يا رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم آمين آمين.