الدرس في شرح مختصر السيرة 72، الدرس الثاني والسبعون:من( غزوة الأحزاب ... إلى قوله {وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم}ثم دخلت السنة السادسة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
كانت غزوة الأحزاب بسبب تحريض اليهود لقريش وغيرها على غزو النبي، فاستطاعوا جمع عشرة آلاف مقاتل. استشار النبي أصحابه فأشار سلمان الفارسي بحفر خندق.
حاصر المشركون المدينة لمدة شهر، بينما تحصن المسلمون خلف الخندق. نجح حيي بن أخطب في إقناع بني قريظة بنقض العهد، وتصدى علي بن أبي طالب لعمرو بن عبد ود وأبطال المشركين.
أسلم نعيم بن مسعود وأمره النبي أن يخدع الأحزاب، فنصحهم بما يثير الشك بينهم، مما أدى إلى تفرقتهم وضعفهم. أرسل الله الريح والملائكة على الأحزاب فهربوا.
توجه المسلمون إلى بني قريظة وحاصروهم حتى استسلموا ونزلوا على حكم سعد بن معاذ. جاءت الرواية في حديث جابر بن عبد الله وغيره من الصحابة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه «مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم»: غزوة الأحزاب. قال: وفي هذه السنة، وهي سنة خمس، كانت وقعة الخندق في شوال. وقال بعض أهل العلم: بل وقعت في سنة أربع. وقد بوّب البخاري، رحمه الله، في صحيحه بابًا، قال: «باب غزوة الخندق»، قال موسى بن عقبة: «كانت في شوال سنة أربع». ثم أورد أحاديث يستدل بها على هذا المعنى أنها كانت في شوال في سنة أربع، وليست في سنة خمس. وفيها خلاف بين أهل التاريخ. قال رحمه الله تعالى: وسببها أن اليهود لما رأوا انتصار المشركين يوم أحد، خرج أشرافهم، كسلام بن أبي الحقيق وغيره، إلى قريش بمكة، يحرّضونهم على غزو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووعدهم من أنفسهم النصر لهم -يعني ابن أبي الحقيق- فأجابتهم قريش، ثم خرجوا إلى غطفان، فاستجابوا لهم، ثم طافوا في قبائل العرب يدعونهم إلى ذلك، فاستجاب لهم من استجاب. وبه نعرف كيد اليهود ومكرهم. إن قريشًا لما أتوا حاقدين منتقمين ناقمين، في غاية من الغيض والغضب، على ما وقع لهم يوم بدر، ما استطاعوا أن يجمعوا من الناس بمثل ما فعل اليهود في غزوة الأحزاب، فإنهم استطاعوا أن يجمعوا من قبائل العرب قدر عشرة آلاف أو أكثر، بينما قتل من قتل من آباء وإخوة وأبناء أهل مكة، واشتد غضبهم وحنقهم وغيظهم، ومع ذلك ما استطاعوا أن يجمعوا مثل هذا العدد، ولا نصفه في غزوة أحد. واستطاع اليهود أن يجمعوا من قبائل العرب قدر عشرة آلاف أو أكثر. وهذا بسبب ماذا؟ بسبب تحريضهم وحثهم، فيدلك على خلق اليهود، وهم على ذلك من قديم الزمان، حتى عيسى عليه الصلاة والسلام، مكروا به مكرًا عظيمًا، وحرضوا من حرضوا من الروم حتى أرادوا قتله مرات عليه الصلاة والسلام، وآخرها قصة الصلب، فرفعه الله، وشبه مثله، فكان الذي كان فيما طمع اليهود، ومن أعانهم من الروم. قال رحمه الله تعالى: فاستجابوا لهم، ثم طافوا في قبائل العرب يدعونهم إلى ذلك، فاستجاب لهم من استجاب. فخرجت قريش، وقائدهم أبو سفيان، في أربعة آلاف، ووافقهم بنو سليم بمر الظهران، وبنو أسد، وفزارة، وأشجع، وغيرهم. وكان من وافى الخندق من المشركين عشرة آلاف -يعني كان جمعهم عشرة آلاف- وقيل: أكثر من ذلك. قال: فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمسيرهم إليه، استشار أصحابه، فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر خندق يحول بين العدو وبين المدينة، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبادر إليه المسلمون، وعمل فيه بنفسه. وكان في حفره من آيات نبوته ما قد تواتر الخبر به. وقصة الخندق وغزوة الأحزاب جاءت أدلتها، كما سيأتي، في أحاديث كثيرة، بل في أدلة كثيرة من آيات القرآن. ونزلت في ذلك