شرح ستة مواضع من السيرة  6

شرح ستة مواضع من السيرة 6

الدرس في شرح ستة مواضع من السيرة 6، الموضع السادس:قصة الردة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الردة بعد وفاة النبي وتأثيرها على مفهوم الإسلام

يناقش المقطع قصة الردة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ويبين أن النطق بكلمة التوحيد لا يكفي لدخول الإسلام بدون توافر الشروط والعمل بها. يشير إلى خطأ من يعتبرون النطق بالشهادتين كفيلًا بدخول الإسلام بغض النظر عن الأفعال.

أحكام المرتدين ومفهوم الشرك وتأثيره على الإسلام

يشرح المقطع مفهوم النجاسة المعنوية والطهارة المعنوية، ويبين أن الشرك يبطل الإسلام كما أن الحدث يبطل الصلاة. يستشهد بأحكام المرتدين في زمن الصحابة وقياسها على الوضع الحالي، ويظهر أن بعض الناس يفسرون كلمة التوحيد بشكل خاطئ.

معنى لا إله إلا الله وشروطها وأهميتها

يشرح المؤلف أهمية تحقيق معنى لا إله إلا الله في الظاهر والباطن، ويبين أن مجرد النطق بها لا يكفي لدخول الإسلام إذا لم يصاحبه عمل صالح. يستدل بآيات وأحاديث نبوية لتوضيح ذلك، ويبين أن لا إله إلا الله لها شروط وأركان وواجبات.

شروط وأركان لا إله إلا الله وانتقاضها بالشرك

يشرح أن لا إله إلا الله لها شروط وأركان وواجبات، فإذا وقع ما ينقضها تنتقض، مثلها مثل الصلاة التي تبطل إذا وقع الحدث أو انتفى شرط من شروطها. التوحيد من شروط لا إله إلا الله، فإذا انتقض التوحيد بالشرك بطلت لا إله إلا الله.

  • 17 جمادى الأولى 1434هـ - 28/03/2013مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: الموضع السادس قصة الردة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، فمن سمعها لا يبقى في قلبه متقال ذرة من شبهة الشياطين الذين يسمون العلماء، ويريد علماء السوء والضلال، فهم شياطين الإنس. قال: وهي قولهم هذا هو الشرك، لكن يقولون لا إله إلا الله، ومن قالها لا يكفر بشيء. قال: وأعظم من ذلك وأكبر تصريحهم بأن البوادي ليس معهم من الإسلام شعرة، ولكن يقولون لا إله إلا الله، وهم بهذه اللفظة أهل إسلام، وحرم الإسلام مالهم ودمهم، مع إقرارهم بأنهم تركوا الإسلام كله. وما علمهم بإنكارهم البعث -يعني بعض أهل البوادي في زمان المؤلف رحمه الله ينكرون البعث- واستهزائهم بمن أقر به -يعني بمن أقر بالبعث- كحال المشركين الأولين، وهذا لعله مما بقي من الجهل، كما فعل بعض أهل الجاهلية مع النبي عليه الصلاة والسلام، يأخذ العظم ويقول: تزعم أن الله يرد هذا لحمًا أوفر ما يكون، حتى نزل من القرآن ما نزل في تكفيرهم بسبب إنكارهم البعث. قال: واستهزائهم وتفضيلهم دين آبائهم المخالف لدين النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا كان باطلًا ليس لكونه دين آبائهم، ولكن لكون هذا الدين مخالفًا لدين النبي عليه الصلاة والسلام في العقيدة والعبادة وكثرة الخرافة والشرك وغير ذلك من معاني الكفر والبدع والضلالات والذنوب والمعاصي، فيسمون ذلك دينًا، مثل ما يقول بعض العوام: نحن ما نريد الدين الجديد، ونريد الدين القديم، ويريدون بالقديم ليس ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن يريدون تلك الزيارات الشركية والموالد البدعية، وكذلك الخلطة المحرمة والتساهل في سماع المعازف وما يلحق ذلك، حتى ربما في الوقوع في