الدرس في شرح ستة مواضع من السيرة 3، الموضع الثاني:إنذار النبي صلى الله عليه وسلم لقومه . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
كان المشركون يدركون دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى التوحيد لكنهم استنكروها وعدوه لما حملته من تفاصيل تتعارض مع معتقداتهم. سبب العداوة كان رفضهم للتخلي عن الشرك والتوجه للعبادة الخالصة لله.
دعوة الأنبياء كانت لتحقيق العبادة لله وحده، وليس الاكتفاء بقول "لا إله إلا الله" دون فهم معناها. يجب فهم العبادة بأنواعها وعدم صرفها لغير الله.
يتطلب تحقيق التوحيد الصبر على الأذى وإنكار الشرك، والسكوت عنه يعد غشًا للمجتمع. يجب الثبات على التوحيد وعدم الفتنة بضغط الناس.
تم الانتهاء من مناقشة المواضيع المحددة مع الإشارة إلى أن الله تعالى أعلم بكل شيء. تم الاكتفاء بما تمت مناقشته في هذا السياق.
بسم الله الرحمن الرحيم قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه ستة مواضع من السيرة: قال الموضع الثاني أنه صلى الله عليه وسلم لما قام ينذرهم عن الشرك ويأمرهم بضده، وهو التوحيد، لم يكرهوا ذلك واستحسنوه وحدثوا أنفسهم بالدخول فيه، إلى أن صرح بسب آلهتهم ومتجه علمائهم، فحينئذ شمروا له ولأصحابه عن ساق العداوة، وقالوا: سفّه علماءنا، وعاب ديننا، وشتم آلهتنا. ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يشتم عيسى وأمته، ولا الملائكة، ولا الصالحين، لكن لما ذكر أنهم لا يدعون ولا ينفعون ولا يضرون، جعلوا ذلك شتمًا. فإذا عرفت هذا، عرفت أن الإنسان لا يستقيم له إسلام، ولو وحد الله وترك الشرك، إلا بعداوة المشركين والتصريح لهم بالعداوة والبغض، كما قال تعالى: ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله﴾ الآية. فإذا فهمت هذا فهمًا جيدًا، عرفت أن كثيرًا من الذين يدعون الدين لا يعرفونها، وإلا فمن الذي حمل المسلمين على الصبر على ذلك العذاب والأسر والضرب والهجر إلى الحبشة؟ مع أنه صلى الله عليه وسلم أرحم الناس، لو يجد لهم رخصة لأرخص لهم. كيف وقد أنزل الله تعالى: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله﴾. فإذا كانت هذه فيمن وافقهم بلسانه، فكيف بغير ذلك؟ أورد رحمه الله هذا الموضع من مواضع السيرة ليستدل به رحمه الله على أمر دعوة أهل التوحيد والسنة الناس إلى توحيد الله جل وعلا، وتحذيرهم من الشرك، وأمرهم بترك ما هم عليه من عبادة غير الله جل وعلا، ومتابعة رؤوس الضلال فيما هم عليه من أمور شركية وعبادات وثنية وبدع وخرافات، وغير ذلك مما ابتلي به أهل زمانه. وخلاصة هذا الموضع أنه يشير رحمه الله إلى أن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى التوحيد والتحذير من الشرك فهمها الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا أقبل الكثير من الناس على قبول هذا المعنى على وجه الإجمال. ولكن لما فهموا حقيقة دعوته عليه الصلاة والسلام وما أمره الله عز وجل به حين يدعو الناس إلى دين الله، كان ذلك التفصيل سببًا في عداوة أهل الشرك واستنكافهم عن متابعته عليه الصلاة والسلام، إلا القليل ممن رحم الله. وما هو السبب في ذلك؟ السبب -كما أشار رحمه الله- أنهم ظنوا أن نهيهم عن الشرك وتحذيرهم من عبادة غير الله بتعيين المعبودات باطل، ذلك طعن فيما لا يستحق الطعن، وتعدٍ على هؤلاء الذين يعبدونهم، سواء أكانوا أنبياء أو صالحين أو حتى أشجارًا أو أحجارًا أو أوثانًا. يرون أنها ليس لها جرم، وأن الكلام فيها اعتداء. بل يرون أن لها منزلة، لما ظنوا أن لها آيات قربتهم ونفعتهم في الدنيا، وهم يرجون أن تنفعهم في الآخرة. وهذه فتنة يفتتن بها أهل الشرك، يعين على ذلك زيادة الفتنة بها شياطين الجن والإنس. شياطين الجن بما يكون من التلبيس والكذب وفعل ما يكون به فتنة، وشياطين الإنس بما فيه معنى ذلك والإضلال وتزيين طريق الشرك والبدعة والخرافة. وبين رحمه الله تعالى هذا المعنى، والآيات التي تدل على ذلك كثيرة في كتاب الله سبحانه وتعالى، ومن ذلك قول الله عز وجل: ﴿أجعل الآلهة إلها واحدًا إن هذا لشيء عجاب﴾. يعني كونه دعا إلى عبادة الله وتوحيد الله هذا مقبول، لكن أن نترك عبادة غير الله مع الله، هذا أمر عجيب. هذا مفهوم هذه الآية، وغيرها من الآيات التي جاءت بتحذير المشركين مما هم عليه من شرك. ولهذا تجد الكثير من أهل الباطل يظن نفسه من أحسن الناس تحقيقًا لمعنى العبادة لله ممن وقع في الشرك من أهل الكتاب: يهود أو نصارى، أو كذلك حتى بعض أهل الوثنيات؛ لأن الكثير منهم يعبدوا الله ويعبدوا غير الله. وقد تقدم معنا أن المشركين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كانت لهم عبادات لله، ولكن لأجل الشرك الذي وقعوا فيه لم تقبل تلك العبادات. فحين حذرهم نبينا صلى الله عليه وسلم مما يشركون به، فسمى تلك المعبودات، نهاهم عن عبادة الأنبياء: ﴿أيأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا﴾، ونهاهم عن عبادة الصالحين: ﴿أفرأيتم اللات والعزى﴾. وقد جاء في تفسير اللات أنه رجل صالح كان يلت السويق للحجاج، فجعل له وثن، وقيل: على قبره يجتمعون، فعبدوه مع الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك غير ذلك مما كان عليه حال أهل الشرك على اختلاف طوائفهم وطرقهم. فكونه حذرهم من عبادة عيسى جعل النصارى ذلك انتقاصًا لمنزلة عيسى عليه الصلاة والسلام. وهكذا كونه نهاهم عن عبادة أم عيسى عليه السلام ظنوا أن ذلك انتقاصًا لهذه الصديقة الصالحة. وهكذا كذلك نهيهم عن عبادة الملائكة والصالحين، ومثلهم اليهود في العزير، ومثلهم كذلك عبادة الأوثان، في عدد ممن يعبدونهم من الصالحين أو حتى من أشجار أو أحجار، فجعلوا أن ذلك انتقاص لآلهتهم. وكذلك حين حذرهم من متابعة ما عليه الآباء والأجداد، جعلوا أن هذا انتقاصًا للآباء والأجداد، كما قال الله عز وجل في حق المشركين: ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون﴾، وفي الآية الأخرى: ﴿إنا على آثارهم مهتدون﴾. وما أكثر الآيات في التحذير من هذا التقليد الذي هو من أعظم أسباب الشرك باتباع الآباء والأجداد والبقاء على العوائد والعادات التي كانت من أعظم أسباب بقاء الشرك ووقوع الكفر. فنهاهم