سورة باسمها، وهي سورة الأحزاب. وأوائل الآيات فيها في قصة ما وقع يوم الخندق، مما ابتلي به المسلمون في تلك الوقعة والغزوة. وهكذا كذلك أثر الخندق لا يزال موجودًا إلى يومنا هذا في المدينة، يعرف أهل المدينة، ومن زار المدينة وسأل أهلها، يعرف موضعه والمكان الذي حفر فيه. ولا تزال بعض آثار تلك الغزوة موجودة، يعرفها من يعرف المدينة. قال: وخرج صلى الله عليه وسلم وهم يحفرون في غداة باردة، فلما رام بهم من الشدة والجوع، قال: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة». فقالوا مجيبين له: «نحن الذين بايعوا محمدًا على الجهاد ما بقينا أبدًا». وهذا روي في الصحيحين من حديث أنس، بسياق طويل، وفيه ذكر أنهم خرجوا في غداة -يعني في صباح يوم بارد- وبدءوا يحفرون. قال أنس: ولم يكن لهم عبيد -يعني المهاجرون والأنصار لم يكن لهم من العبيد من يعمل لهم في ذلك الوقت- وكانوا يعملون في جوع ونصب، حتى قال جابر بن عبد الله: «عمل المهاجرون والأنصار ثلاثة أيام، ولم يدوقوا طعامًا قط». ثلاثة أيام لم يأكلوا شيئًا أبدًا. قال: فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل إلى الخندق، وقد ربط على بطنه حجرًا، حين اعترضتهم صخرة عظيمة -كدية عظيمة- فقالوا: «يا رسول الله، كدية عظيمة ما استطعنا». قال: «إني نازل». فنزل، وهو رابط على بطنه حجر عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيحين في حديث جابر بن عبد الله. فضربها بما معه من مِعْوَل أو نحوه، فعادت كثيبًا وترابًا. الشاهد لما رأى بهم من الجوع عليه الصلاة والسلام، قال هذه الأبيات، كما جاء في حديث أنس في الصحيحين، وجاء معناه في الصحيحين من حديث سهل، ومن حديث البراء كذلك، ومن حديث جابر بن عبد الله. وفي رواية قال: «فانغفر للأمصار والمهاجرة». هكذا في الصحيحين. وفي رواية للبخاري: «فأكرم الأنصار». وفي رواية أخرى للبخاري: «فبارك للأنصار والمهاجرة». وفي رواية لمسلم: «فانصر الأنصار والمهاجرة». وكلها روايات صحيحة، لأنهم كانوا يرددون هذه الأبيات، فربما قال هذا، وقال هذا، وقال هذا. أربع دعوات دعا بها النبي عليه الصلاة والسلام للمهاجرين والأنصار، وقدم الأنصار، قالوا: لوجهين؛ لأنهم أهل الدار، وابتلوا بما ابتلوا به من أجل هجرة المهاجرين. وهكذا كذلك ما كان من الإسلام. ولهذا أراد النبي عليه الصلاة والسلام، كما سيأتي، أن يثامن بعض قبائل العرب على أن يعطيهم من ثمار المدينة، ويرجعوا ويتركوا القتال. فاستشار أهل المدينة من الأوس والخزرج، فقالوا: «إن شاء أمرك الله به، وإلا فإنا لا نرى إلا السيف». وكانوا يقولون: «نحن الذين بايعوا محمدًا على الجهاد ما بقينا أبدًا». فكان يجيبهم عليه الصلاة والسلام: «لولا أنتم لولا أنتم لما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلنا سكينة علينا وثبت الأقدام إن الألى قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا وأبينا». وكانوا يرفعون بها أصواتهم: «أبينا أبينا». قال: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة آلاف من المسلمين، فتحصن بالجبل من خلفه -جبل سلع- وبالخندق أمامه. وجبل سلع جبل صغير معروف في المدينة. قال: وبالخندق أمامه، وأمر بالنساء والذراري فجعلوا في آطام المدينة. وآطام المدينة في طرفها، مواضع مرتفعة، جعل على كل أطم من آطامها طائفة. فجعل على أطم حسان، وجعل على أطم ابن أم مكتوم، وجعل على أطم آخرين، كما جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن الزبير: «أنه قال: كنت على أطم حسان وأنا صغير يوم الخندق، ومعي عمر بن سلمة، ننظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والمهاجرين والأنصار، وهم يذهبون ويرجعون». قال: «فنظرت إلى أبي، وإذا هو يذهب ويرجع