الفواحش وغير ذلك، هذا الذي يريدونه، ما يريدون الدين الجديد الذي فيه حلال وحرام والشرك وتوحيد وسنة وبدعة وغير ذلك. ومثل هذا في زمان المؤلف رحمه الله وأشد، قال: ومع هذا كله يصرح هؤلاء الشياطين المرد الجهلة أن البدو أسلموا ولو جرى منهم ذلك كله -يعني يريد دعاة السوء وعلماء الضلال الذين هم شياطين الإنس ومردتهم- إذ الشيطان في اللغة وهو كذلك في الشرع مأخوذ من معنى الشطن الخروج عن الاستقامة، مثل الشرارة تسمى الشطنة، يخرجون من معنى الاستقامة إلى الطيش والنار والفتنة، وهكذا يقال في كل من خرج عن معنى الاستقامة، حتى الحيوان تقول: هذا الكلب شيطان إذا صار في طبعه خروج عن معنى الاستقامة. قال: أن البدو أسلموا ولو جرى منهم ذلك كله -يعني ما داموا قالوا نحن من المسلمين ويقولون لا إله إلا الله- فإذن لا يضرهم ما فعلوا شيء، حتى ولو وقعوا في الكفر أو الشرك أو أي شيء مما يقع، فضلًا عن الذنوب والمعاصي التي ابتليت بها الكثير من المجتمعات الجاهلية. قال: لأنهم يقولون لا إله إلا الله، ولازم قولهم أن اليهود أسلموا لأنهم يقولونها، وأيضًا كفر هؤلاء أغلط من كفر اليهود بأضعاف مضاعفة عن البوادي المتصفين بما ذكرنا، ووجه ذلك أن اليهود لم يقع منهم من أسباب الكفر مثل ما وقع عند بعض جهلة المسلمين الذين وقعوا في جوانب كثيرة، الواحد منها يكفي بأن يكون سببًا لكفرهم، وأن يكون أشد من كفر اليهود، إذ أكثر كفر اليهود هو بعدم الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم والدخول في دين الإسلام. وأما كفر أهل البوادي فهو من جهة المعنى فيه ما عند اليهود ولماذا؟ لأنهم لم يدخلوا في دين الإسلام وما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، ولهذا ربما بعضهم حتى لا يعرف من محمد، وللأسف، ولعلكم تذكرون قصة ذكرها لنا الشيخ سالم حفظه الله: خرجنا دعوة في بعض المناطق هنا في اليمن، فإذا شاب يسأله عن محمد، هل تعرف نبيك محمد؟ قال: لا، ما أعرف محمد -يعني ما عرف- وهو يقول: أنا مسلم، لا يصلي، ولم يعرف حتى أن نبي هذه الأمة هو محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه لم يخرج من ذلك الشعب ولد في ذلكم الشعب، فلم ير إلا الأغنام ولم ير إلا من حوله من الجهل الكبار الذين لو كان فيهم من يصلي لم يعلمه يومًا الصلاة، ولم يذكر له ما هو معنى الإسلام وغير ذلك من الأمور الأخرى. وكان في زمن المؤلف مثل هذا وأشد، مثل هذا وأشد، فوقوع الكثير من هؤلاء في الشرك وتخلفهم عن متابعة ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، مع ما يقعون فيه من محرمات، فالكثير من اليهود يعرفون الكثير من المحرمات فيجتنبوها، وأما جهل أهل البوادي إلا من رحم الله، يكثر فيهم الانفلات والوقوع في أصناف المخالفات الشرعية شركيات وربما أنواع من البدع والخرافات، مع توسع في أنواع الذنوب والمعاصي، وبعد ذلك يقولون: نحن من المسلمين. فهذا توجيه معنى قوله رحمه الله بأن كفر هؤلاء أغلط من كفر اليهود لأن عندهم ما عند اليهود وزيادة، وكما لا يخفى علينا المسلم إذا لم يؤمن بنبي من الأنبياء كفر، نبي واحد إذا لم يؤمن به كان هذا ردة، الواجب الإيمان بكل الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وأن يدخل في دين الإسلام الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، ليس باللسان فقط، بل