نبينا عليه الصلاة والسلام -كما أمره الله- عن ذلك كله. بل كان يقف عليه الصلاة والسلام فيدعو أناسًا من قرابته وأهله وأهل مكة بأسماء عشائرهم وقبائلهم وأسماء أسمائهم وأسماء آبائهم، حتى حين أمره الله أن ينذر عشيرته الأقربين، ناداهم بأسمائهم، حتى قال: «يا زينب يا عمة رسول الله، يا فاطمة بنت رسول الله». يناديهم ويدعوهم إلى التوحيد ويحذرهم من الشرك والكفر، وأنه لا يغني عنهم من الله شيئًا. فكان ذلك سببًا لنفورهم، إذ ظنوا أن هذا انتقاص، إذ ظنوا أن هذا انتقاص. وأعظم من هذا أن الله عز وجل أمره أن يبين لهم أنه لا يجوز لمن عرف هذا الدين أن تكون له موالاة ومودة لأهل الكفر والشرك: ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوان معشرتهم﴾. وهكذا كذلك قول الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾. وهكذا كذلك: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾، وغير ذلك من الآيات في هذا الباب، بعضها مكية وبعضها مدنية، وكلها فيها بيان هذا المعنى. وكان هذا من الأسباب التي كان فيها نكوف واستكبار أهل الشرك والكفر من كفار مكة وكفار المدينة وغيرهم من المشركين. وفي هذا أن دعوة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام كانت دعوة إلى تحقيق العبادة لله عز وجل والتحذير من الشرك، ليس بالمعنى المجمل، ولكن بالتفصيل الذي به تقوم الحجة على الخلق، ويكون الصدق في النصح لهم. فليس من الصدق في النصح لإنسان واقع في الشرك أن تقول له: «قل لا إله إلا الله»، ثم بعد ذلك يقول: «لا إله إلا الله»، وهو يعبد غير الله. يقول: «لا إله إلا الله» بلسانه، وهو يعبد غير الله. هذا ليس من النصح لهم. بل يقال له: من لازم قولك «لا إله إلا الله» أن تترك عبادة عيسى، وأن تترك عبادة عزير، وأن تترك عبادة هؤلاء الذين تعبدونهم من دون الله. ولهذا جاء تعيين ذكر المعبودات في الكتاب وفي السنة عن النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك أهل التوحيد ودعاة السنة يفعلون كما فعل نبينا عليه الصلاة والسلام. لا يأتون إلى المنابر وإلى المجتمعات فيقولون: «قولوا لا إله إلا الله»، ودعوة الرسل «لا إله إلا الله»، ودين الإسلام الركن الأول فيه «لا إله إلا الله»، ثم يرون الناس يعبدون الأوثان ويقع من أنواع الشرك ما يقع ويسكتون عن ذلك ويكتفون بأنهم يقولون مثل ما يقول من يدعوهم: «لا إله إلا الله». فهل هذا يغني ويكون من الصدق في النصح للمجتمع؟ الجواب: لا، ليس هذا من الصدق في نصح المجتمع. بل ينبغي أن يفهم المجتمع أن من لازم تحقيق معنى «لا إله إلا الله» ترك هذه المعبودات التي تعبد من دون الله. فلا يجوز عبادة قبر العيدروس، ولا قبر السيدة زينب، ولا الحسين، ولا أحد من الصالحين ممن عبد من دون الله سبحانه وتعالى. وهنا لو أشكل عليهم معنى العبادة، بيّن لهم العبادة كما بيّنها النبي صلى الله عليه وسلم. فمما نزل عليه عليه الصلاة والسلام: ﴿وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدًا﴾. ففي هذا بيان معنى العبادة التي لا يجوز أن تصرف لغير الله. وذلك