الدرس في شرح ستة مواضع من السيرة 5، الموضع الخامس:قصة الهجرة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل قصة الهجرة النبوية وبعض مسائلها، مشيراً إلى وجوب الهجرة على المسلمين من مكة إلى المدينة. كما يبين أن بعض الصحابة لم يهاجروا لأسباب مختلفة.
يشرح هذا الفصل خطورة عدم الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، ويبين أن البقاء بين الكفار مع القدرة على الهجرة يعتبر ظلمًا للنفس وقد يؤدي إلى الفتنة.
يتناول هذا الفصل أهمية الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام وعلاقتها العميقة بالعقيدة، مشيراً إلى أن الإيمان ليس بالادعاء فقط بل يقتضي الأعمال الصالحة.
يتناول هذا الفصل سبب نزول بعض الآيات في سورة النساء، ويبين المعنى العظيم الذي تدل عليه هذه الآيات.
بسم الله الرحمن الرحيم قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: قال الموضع الخامس قصة الهجرة، وفيها من الفوائد والعبر ما لا يعرفه أكثر من قرأها، ولكن مرادنا الآن مسألة من مسائلها، وهي أن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يهاجر من غير شك في الدين وتزيين دين المشركين، ولكن محبة للأهل والمال والوطن، فلما خرجوا إلى بدر خرجوا مع المشركين كارهين، فقتل بعضهم بالرمي، والرامي لا يعرفه -يعني من المسلمين- حين رمى المشركين وفي وسطهم بعض المسلمين. قال: فلما سمع الصحابة رضي الله عنهم أن من القتلى فلانا وفلانا شق عليهم، وقالوا: قتلنا إخواننا، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾. فمن تأمل قصتهم وتأمل قول الصحابة: قتلنا إخواننا، علم أنه لو بلغهم عنهم كلام في الدين أو كلام في تزيين دين المشركين لم يقولوا: قتلنا إخواننا، فإن الله تعالى قد بيّن لهم وهم بمكة قبل الهجرة أن ذلك كفر بعد الإيمان بقوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾. وأبلغ من هذا ما تقدم من كلام الله تعالى فيهم، فإن الملائكة تقول لهم: ﴿فِيمَ كُنتُمْ﴾ ولم يقولوا: كيف تصديقكم؟ قالوا: ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ ولم يقولوا: كذبتم، مثل ما يقول الله والملائكة للمجاهد الذي يقول: جاهدت في سبيلك حتى قتلت، فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، بل قاتلت ليقال: جريء. وكذلك يقولون للعالم والمتصدق: كذبت، بل تعلمت ليقال: عالم، وتصدقت ليقال: جواد. وأما هؤلاء فلم يكذبوهم، بل أجابوهم بقولهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾. ويزيد ذلك إضاحا للعارف والجاهل التي بعدها، وهي قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾. فهذا أوضح جدا أن هؤلاء خرجوا من الوعيد، فلم يبق شبهة، لكن لمن طلب العلم، بخلاف من لم يطلبه، بل قال الله فيهم: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾. ومن فهم هذا الموضع والذي قبله فهم كلام الحسن البصري قال: «ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال». وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾. أورد الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله هذا الموضع من مواضع السيرة ليستدل به رحمه الله -كما تقدم- على عظم معنى التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وكذلك ما كان عليه أمر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته مما يجلي ذلك ويوضحه، وأنه لا ينحصر بالقول دون العمل. فقال رحمه الله: الموضع الخامس قصة الهجرة -يعني وما فيها من عظات وعبر- ولهذا قال: وفيها من الفوائد والعبر ما لا يعرف أكثر من قرأها. والمقصود بالهجرة هجرة المسلمين من مكة إلى المدينة، ومكة دار كفر، فهي هجرة واجبة أمر ربنا جل وعلا بها المؤمنين، وأصل هذه الهجرة باق إلى قيام الساعة. قال النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: «لا تزال الهجرة باقية إلى قيام الساعة». وجاءت فيه ألفاظ، وكذلك لا يعارضه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا هجرة بعد الفتح»، فالمقصود: لا هجرة بعد فتح مكة من مكة، وقد صارت مكة دار إسلام. والمقصود: لا ينال أجر الهجرة المذكور في نصوص الكتاب والسنة بعد أن صارت مكة دار إسلام، ولا يعني ذلك انقطاع الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، بل هي باقية إلى قيام الساعة. سواء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أو فيما بعده إلى قيام الساعة، ولكن -كما ذكر رحمه الله- ليس مقصوده من هنا أن يتتبع هذه الفوائد والعبر جميعا، ولكن مراده أن ينبه على مسألة واحدة عظيمة لها تعلق بما أراده في هذه الرسالة المختصرة. ولهذا قال: ولكن مرادنا الآن مسألة من مسائلها، وهي أن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يهاجر -إلى آخر كلامه رحمه الله- وهو يريد بهذا أن يبين رحمه الله تعالى رحمة واسعة أن هؤلاء الذين لم يهاجروا وقع لهم ما وقع من الإثم، وكذلك أصابهم ما أصابهم في الدنيا، وذلك لتخلف تحقيق معنى التوحيد الذي منه البراءة من أهل الشرك والهجرة من بلاد أهل الشرك إلى بلاد أهل التوحيد. فإذا كان هذا -كما ذكر رحمه الله- وهم لم يشكوا في دين المشركين، فضلا أنهم زينوا دين المشركين، وهو يشير بهذا إلى بعض أهل زمانه رحمه الله ممن يبقى بين أهل الشرك من عباد القبور ودعاة أهل الوثنية، ويزعم أنه من أهل التوحيد، يبقى بينهم، وربما من كثرة ما يسمع من الشبه وما يخالط من البدع والشرك يحصل في قلبه شيء من الشك. وأعظم من هذا أن يزين دين المشركين بقول أو فعل، ولو لم يكن إلا بقاؤه مع المشركين ومناصرته لهم لكان هذا أعظم فتنة. فهو يشير: إذا كان هذا قد وقع -كما سيأتي إن شاء الله الإشارة إليه قد قرأنا بعضه- إذا كان هذا قد مضى في حق من كان هذا حاله ممن كان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن قصدهم في ذلك إلا -كما قال رحمه الله- محبة للأهل والمال والوطن -يعني حصل عندهم شيء من التقصير بسبب مشقة مفارقة الأهل والمال والوطن-. ومع ذلك لما وقع لهم ما وقع حين قتلوا، وقد أخرجوا كرها -كما قال: خرجوا مع المشركين كارهين- أكرهوا على الخروج. وما أشار إليه رواية في كتب السيرة وبعض كذلك كتب الحديث والتفسير بشيء من التطويل. وقد رواية مختصرا في صحيح البخاري من حديث ابن عباس -يعني أصل سبب نزول هذه الآية- أخرجه البخاري في كتاب التفسير في تفسير هذه الآية من سورة النساء. وأخرجه كذلك في باب في كتاب الفتن، باب من كره أن يكثر سواد أهل الفتن والظلم، وذكر هذا الحديث حديث ابن عباس في قصة هؤلاء ونزول هذه الآية فيهم على وجه الاختصار. وجاء مطولا في شيء من الطول عند ابن أبي حاتم كذلك من حديث ابن عباس بإسناد صحيح. وقد أشار إليه ابن كثير رحمه الله في تفسيره، وهو موجود في تفسير ابن أبي حاتم المطبوع. فدل ذلك على ما أشار إليه رحمه الله من أن هؤلاء لم يكونوا كفارا، بل كانوا مسلمين، ومع ذلك لما حصل منهم تقصير في العمل بهذا الإسلام والإيمان والتوحيد سماهم ربنا جل وعلا ظالمين ظلموا أنفسهم. وهكذا كذلك تقول لهم الملائكة. وقوله: فمن تأمل قصتهم وتأمل قول الصحابة: قتلنا إخواننا، علم أنه لو بلغهم عنهم كلام في الدين -إلى آخره- يعني معناه أن هذا وهم يرون أنهم من إخوانهم ومن أهل الدين، ولم يعلموا عنهم ما ينافي ذلك. ومع ذلك نزلت فيهم هذه الآية في سورة النساء -أو الآيات في سورة النساء- وهو يريد رحمه الله إلى خطورة عدم العمل بالعلم، وأن حقيقة الإيمان قول وعمل، وأن من أعظم ما يجب أن يحذر منه المسلم مناصرة المشركين بالقول أو الفعل، أو كذلك تكثير سوادهم. وكما تقدم الإمام البخاري استدل بحديث ابن عباس هذا وسبب نزول هذه القصة على عدم جواز تكثير سواد أهل الفتن والظلم، فكيف بأهل الكفر والشرك؟ وفيه كذلك عظم منزلة الهجرة -الهجرة من بلاد الكفر والشرك إلى بلاد الإيمان والتوحيد- وقد ورد في هذا المعنى أحاديث كثيرة. ومن هذا الكثير ما ثبت عند أبي داود وغيره من حديث سمرة رضي الله عنه قوله عليه الصلاة والسلام: «من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله». فهو مثله. ولهذا -كما قال غير واحد من أهل العلم- وروي معناه عن جماعة من الأئمة والتابعين أن هذه الآية وسبب نزولها وإن كانت نزلت في هذا السبب الخاص، لكنها عامة في كل من تأخر عن الهجرة من بلاد الكفر والشرك إلى بلاد الإسلام مع تمكنه واستطاعته، واستطاعته للهجرة، وهو في بلاد الكفر، وبلاد الإسلام ليس يقيم دينه. أن من فعل ذلك فهو ظالم لنفسه، مرتكب للإثم العظيم بإجماع المسلمين، بإجماع المسلمين. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الآخر: «المسلم أنا بريء من مسلم يعيش بين ظهراني المشركين». «المسلم والمشرك لا تتراءى نارهما» -يعني لا ينبغي أن يكون موقد نار هذا قريبا من موقد نار هذا- والمعنى: «لا يسكن قريبا منه، فضلا أن يكون معه». وفي هذا كذلك تعظيم منزلة الهجرة، وأنها لها تعلق عظيم بالعقيدة. فإذا كان هذا في حق من تأخر عن الهجرة، فكيف بمن لم يهاجر؟ وأعظم من هذا: كيف من لم يحدث نفسه بالهجرة؟ وهذا أعظم. وأعظم من هذا وأشد: من ترك بلاد المسلمين واستقر في بلاد الكافرين. كحال بعض الناس من المسلمين في هذا الزمان، يترك بلاد المسلمين لأجل ما فيها من شدة عيش وقلة رخاء ورفاهية في الدنيا، وينتقل إلى بلاد الكافرين طمعا بالرخاء والرفاهية وغير ذلك من متاع الدنيا الزائل. ولو وقف على مثل هذا العلم لعلم خطورة البقاء بين أهل الكفر والشرك، وكيف أنه لم يسلم من إثم ذلك بعض الصحابة الأولين الذين كانت لهم السابقة في الإسلام مع النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنهم لما لم يهاجروا مع استطاعتهم كان ما كان. ومن ذلك نزول هذه الآية. وقوله رحمه الله: فإن الله قد بيّن لهم وهم بمكة قبل الهجرة أن ذلك كفر بعد الإيمان -يعني من رضي لنفسه أن يبقى بين الكفار حتى يفتن في دين الله- ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ سمى ذلك كفرا، ولو كان هذا الكفر باللسان فهو كفر، لكنه كفر دون كفر. فهناك شيء يقع باللسان مع اطمئنان القلب، صاحبه معذور. وهناك شيء يقع باللسان مع عدم اطمئنان القلب، صاحبه يقع في الردة والعياذ بالله. هذه كيفية وصورة. وهناك من يقول بلسانه الكفر مع طمأنينة قلبه، لكنه يأثم ولا يؤجر، لماذا؟ لأنه تأخر في هجرته حتى عرض نفسه للفتنة، عرض نفسه للفتنة. وكيف بمن وقع بما يكون به مناصرة المشركين؟ فهذا أعظم وأشد. وهذه الفتنة وهذا القول لكلمة الكفر التي لا يحبها الله سبحانه وتعالى للمؤمن قد يكون بلسان المقال، وقد يكون بلسان الحال، قد يكون بلسان المقال، وقد يكون بلسان الحال. ولا يشك أحد أن أحدا يبقى بين المشركين والكافرين لا يسلم من موافقتهم ومداهنتهم، والضعف في إقامة دينه بينهم. فإذا كان كذلك استحق بهذا ومثله أن يكون من الظالمين. وقوله: أبلغ من هذا ما تقدم من كلام الله تعالى فيهم -يعني حين تقول لهم الملائكة: ﴿فِيمَ كُنتُمْ﴾ ومعنى: ﴿فِيمَ كُنتُمْ﴾ يعني ما الذي منعكم وشغلكم عن الهجرة وأنتم تستطيعونها؟ أنتم تستطيعون الهجرة، فما الذي أخركم أن تهاجروا؟ فإذا كان كذلك، فكيف بمن كان الأمر عنده أعظم من هذا؟ يعني أن يضعف تصديقه. ولهذا قال: ولم يقولوا: كيف تصديقكم؟ لأنهم -كما تقدم- علم عنهم الإيمان والتصديق، ولكن المقصود ها هنا أنهم حصل منهم التخلف في العمل، التخلف في العمل. وهو يشير بهذا ويخاطب من يبقى بين عباد القبور، ويكون ما يكون من مداهنتهم، ثم إذا لقي أهل التوحيد قال: نحن نعرف أنهم على ضلال، ونحن نعرف أنكم على حق، ومع ذلك يساكن ويعاشر هؤلاء. فإذا قوله: كيف تصديقكم؟ يعني أن بعض أهل زمانه في تصديقه شيء، يشير إلى أن هذا أعظم مما فيه نزول هذه الآية. وقوله: ولم يقول: كذبتم مثل ما يقول الله والملائكة للمجاهد -يشير إلى حديث أبي هريرة المشهور في الثلاثة الذين أول من تسعر بهم النار- وكان أبو هريرة إذا حدث بهذا الحديث يغشى عليه لعظم ما فيه. والشاهد أن هؤلاء لم يكونوا قد صدقوا في أعمالهم، فلذلك تكذبهم الملائكة -المجاهد والعالم والمتصدق- وهو يشير رحمه الله أن هؤلاء الذين نزلت فيهم هذه الآية لم يكذبوا، ولكن كان بسبب ماذا؟ بسبب أنهم تخلفوا عن شيء من العمل العظيم، وهو الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، من بلاد الشرك إلى بلاد التوحيد، ومن خلطة المشركين إلى مخالطة ومناصرة المؤمنين. فصار هذا إثمهم، وهذا سبب ظلمهم. ولهذا -كما قال- أجابوهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ يعني ليس لكم عذر، أرض الله واسعة. وهكذا يقال في كل من تخلف وتأخر عن الهجرة، فضلا عن من لم يعزمها، فضلا عن من لم يحدث نفسه بها. وأعظم من هذا وأشد: من ترك بلاد الإسلام وذهب إلى بلاد الكفار. بل بعضهم يجادل بالباطل ويكذب على نفسه فيقول: أنا أستطيع أن أفعل ما أريد في بلاد الكفار، فأطبق ديني أحسن من بلاد المسلمين. وهذا كذب وباطل. لو سئل مثل هذا الإنسان: هل تسمع لا إله إلا الله يؤذن بها كما تسمعه ببلاد الإسلام؟ لا أجاب: لا. فأين هذه الديمقراطية والحرية الكاذبة، بينما نواقض النصارى يصرخ بها؟ ولكن لا يمكن ذلك لأهل الإسلام. أليس في بلاد الكفار مساجد للمسلمين حولت لمتاحف، ويمنع أن يأتي إنسان فيصلي فيها؟ كما أخبرني بعض الإخوة في بعض المساجد في إسبانيا: إذا أتيت فدخلت فصليت فيها تسجن، تسجن. فأين الحرية إذا كانت هناك -كما يزعمون- حرية ويستطيع أن يقيم دينه؟ فلماذا مثل هذه القوانين؟ أليس هناك محاربة لحجاب المرأة المسلمة، حتى صدرت بعض القوانين بمنع المرأة من ستر وجهها؟ وإذا وقع ذلك تكتب لها مخالفة، كما تكتب مخالفة للسيارة -مخالفة مثل مخالفة المرورية-. أليس كذلك يمنع الرجل من إظهار شعائر دينه في الكثير من المواضع، وهو رجل لا يستطيع أن يفعل ذلك في العمل ولا في موضع الدراسة، بينما الكفار يلبسون ما يشاءون؟ إلا مظاهر الإسلام لا يمكن. ممكن يأتي يهودي بجبته وبكذلك طاقيته -ومعلوم لباس اليهود هذا ليس بممنوع- لكن لباس المسلمين ممنوع ومحل شبه واتهام، وغير ذلك كثير. فضلا عما تستلزم حياة الكافرين والمشركين من السقوط في أودية الشهوات، وكذلك الهوى في أنواع من الكفريات، وكذلك الشبهات. وهذا قليل من كثير مما يبتل به من يعيش بين الكفار. فتلك دعاوى كاذبة، المقصود منها هو الانتصار لما هم عليه من باطل. وقوله: ويزيد ذلك إضاحا للعارف والجاهل -يعني أن هذا يعلمه الجميع- من عنده شيء من العلم، ومن ليس عنده شيء من العلم -أن قول الله عز وجل: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ يبين أن أمثال هؤلاء عذروا لضعفهم. فإذا كان كذلك فمن ليس له عذر كيف يعدر؟ وكيف يستطيع أن يتخلف؟ ونرى أن الآية واضحة لكل من يقرأ القرآن، حتى ولو كان ليس عنده علم، يفهم من هذه الآية أن الذين استثنوا هم أهل الضعف -شيخ كبير، رجل أعمى ليس عنده من يقوده، ليس عنده مال، امرأة ضعيفة، طفل صغير-. ومع ذلك حتى بعض الضعفة لحقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقد هاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم بعض ضعفة الرجال من الشيوخ، وممن به نقص في جسده وضعف. وحتى من النساء، وقد أنزل الله عز وجل قرآنا في حق المهاجرات اللاتي يهاجرن في الفرار من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، وما يتعلق بها من أحكام. وقوله: فهذا أوضح جدا أن هؤلاء خرجوا من الوعيد، فلم يبق شبهة -لكل- لكن لمن طلب العلم، بخلاف من لم يطلبه. ومعناه: الذي يهديه الله ويكون له هذا الانتفاع هو من حرص على طلب العلم والعمل به. ولهذا قال بعد ذلك -يعني فيمن حرم العلم-: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾. وهذا حال المنافقين الذين رضيوا لأنفسهم بالإعراض عن دين الله عز وجل وما جاءت به الرسل. ثم ختم بأثر الحسن البصري المشهور، ويروى مرفوعا ولا يصح، ويروى عن الحسن البصري، وبعضهم يحسنه، وبعضهم يضعفه. والمقصود المعنى الذي فيه، سواء قاله الحسن البصري أو لم يقله، فهو قول أحد أئمة المسلمين، دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، إذ فيه أن حقيقة الإيمان ليس بالادعاء باللسان، ولكن بما يكون من تصديق ذلك بيقين القلب، وكذلك برهان الأعمال. ليس الإيمان بالتحلي -ولا بالتمني- بالتحلي: يعني أن يتحلى به في لسانه ويدعيه، ولا بالتمني: يتمنى أن يكون من أهل الجنة، وأن يكون من المؤمنين، وأن يكون من أتباع النبي عليه الصلاة والسلام وأهل شفاعته، وممن يشرب من حوضه، ومع ذلك لم يبدل شيء مما يتحقق به هذا المعنى. ولكن: ما وقر في القلب -يعني من اليقين والصدق وقوة الإيمان الذي يستلزم ماذا؟ قال: وصدقته الأعمال -يستلزم حرص على الأعمال الصالحة- وأعظمها -وهو المقصود ها هنا- عدم مساكنة المشركين والهجرة من بلاد الشرك والكفر إلى بلاد الإسلام. ثم ختم بهذه الآية: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ -يعني لا يكفي كلم طيب بدون عمل صالح، بل لابد من عمل صالح مع الكلم الطيب، وإلا فيكون ذلكم الكلم ليس بكلم طيب- لأن المنافق يقول: لا إله إلا الله، ولكنه لا يصدق هذه الكلمة بيقين القلب، وإن عمل بعض الأعمال عملها بكسل وضعف، ليس كعمل المؤمن. وهكذا كذلك قد يقول الإنسان الكلمة ولا يعمل بالمرة، فيكون ذلك أعظم وأشد من حال المنافقين. فالإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. فخلاصة هذا الموضع يشير إلى عظيم منزلة الهجرة في هذا الدين، وبه يعلم أن حقيقة التوحيد والإيمان الذي جاءت به الرسل، وكان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وصحابته هو بالعمل بما تقتضيه هذه الكلمة. ومنها: عدم مساكنة المشركين والبقاء بينهم، فضلا عن أن يناصرهم أو يكثر سوادهم. وهذا مأخوذ ومفهوم من سبب نزول هذه الآيات في سورة النساء، وهي آيات عظيمة تدل على هذا المعنى العظيم.