باللسان والفعل كما تقدم. قال: والذي يبين ذلك من قصة الرد أن المرتدين افترقوا في ردتهم، فمنهم من كذب النبي صلى الله عليه وسلم ورجعوا إلى عبادة الأوثان، وقالوا: لو كان نبيًا ما مات، وهذه فرقة من فرق المرتدين، وقد ذكر الإمام بن القيم رحمه الله أنواع المرتدين وفرقهم، وكذلك معاني ردتهم. ومعظم هؤلاء هم ممن كان دخوله في الإسلام على وجه التأليف، فلهذا سرعان ما ارتدوا، قال: ومنهم من ثبت على الشهادتين، ولكن أقروا بنبوة مسيلمة -يعني الكذاب مدعي النبوة صاحب اليمامة- ظنًا أن النبي صلى الله عليه وسلم أشركه في النبوة، لأن مسيلمة قام شهود زور شهدوا له بذلك، فصدقهم كثير من الناس. وقد مر معنا الكثير من التفاصيل في هذه القضية في مختصر السيرة بما يغني عن الإعادة، لكن حسبنا أن نأخذها هنا الشاهد، فهو يريد رحمه الله أن يستدل بهذا أن هؤلاء كانوا يقولون لا إله إلا الله، فلما وقعوا فيما ينقض هذه الكلمة انتقضت، لأن لا إله إلا الله تحتاج إلى عمل ولها شروط، مثل الصلاة من أعظم شروطها الطهارة، ومن أعظم شروط لا إله إلا الله التوحيد، وما ينقض التوحيد هو الشرك، وما ينقض الطهارة هو ماذا؟ الحدث، الحدث نجاسة حسية تبطل الطهارة الحسية، والشرك نجاسة معنوية تبطل الطهارة المعنوية، التوحيد طهارة معنوية، والشرك نجاسة ماذا؟ معنوية. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، فنجاستهم نجاسة معنوية لأجل شركهم، مع ما فيهم كذلك من نجاسة حسية، لكن ليسوا جميعًا، والمقصود هو النجاسة المعنوية، فكذلك قول لا إله إلا الله كلمة تحتاج إلى شروط وأركان وواجبات ومستحبات، كما أن الصلاة تحتاج إلى شروط وأركان وواجبات ومستحبات. فإذا وقع ما ينقض تلك الشروط انتقضت الصلاة وصارت الصلاة باطلة، فلو كان إنسان يصلي وفي آخر ركعة وقبل أن يقول السلام عليكم ورحمة الله أحدث، صلاة صحيحة؟ صلاة باطلة، ما أحد يقول مسكين كيف نبطل عليه الصلاة، ما بقي له إلا التسليم، نقول: ولو بقي له التسليم ما دام أحدث صابة باطلة، وهكذا كذلك لو أن أحدًا بقي على الإسلام حتى إذا بلغ سبعين سنة أو أكثر وقع في الشرك بطل إسلامه، ذلك كله ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون. فلا يقول: أن أحد اتق الله، تكفر إنسان وهو على الإسلام سبعين سنة، نعم، لأنه فعل ما أوقعه في الكفر، لأنه فعل ما أبطل توحيده وإيمانه وإسلامه، كما أن من أحدث في الصلاة أبطل صلاته، وهؤلاء أبطلوا إسلامهم، وفي أحداث الردة ما يدل على ذلك. فهؤلاء الفرق الأولى كانت ردتهم بسبب رجوعهم إلى عبادة الأوثان، ويوجد في أهل البوادي من يعبد الأوثان، فلا فرق بين من عبد صنمًا وشجرًا وبين من عبد قبور الأولياء والصالحين، ومنهم من آمن بمسيلمة فجعله نبيًا، وهذا نوع آخر من أنواع الردة، وهكذا في أهل البوادي من ربما يجعلون بعض من يسمونه من المشايخ منزلته أعظم من منزلة النبي، بل ربما يجعلونه بلسان الحال أو المقال كأنه رب العالمين، يحلل ويحرم ويأمر وينهى وغير ذلك. حتى بعضهم ربما والعياذ بالله يعبد مع الله ومن دون الله وهو حي، مثل الرؤوس المتصوفة من مذاهب باطلة باطنية صوفية شاذلية تجانية، رؤوسهم يعبدون وهم أحياء، يسجدون بين أرجلهم ويقبلون على أقدامهم ويتبركون ويتمسحون بهم، بل أعظم من ذلك مما لا يجوز أن يكون إلا من الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: ومع هذا أجمع العلماء أنهم مرتدون ولو جهلوا ذلك، ومن شك في ردتهم فهو كافر، فإذا عرفت أن العلماء أجمعوا أن الذين كذبوا ورجعوا إلى عبادة الأوثان وشتموا رسول الله صلى الله عليه وسلم هم ومن أقر بنبوة مسيلمة في حال واحدة، ولو ثبت على الإسلام كله -يعني ولو صلى ولو صام ولو فعل ما فعل- ما دام وقعت منه أسباب الردة فإن تلك الصلاة وذاك الصيام لا يقبل منه. فكيف بأناس لا يصلون، أكثر أهل البوادي في زمان المؤلف رحمه الله لا يصلون ولا يعرفون الدين إلا في الزيارات الشركية والأعياد الوثنية وما كان بمعناها، قال: ومنهم من أقر بالشهادتين وصدق طليحة في دعواه النبوة، وطليحة ادعى النبوة بعد ذلك، وإن كان وهو طليحة بن خويلد، أرسل إليه عمر رضي الله عنه خالد بن الوليد ففر إلى الشام، وكان في نجد، تبعه الكثير من أهل غطفان وغيرهم، ثم بعد ذلك أسلم في آخر عهد عمر رضي الله عنه أرضاه عاد إلى الإسلام وجاء تائبًا وحسن إسلامه، وقاتل في الفرس فقتل في تلك المعارك التي كانت مع الفرس، وكان رجلًا شجاعًا كما ذكر في ترجمته، ذكر ذلك الذهب وغيره. قالوا: أنه كان يعدل ألف رجل في شجاعة وقوته، الشاهد من هذا أن هؤلاء كفروا وقاتلهم الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم وهم كانوا من المسلمين، قال: ومنهم من صدق العنسي صاحب صنعاء، وكل هؤلاء أجمع العلماء أنهم سواء، ومنهم من كذب النبي صلى الله عليه وسلم ورجع إلى عبادة الأوتان على حال واحدة، ومنهم أنواع أخرى -يعني ممن كذب ببعض شرائع الدين- كمن جحد الزكاة، وليس من بخل في أدائها، الجميع قوتلوا وسموا أهل ردة على تفاصيل وتنبيهات مر معنى الكلام عليها في مختصر السيرة. فالخلاصة أراد رحمه الله أن يبين أن هذا في زمن الصحابة رضي الله عنهم، بل أدلة الكتاب والسنة يدل على هذا المعنى، فليس كل من قال لا إله إلا الله فإنه يكون مسلمًا حتى يأتي بشروطها، فيصدقها في ظاهره وباطنه وبقوله وفعله. قال: آخرهم، قال: آخرهم الفجاء السلمي، لما وفد على أبي بكر وذكر له أنه يريد قتال المرتدين وطلب من أبي بكر إن مده فأعطاه سلاحًا ورواحل، فاستعرض السلمي المسلم والكافر يأخذ أموالهم، فجهز أبو بكر جيشًا لقتاله، فلما حسب الجيش قال لأميرهم: أنت أمير أبي بكر وأنا أميره، فلم أكفر؟ فقال: إن كنت صادقًا فالق السلاح، فألقاه، فبعث به إلى أبي بكر، فأمر بتحريقه بالنار وهو حي. فإذا كان هذا حكم الصحابة بهذا الرجل مع إقراره بأركان الإسلام الخمسة، فما ظنك بمن لم يقر من الإسلام بكلمة واحدة إلا أن يقول لا إله إلا الله بلسانه، مع تصريحه بتكذيب معناها، وتصريحه بالبراءة من دين محمد صلى الله عليه وسلم -يعني تصريح التكذيب بمعناها- يعني إما بلسان الحال أو المقال. فالمقال: فهم يقولون لا إله إلا الله، أي لا خالق إلا الله، وإذا قيل لهم معناها: لا معبود بحق إلا الله، وفسر لهم أن معناها أن لا تطوفوا بالقبور ولا تذبحوا للقبور ولا كذلك تسجدوا إلى جهة القبور، ولا غير ذلك مما يفعله الجهال عباد القبور، قالوا: أبدًا ليس هذا معنى لا إله إلا الله، بل معنى لا إله إلا الله لا خالق إلا الله، فصار هؤلاء كذبوا بمعنى لا إله إلا الله. وهكذا لسان الحال من إصرارهم على الحال التي هم عليها بفعل هذه الشركيات والوثنيات مما كان في زمن المؤلف ولا يزال بعضه باقيًا إلى زماننا