على خيل». فسأل أباه، وقال: «أرأيت كذلك؟» قال: «نعم». قال: «لو علمت». وقد فداني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبيه، وذلك حين ندب النبي صلى الله عليه وسلم الناس -يعني من يخرج فينظر أمر المشركين- يعني ما هم عليه، ويتجسس. وكان هذا أمرًا عسيبًا. فسكت المهاجرون والأنصار، فانتدب نفسه الزبير، يقول: «أنا يا رسول الله». فانتدب ثانية النبي صلى الله عليه وسلم، فسكت الناس، وانتدب الزبير. ثلاث مرات فقال عليه الصلاة والسلام: «الحديث العظيم: إن لكل نبي حواري، وإن حواري الزبير، وإن حواري الزبير». وهذا يدلك على شجاعة الزبير، وقوته، وتباته، ويقينه في وقت الشدة. قال: وانطلق حُيَي بن أخطب إلى بني قريظة، فدنا من حصنهم، فأبى كعب بن أسد أن يفتح له، فلم يزل يكلمه حتى فتح له. فلما دخل الحصن، قال: «جئتك بعز الدهر، جئتك بقريش وغطفان وأسد، على قاداتها، لحرب محمد». قال كعب: «بل جئتني والله بذل الدهر، وجئتني بجهام قد أراق ماءه». والجهام: السحاب الخفيف الذي يمشي مسرعًا، وليس فيه ماء، وإنما لو كان فيه ماء قد أنزله في مكان آخر. قال: «فهو يرعد ويبرق، وليس فيه شيء» -يعني أن هذا الذي تصنعونه ما سيؤثر على أهل المدينة من شيء- قال: فلم يزل به حتى نقض العهد الذي بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل مع المشركين. وسر بذلك المشركون. واشترط كعب على حيي: أنهم إن لم يظهروا على محمد، أن يجيء حتى يدخل معهم في حصنهم، فيصيبه ما يصيبهم. فاشترط ذلك، ووفى له -يعني طلب كعب من حيي أنه يأتي إلى حصنه إذا قدر أن المشركين لم ينصروا- قال: وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر، فبعث إليهم السعدين: سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة. وكانا على الأوس والخزرج، وذلك لأجل أن ينظرا الخبر: هل صحيح أن بني قريظة نقضوا العهد؟ قال: وخوات بن جبير، وعبد الله بن رواحة: ليتعرفوا الخبر. فلما دنوا منهم، وجدوهم على أخبث ما يكون، وجاهروهم بالسب، ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني عرفوا عند ذلك أنهم نقضوا العهد الذي بينهم وبين المسلمين- وقد مر معنا الكلام على هذا العهد في مواضع في دروس سابقة. قال: فانصرفوا، ولحنوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لحنًا. فعظم ذلك على المسلمين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين» -يعني لن يضيعكم الله- قال: واشتد البلاء، ونجم النفار -يعني ظهر- واستأذن بعض بني حارثة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذهاب إلى المدينة -يعني الرجوع من جبل سلع- وقالوا: «إن بيوتنا عورة» -يعني مكشوفة- «نحن نريد أن نسترها». وهم يريدون قذف النبي عليه الصلاة والسلام ومن معه بتقليل عددهم، وإضعاف قوتهم. وقالوا: «إن بيوتنا عورة». وما هي بعورة. «إن يريدون إلا فرارًا». هكذا قال الله عز وجل، وهو أصدق القائلين. قال: وأقام المشركون محاصرين رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرًا، ولم يكن بينهم قتال لأجل الخندق، إلا أن فوارس من قريش، منهم عمرو بن عبد ود، أقبلوا نحو الخندق. فلما وقفوا عليه، قالوا: «إن هذه مكيدة ما كانت العرب تعرفها». ثم تيمموا مكانًا ضيقًا منه -يعني يريدون المرور من مكان ضيق- وجالت بهم خيلهم في السبخة. والسبخة: كما قلنا: الأرض التي فيها رطوبة، والغالب تكون من الملوحة، وهي في الجهة الجنوبية من المدينة. قال: ودعوا إلى البراز -يعني المبارزة- قال: فانتدب لعمرو علي بن أبي طالب، فبارزه، فقتله. غفر الله على يدي علي. وكان من أبطال المشركين -يعني عمرو- وانهزم أصحابه -يعني بقتل عمرو- قال: ولما طالت هذه الحال على المسلمين، أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصالح عُيينة بن حصن، والحارث بن عوف، رئيسي غطفان، على ثلث ثمار المدينة، وينصرفا بقومهما. وجرت المفاوضة على ذلك. واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم السعدين -يعني سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة- فقالا: «إن كان الله أمرك، فسمعًا وطاعة. وإن كان شيئًا تصنعه لنا، فلا». لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك وعبادة الأوثان، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة -يعني في أيام الشرك- إلا قرى -يعني ضيافة- أو بيعًا، أن يباع لهم. «أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وأعزنا بك، نعطيهم أموالنا؟ والله لا نعطيهم إلا السيف». فصوبا رأيهما. وقال: «إنما هو شيء أصنعه لكم». لما رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة. وقلنا: لأجل هذا قدم النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الأنصار في البيت، لا لأنهم أفضل من المهاجرين، ولكن تسلية لهم. وثانيًا كذلك لأجل وزن القافية الأخرى، ذكر المهاجرين. قال: ثم إن الله عز وجل -وله الحمد- صنع أمرًا من عنده، خذل به العدو. فمن ذلك: أن رجلًا من غطفان، يقال له: نعيم بن مسعود، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «قد أسلمت، فمرني بما شئت». فقال: «إنما أنت رجل واحد، فخذل عنا ما استطعت، فإن الحرب خدعة». فذهب إلى بني قريظة، وكان عشيرًا لهم -يعني يعاشرهم- فدخل عليهم، وهم لا يعلمون بإسلامه، فقال: «إنكم قد حاربتم محمدًا، وإن قريشًا إن أصابوا فرصة انتهزوها، وإلا انشمروا إلى بلادهم راجعين، وتركوكم ومحمدًا، فانتقم منكم» -يعني تركوكم وهربوا إلى بلادهم- قالوا: «فما العمل؟» قال: «لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن» -يعني من رؤسائهم- «حتى لا يهربوا، ويثبتوا إلى آخر رجل منهم». فقالوا: «قد أشرت بالرأي». ثم مضى إلى قريش، فقال: «هل تعلمون ودي لكم ونصحي؟» قالوا: «نعم». خصوصًا أن قبيلته غطفان خرجت معهم في هذا الجيش. قالوا: «نعم». قال: «إن اليهود قد ندموا على ما كان منهم، وإنهم قد أرسلوا إلى محمد: أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه، ثم يمالئونه عليكم. فإن سألوكم، فلا تعطوهم». ثم ذهب إلى غطفان، فقال لهم مثل ذلك. فلما كانت ليلة السبت من شوال، بعثوا إلى يهود: «إن لسنا معكم بأرض مقام، وقد هلك الفراش والخف» -لأنهم قعدوا شهرًا كاملًا يأكلون ويطعمون أنفسهم وغيرهم، ولم يغفروا بشيء- قال: «فاغدوا بنا إلى محمد، حتى نناجزه». فأرسلوا إليهم -يعني قالوا- «إذن نخرج بما معنا من قوة، ونقاتل». فأرسلوا إليهم: «إن اليوم يوم السبت» -يعني اليهود أرسلوا إلى المشركين- «وقد علمتم ما أصاب من قبلنا حين أحدثوا فيه، ومع هذا فلا نقاتل معكم حتى تبعثوا لنا رهائن». فلما جاءتهم رسلهم، قالوا: «قد صدقكم والله نعيم». فبعثوا إليهم: «إن والله لا نبعث إليكم أحدًا». فقالت قريظة: «قد صدقكم والله نعيم». فتخاذل الفريقان -يعني ضعفت همتهم في القتال- قال: وأرسل الله إلى المشركين -أو على المشركين- جندًا من الريح، فجعلت تقوض خيامهم، ولا تجعل لهم قدرًا إلا كفأتها، ولا طنبًا إلا قلعته. وجندًا من الملائكة يزلزلون بهم، ويلقون في قلوبهم الرعب، كما قال الله: «يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها» الآيات. وهكذا فيها: «إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون». قالت عائشة رضي الله عنها، كما في الصحيحين عنها: «كان هذا يوم الخندق» -يعني نزلت هذه الآيات في يوم الخندق- وجاء في مسند الإمام أحمد، وصححه العلامة الألباني في «الصحيحة» في الجزء الخامس، عن أبي سعيد: «أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم حين نزلت هذه الآيات، فقالوا: ما نقول؟ أو أهل تأمرنا بشيء يا رسول الله؟» فعلمهم أن يقولوا في دعائهم: «اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا». فآمن الله عز وجل روعاتهم، وستر عوراتهم. قال: وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان يأتيه بخبرهم، فوجدهم على هذه الحال. وخبر حذيفة في الصحيح، حين نزل عليهم في الليل، وقد فعلت الريح فيهم ما فعلت. قال: «وقد تهيأوا للرحيل، فرجع إليه، فأخبره برحيلهم». فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، انصرف عن الخندق راجعًا -يعني حين فر المشركون- والمسلمون إلى المدينة، فوضعوا السلاح -يعني بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين- قال: فجاءه جبريل وقت الظهر. وفي رواية في الصحيح، عن عائشة، في البخاري: «وقد عصب رأسه -أي جبريل- فقال: أقد وضعتم السلاح؟ إن الملائكة لم تضع بعد أسلحتها. انهض إلى هؤلاء -يعني بني قريظة- فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان سامعًا مطيعًا، فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة». والحديث في الصحيحين، عن عائشة. قال: فخرج المسلمون سراعًا، حتى إذا دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم، قال: «يا إخوان القردة والخنازير، هل أخزاكم الله، وأنزل بكم نقمته؟» وقوله: «يا إخوان القردة». انظر إلى هذه العبارة الدقيقة، فإنها أصح من من يعبر بقوله: «يا أحفاد القردة». لأن الأمة الممسوخة لا يلد لها، كما جاء في صحيح مسلم. وإنما هم إخوة القردة، ليسوا أبناء القردة. فإن القردة التي مسخت -أو من مسخ من اليهود- لقردة، لم ينسل لتلك القردة نسل، بل إنها تكون عقيمة، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام، فيما جاء في صحيح مسلم. وهذا الذي تقضيه كذلك معارف علوم أهل الطب. قال: وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسًا وعشرين ليلة، حتى جهدهم الحصار -يعني تعبوا- وقدف الله في قلوبهم الرعب، فقال لهم رئيسهم كعب بن أسد: «إني عارض عليكم خلالًا ثلاثًا، خذوا أيها شئتم: نصدق هذا الرجل، ونتبعه». فإنكم تعلمون أنه لنبي -لنبي الذي تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة- قالوا: «لا نفارق حكم التوراة أبدًا». قال: «فاقتلوا أبناءكم ونساءكم، واخرجوا إليه مصلتين سيوفكم، حتى يحكم الله بينكم وبينه». قالوا: «فما خير العيش بعد أبنائنا ونسائنا؟» -يعني الرأي الأول أن تسلموا، تدخلوا في الإسلام، فأبوا- والرأي الثاني: أن تقاتلوا عن آخر شيء، ولو قتلتم الأبناء والنساء، فأبوا الثاني. قال: «فانزلوا الليلة، فعسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنوكم فيها؛ لأنها ليلة السبت، لعلنا نصيب منهم غرة». قالوا: «لا نفسد سبتنا، وقد علمت ما أصاب من اعتدوا في السبت». قال: «ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة من الدهر حازمًا». ثم نزلوا -يعني سبه- ثم نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فحكم فيهم سعد بن معاذ. فحكم: أن تقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتسبى النساء والذراري. وأنزل الله بغزوة الخندق صدر سورة الأحزاب، وذكر قصتهم بقوله: «يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إلى قوله: وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم». قال: ثم دخلت السنة السادسة. وهذه القصة كذلك جاءت في الصحيحين، معناها، عن عدد من الصحابة، في قصة حصار بني قريظة، ونزولهم على حكم سعد بن معاذ. جاء من حديث جابر بن عبد الله، وغيره من الصحابة. نكتب بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.