الدرس في شرح مختصر السيرة 104، الدرس الرابع بعد المائة:من( موت رسول الله صلى الله عليه وسلم ... ما تحملني رجلاي وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
خرج الرسول من حجرته واطمأن على صلاة المسلمين خلف أبي بكر ثم عاد وتوفي. كان هذا الحدث الهام محاطًا بتفاصيل مهمة أثرت على المسلمين.
أنكر عمر بن الخطاب وفاة الرسول، بينما أكد أبو بكر الوفاة وخطب في الناس مستدلاً بآية قرآنية لتثبيتهم. كانت خطبته حاسمة في إثبات حقيقة الوفاة.
نزلت الآيات بعد غزوة أحد لتثبيت المؤمنين، وتبرز فضل أبي بكر واتباع الصحابة للعلماء. التفاضل بين أهل الفضل يزيد من فضلهم ولا يقتضي نقصًا.
موت الرسول لا يستدعي تغييرًا في الدين، وموت غيره من باب أولى. على المسلمين الثبات على ما جاء به الرسول والاستفادة من الدروس والعبر.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه "مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم": "قال: موت رسول الله صلى الله عليه وسلم". قال الزهري، رحمه الله تعالى: "حدثني أنس، قال: كان يوم الاثنين الذي قبض فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فرج إلى الناس وهم يصلون الصبح، فرفع الستر وفتح الباب". وفيه أن باب حجرة النبي عليه الصلاة والسلام عند عائشة كان ملتصقًا بالمسجد، وهو كما قلنا في مجرى كثير من الروايات في جانبه الأيسر، يعني مثل هذه الجهة في جهة يسار القبلة، يدخل منه. وكان على الباب ستار. وفيه استحباب اتخاذ الستار في الأبواب التي هي مظنة التكشف، خصوصًا فيما هو مظنة وجود عورة البيت، يعني مثلًا حجرة النساء يجعل عليها ستار، المنفذ إلى داخل البيت يجعل ستار فوق الباب، يجعل باب ويجعل ستار. لماذا؟ لأن الباب قد ينفتح وتمر المرأة لا تدري، فيكون الستار ساترًا من بعد الباب. قال: "فرفع الستر وفتح الباب، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام على باب عائشة، فكاد المسلمون يفتتنون في صلاتهم فرحًا به". ومعنى الفتنة يعني ينشغلون برؤية النبي عليه الصلاة والسلام والفرحة بخروجه عن أن يستمروا في صلاتهم. قال: "حين رأوه وتفرجوا عنه، فأشار إليهم أن يثبتوا على صلاتكم"، يعني لا تخرجوا منها ولا تلتفتوا إليه. "قال وتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سرورًا لما رأى من هيئتهم في صلاتهم"، يعني فرحًا باجتماعهم بعده عليه الصلاة والسلام خلف أبي بكر. "قال: وما روي أحسن منه هيئة تلك الساعة"، يعني في تلك الأيام، أيام مرضه، فقد نشط عليه الصلاة والسلام على خلاف ما كان عليه. وما علم الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنه نشاط ما قبل الموت عليه الصلاة والسلام. قال: "ثم رجع وانصرف الناس، وهم يرون أنه قد أفرق من وجعه"، يعني ظنوا أنه انتهى من وجعه وشفاه الله. "قال: وخرج أبو بكر إلى أهله بالسنح". والسنح كما ذكر المعلق اسم محل بالمدينة كان لأبي بكر فيه مال، رضي الله عنه أرضاه. "قال: فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الضحى من ذلك اليوم". ومعنى حين اشتد الضحى يعني في آخر الضحى من ذلك اليوم، أي ما قبل الظهر بساعة أو ساعتين. وأصل الحديث في الصحيح، لكن بغير هذا السياق. قال ابن إسحاق: "قال الزهري: حدثني سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عمر، فقال: إن رجالًا من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توفي، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما مات، ولكنه قد ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل: مات". "قال: والله ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد حين كما رجع موسى، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنه قد مات". وقال ذلك من شدة الحزن، رضي الله عنه أرضاه، غلب عليه الحزن، رضي الله عنه أرضاه. قال: "وأقبل أبو بكر حين حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر، وعمر يكلم الناس، فلم يلتفت إلى شيء حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مسجى في ناحية البيت عليه بردة حبرة أو بردة حبرة"، وينوع من الثياب اليمانية. "قال: فأقبل حتى كشف عن وجهه، ثم أقبل عليه فقبله". وفي رواية: "أنه قبله بين عينيه". واستدل به أهل العلم على جواز تقبيل الميت والحي في الرأس، تقبيل إكرام، وأن هذا مما كان عند أهل الإسلام. "قال: ثم قال: بأبي أنت وأمي، أما الموتة التي كتبها الله عليك فقد دقتها". والمعنى أنه لا ينبغي أن يحصل ما لا يفرح به النبي عليه الصلاة والسلام بعد موته من تفرق الناس واختلافهم. "قال: ثم لن تصيبك بعدها موته أبدًا". "ثم رد البردة على وجهه"، يعني سجاه فغطاه. "وخرج وعمر يكلم الناس، فقال: على رسلك يا عمر، أنصت". فأبى إلا أن يتكلم. "فلما رآه أبو بكر لا ينصت، أقبل على الناس". فلما سمع الناس كلام أبي بكر أقبلوا عليه، يعني وتركوا عمر. "قال: وتركوا عمر، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنه من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله تعالى فإن الله حي لا يموت". ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾. والآيات نزلت في غزوة أحد حين أصيب النبي عليه الصلاة والسلام، وبث المنافقون أنه مات عليه الصلاة والسلام، فأنزل الله عز وجل هذه الآيات تثبت أهل الإيمان، فوافق ذلك حكمة من الله عز وجل أن ينتفع بها في مثل هذا الموضع. وفي فضل أبي بكر ومنزلته عند الناس وفقه وثباته، وكل أهل فضل ولكن أهل الفضل يتفاوتون، كما قال الله عز وجل: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. فإذا كان رسل الله وكلهم أهل فضل بينهم تفاضل، فالصحابة من باب أولى، والتفاضل لا يقتضي نقصًا، ولكن يقتضي زيادة فضل. وفيه كذلك ما كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم من التسليم للعلم وأهله. وهكذا ينبغي أن تكون الأمم تابعة لعلمائها من عرفوا بالإمامة والهداية والرسوخ، فإن فعلوا ذلك فلحوا وأفلحوا. قال: "قال: فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر يومئذ". "قال: واخذها الناس عن أبي بكر، فإنما هي في أفواههم"، يعني صاروا يرددونها، رضي الله عنهم: "وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ"، يعني سبقت، وكل الرسل قد ماتوا، إذن محمد عليه الصلاة والسلام كذلك. "أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ". ومعناه أن من الرسل من مات ومن الرسل من قتل، وليس بما يناف الرسالة حصول الموت أو القتل، فإن ذلك لا يستلزم الانقلاب على العقب، أي ترك الإسلام أو الاختلاف والفرقة. "وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا"، أي إنما يضر نفسه. "وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ"، أي الذين يثبتون عند المصائب على الحق. قال أبو هريرة: "فقال عمر: فوالله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعثرت"، يعني صارت رجلاه ما تحمله خلاص، ذهبت قواه. "قال: حتى وقعت على الأرض، مات أحملني رجلاي، وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات". والحديث في الصحيحين، أي أصله، وهذه رواية البخاري. وأصل ذكر قصة وفاة النبي عليه الصلاة والسلام جاء معناها في الصحيح، وهذه رواية البخاري، لكن قد يروى بعضها مختصرًا. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الفصل لبيان موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف كان للمسلمين محنة، وكيف ثبت الله عز وجل أهل الحق بعلمائهم. وفي هذا درس من دروس التوحيد كذلك، إذ فيه أهمية اجتماع الكلمة على الحق ومتابعة أهل العلم، وأن الحق لا يتعلق بالأشخاص، وإنما يتعلق بالحق. فإذا كان موت رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقتضي ذلك تغييرًا ولا تبديلًا، فموت من دونه عليه الصلاة والسلام من سائر الناس من باب أولى أنه لا يقتضي تغييرًا ولا تبديلًا، بل الحق هو الأول العتيق الذي جاء به رسولنا صلى الله عليه وسلم. وفيه آيات عبر كثيرة. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.