هذا، قال: وتصريحه بالبراءة من دين محمد صلى الله عليه وسلم ومن كتاب الله تعالى -يعني بلسان الحال أو بلسان المقال- فيقول: يكفيني أنا أقول لا إله إلا الله، لا تلزمني بتحريم حرام ولا تحريم حلال، فالله غفور رحيم. وربما معظمهم يقول هذا دينكم يا مطاوع، هذا دينكم يا أهل الدين الجديد، وإلا فالله أرحم منكم، ويريد بذلك التعلق بالرجاء على الوجه الكذب، فلا يفعل مأمور ولا يترك محظور، وبعد ذلك يقول: أنا مسلم، يفعل الشركيات ويقع في الوثنيات ويدخل في أنواع البدع والخرافات، ولا يعرف بصلاة ولا صيام ولا صدقة ولا حج ولا عمرة، ولا كذلك شيء من الطاعات، وكذلك في المحرمات لا يبالي إذا وقع في الزنا أو اللواط أو شرب الخمر أو كذلك السرقة. فيجعلون سرقة أموال الناس شجاعة، حتى كثر في زمان المؤلف وذكر هذا في عدد من كتبه: بغيب الناس بعضهم على بعض، ويقولون: آل فلان فيهم شجاع يغيرون على كذا وكذا، وآل فلان أجمع من آل فلان، فقد أغاروا على قبيلة فلان وأخذوا منهم مئة ناقة، فيسمون النهب والسرقة شجاعة، ويسمون الوقوع في الفواحش حذاقة، وغير ذلك مما هو تكذيب بدين محمد صلى الله عليه وسلم. وإذا دعاهم أحد إما أن يجحدوا فيقولون: أبدًا هذا ليس بحرام، وإما أن يقولوا: وإن كان حرام فالله غفور رحيم، وتكفيني لا إله إلا الله، ولا يلزمني ذلك، وهذا تصريح بالبراءة من دين محمد صلى الله عليه وسلم، دين محمد صلى الله عليه وسلم يقتضي أن تقول لا إله إلا الله بلسانك وتصدق ذلك بظاهرك وباطنك، بظاهرك وباطنك، باطنك بأقوال التوحيد وأفعالها من الصدق من الخوف من الرهبة من المحبة من اليقين من الإخلاص وغير ذلك مما لا يتوجه به إلا إلى الله وحده. وفي الظاهر من استقامة الأقوال واستقامة الأفعال بفعل المأمور وترك المحظور، قال رحمه الله تعالى: ويقولون هذا دين الحضر -يعني يريد بذلك أهل المدن- ويستنقصونهم ويسخرون منهم، ويجعلون أن هذا من علامة أهل الحضر الذين لا يعرفون الرجولة ولا يعرفون الخشونة. فيجعلون عدم انتهاب أموال الناس جبل وضعف، والسارق والقاتل شجاع، والواقع في الفواحش هذا حاذق، والذي يبتعد عنها هذا ضعيف مسيكين، ما يقولون مسكين، يقولون مسيكين، وهذه عبارة موجودة وللأسف عند بعض البدو، فإذا كان رجل شرير يقولون: هذا فحل، وإذا رجل عفيف يقولون: هذا مسيكين، ونحو ذلك من العبارات التي فيها تغيير الحقائق، وكذلك الإصرار على الباطل. قال: ويقولون هذا دين الحضر، وديننا ودين آبائنا -يعني يختلف- ثم يفتون هؤلاء المرض الجهال -يعني يريد رؤوس الضلال وعلماء السوء- وكذلك أئمة الشرك وعباد القبور، قال: ثم يفتون هؤلاء المرض الجهال أن هؤلاء مسلمون ولو صرحوا بذلك كله، إذا قالوا لا إله إلا الله، سبحانك هذا بهتان عظيم. وما أحسن ما قاله واحد من البوادي لما قدم علينا وسمع شيئًا من الإسلام -يعني العلم الذي هو حقيقة الإسلام- فوقف على ذلك عن قرب وسمع ووقف على الحجج، قال: أشهد أننا كفار -يعني هو وجميع البوادي- وأشهد أن المطوع الذي يسمونه أهل الإسلام أنه كافر -يريد بالمطوع يعني الذي على حق- وأن أهل التوحيد ودعاة التوحيد إنما هم يكفرون من لا يستحق التكفير. فهذا قليل من كثير مما كان عليه حال الناس في زمن المؤلف رحمه الله تعالى، وأنهم كانوا يدعون الناس إلى التوحيد ويجدون من ذلك معاناة، مع ما يجدونه من بعض أهل الضلال من الفتنة لهؤلاء الجهلة، فيكونون حجر عثرة في عدم رجوعهم إلى الحق واستقامتهم على التوحيد والسنة الحقة التي جاء بها نبينا صلى الله عليه وسلم. فالخلاصة أراد أن يبين رحمه الله من هذا الموضع السادس أن من قال لا إله إلا الله ولم يأت بما تستلزمه هذه الكلمة فهو لم يدخل في الإسلام أصلا، وأن من قالها ودخل في الإسلام وأتى بما يناقضها تنتقض هذه الكلمة ولو أتى بما أتى من الأعمال الصالحة. كما تقدم معنا ولو أشرفوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون، وهنا يرد سؤال: إذا كان كذلك فما معنى حديث أسامة بن زيد في الصحيحين حين قال النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد: أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ فهل هذا يدل على ما يدعيه ويستدلون أي أهل الضلال بهذا الحديث وأمثاله كثيرًا، هل يدل على ما يقولون ويزعمون؟ الجواب: لا. لأن المقصود أن قول لا إله إلا الله يدخلهم في الدين، ولكن بعد ذلك يطلب منهم تحقيق معنى هذه الكلمة بماذا؟ بتطبيق مقتضاها في الظاهر والباطن وفي الأقوال والأفعال، لكن أسامة لم يعطه فرصة حتى يبرهن أنه صادق في قول لا إله إلا الله أو كاذب، هذا المعنى، ولهذا قال له: أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ وأسامة قتله متأولًا، والحديث مشهور ومر معنا في دروس كثيرة. لأنه قتل في المسلمين قتيلًا دريعًا، فلما حصره هو الأنصار -يعني وقع في موقع ضيق- قال: لا إله إلا الله، يريد أن ينجو من الموت هكذا قال أسامة رضي الله عنه، فقال: فقتله، تركه الأنصار فقتله أسامة، فبلغ ذلك من النبي عليه الصلاة والسلام، فقال منكرًا عليه: قتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ فقال أسامة: يا رسول الله إنما قالها متعوذًا، فقال: أشققت عن قلبه؟ وهذا معناه أنه أعطاه فرصة حتى يبرهن هل هو صادق في قول لا إله إلا الله أم لا، ويدل على ذلك أحاديث أخرى وأدلة كثيرة من الكتاب وأدلة كثيرة من الكتاب والسنة، فمثلًا حديث بن عمر في الصحيحين: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهد أن لا إله إلا الله، هل سكت؟ قال: ويقيم الصلاة ويؤت الزكاة، إذن ليس لا إله إلا الله فقط، بل لا بد أن يبرهنوا لا إله إلا الله بفعل المأمور وترك المحظور. بل إذا قال لا إله إلا الله وفعل كل المأمورات وترك كل المحظورات، ثم بعد ذلك فعل ما ينقض لا إله إلا الله لم ينفعه ذلك، والدليل كما تقدم معنا: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، وهؤلاء قوم كانوا يصلون ويصومون، بل في جهاد مع النبي عليه الصلاة والسلام، خارجين للجهاد، ومع ذلك سماهم الله كفارًا بعد إيمان، كفارًا بعد إيمان. فكيف يقال: أن من قال لا إله إلا الله لا يجوز أن يقال عليه أنه مشرك أو أنه كافر؟ الجواب: يقال عنه ذلك إذا وقع في الشرك وإذا وقع في الكفر، لأن لا إله إلا الله لها شروط وأركان وواجبات، فإذا وقع ما ينقضها تنتقض كما أن الصلاة لها شروط وأركان وواجبات، فإذا وقع ما ينقضها تنتقض. فالطهارة من شروطها وتنتقض هذه الطهارة وتبطل الصلاة إذا وقع الحدث، وهكذا كذلك لا إله إلا الله، التوحيد من شروطها، فإذا انتقض التوحيد بالشرك بطلت لا إله إلا الله، كما أن الصلاة تبطل، تم الناقل عن الشيخ، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه وسلم.