أن المساجد فسّرت أعضاء السجود، وأنها لا ينبغي أن تزجد ولا أن توجه إلا في عبادة الله وحده. وفسّرت بأنها مواضع السجود، وأنها ينبغي أن تكون لله وحيدًا؛ لأن من شرك المشركين السجود لغير الله. وهكذا من شرك المشركين الخلق بين ما هو لله وما هو لغير الله، كما في حديث عائشة. وهكذا جاء في قصة أم حبيبة، وغيرها من الأحاديث الأخرى في النهي عن اتخاذ القبور مساجد. اتخاذ القبور مساجد فكان من دين اليهود والنصارى ومشركي العرب اتخاذ القبور مساجد. وهكذا كذلك تبيين أنواع العبادات التي لا يجوز أن تصرف إلا لله هو كذلك من توضيح معنى الشرك حتى لا يغش الناس ويتحقق معنى النصح لهم. ﴿فلا تخافوهم وخافوني إن كنتم مؤمنين�>. هذه الآية عامة تحذر الناس جميعًا أن يكون خوفهم -أي الذي يقع فيه معنى العبادة: التعظيم والإجلال والرغبة والرهبة- من الله سبحانه وتعالى وحده، لا من الجن ولا من الأولياء ولا من الأشجار والأحجار ولا غير ذلك مما كان عليه أهل الجاهلية. وهكذا قول الله عز وجل: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًا لله﴾. تفصيل في دعوة الناس إلى التوحيد، وبيان أن التوحيد الخالص الذي دعي إليه الناس وجاءت به الرسل عليهم السلام أن تكون سائر أفعال وأعمال وأقوال العباد الظاهرة والباطنة مصروفة لله عز وجل وحده، لا يجوز أن تصرف لغيره، ولا يجوز أن تتعلق قلوب العباد وجوارحهم بغير الله سبحانه وتعالى. وهنا يظهر الفرق بين دعوة أهل التوحيد الخالص بحق وبين من لم يعرف حقيقة دعوة التوحيد. ولهذا لما تحقق هذا المعنى عادوا النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه وحاربوه وعذبوا أصحابه، وكان ما كان. فهنا قال رحمه الله: «فإذا فهمت هذا فهمًا جيدًا، عرفت أن كثيرًا من الذين يدعون الدين لا يعرفونها». أي: لا يعرفون حقيقة كلمة التوحيد التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم ودعا الناس إليها. فليست كلمة التوحيد أن يقولوا: «لا إله إلا الله»، ويترك الناس على ما هم عليه، يعبدون الملائكة والأنبياء والصالحين والأشجار والأحجار، وهم يقولون: «لا إله إلا الله». وهذا هو الواقع في حال المشركين المتأخرين، فهم وقعوا في عبادة غير الله من أوثان ومشاهد وقبور وأشجار وأحجار وغير ذلك، وهم يزعمون أنهم يقولون: «لا إله إلا الله»، وأنهم -كما أشار وتقدم- قد عبدوا الله سبحانه وتعالى. والأمر ليس كذلك. فليس هذا هو التوحيد الذي جاءت به الرسل، ولا هو أمر عبادة الله سبحانه وتعالى. ولهذا -كما سيأتي في آخر الرسالة- بين رحمه الله أنه لما بين هذا لبعض من كان معاديًا ومحاربًا لدعوة الشيخ رحمه الله، قال: «أشهد بالله أننا كنا على كفر، وأن مطاوعتنا غشونا». يعني: علماءهم ودعاتهم غشوهم حين لم يبينوا لهم الحق في معنى كلمة التوحيد التي جاءت بها الرسل عليهم الصلاة والسلام. وقال بعد ذلك: «وإلا فما الذي حمل المسلمين على الصبر على ذلك العذاب والأسر والضرب والهجر إلى الحبشة؟». يعني: تلك المعاناة كلها كانت لأجل ماذا؟ لأجل تحقيقهم لمعنى التوحيد، وكفرهم بما سوى ذلك من الشرك وأهله. وقوله: «مع أنه صلى الله عليه وسلم أرحم الناس، لو يجد لهم رخصة لأرخص لهم». يعني: لو كان هناك رخصة في السكوت عما عليه الناس من الشرك، وعدم تبطيل أو الإنكار وإبطال ما هم عليه من عبادة غير الله، ووقوع في الخرافة والبدع والضلالات. لكن هذا هو الذي لا يسع المسلم إلا أن يبينه، وأن السكوت عنه غش للمجتمع. السكوت عنه غش للمجتمع. ولهذا كان من لم يصبر على الأذى لأجل هذا التوحيد، وكان فتنة الناس له سببًا في موافقتهم في قولهم، يعد من الضعف في الدين والفتنة فيه. وأشار إلى آية سورة العنكبوت، وجاء في معناها آيات كثيرة: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله﴾. وهكذا الآية بمعناها في سورة الحج: ﴿فإن من الناس من يفتتن إذا فتن لعدم تحقيق هذا التوحيد وتباته في قلبه﴾. فالواجب الذي يجب أن يكون عليه أهل التوحيد هو أولًا: أمر أنفسهم وأتباعهم بالتبات على الحق، مع التحذير مما عليه المجتمع من باطل وشرك وكفر. وبهذا يكون النصح والصدق في النصيحة. وفي قوله رحمه الله: «فإذا كانت هذه فيمن وافقهم بلسانه، فكيف بغير ذلك؟». يعني: لو أن إنسان وافقهم ليدفع عن نفسه المذمة، فسكت عن الكفر بما يعبد من دون الله، فاكتفى بأن قال: «لا إله إلا الله» كما يقولون، فلم ينكر عليهم شركًا، ولم يستنكف عن أن ينصح ويصدق في نصحه، لكان هذا ممن رضي بفتنة الناس عن عذاب الله، كما في هذه الآية وغيرها من الآيات. فكيف بمن وافقهم بما هم عليه من الفعل، فشاركهم بأفعالهم، حتى لا يصيبه شيء من الفتنة؟ هذا لا يجوز. بل هو أعظم إثمًا من الموافقة باللسان. وهو يشير بهذا رحمه الله أنه إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالصبر والثبات على ما هم عليه من دعوة التوحيد، حتى أصاب من أصاب منهم القتل -كآل عمار-، وأصاب من أصاب منهم العذاب -كبلال وغيره-، وأصاب من أصاب منهم الهجرة والتعب والنصب -لا يخفى أمرها في الهجرة الهجرة الأولى إلى الحبشة-، كل هذا لأنهم صدعوا بالحق وبيّنوا حقيقة التوحيد. فكانوا يدعون من يفتنونهم من المسلمين أن يكفروا بمعنى «لا إله إلا الله» التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم. فلو سكتوا عن سب آلهتهم لا رضوا -كما وقع في حصار الشعب-، فقبل حصار الشعب جاءوا إلى عم النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون منه شيئًا واحدًا: أن يأمر ابن أخيه -أي نبينا محمد عليه الصلاة والسلام- أن يسكت عن سب آلهتهم. أن يسكت عن سب آلهتهم. يعني: لو عبدت الله وعلمت أصحابك وأديت ما تؤدي من عبادات، هذا لا يضرنا. لكن لا تسب آلهتنا. وهل هو يسب آلهتهم عليه الصلاة والسلام؟ الجواب: لا، لم يسب آلهتهم. لكن كان ينهاهم عن الشرك ويبين أن هذه المعبودات لا تستحق أن تعبد مع الله، فضلًا أن تخص بعبادة من دون الله. فجعلوا ذلك سبًا وانتقاصًا لآلهتهم. وجعلوا إنكارهم عليهم انتقاصًا لهم ولآبائهم وأجدادهم. فلأجل هذا عادوه وعذبوا من عذبوا من أتباعه عليه الصلاة والسلام. فمع هذا كله لم يجد النبي صلى الله عليه وسلم في هذا رخصة لأصحابه؛ لأن هذا هو الواجب مع هذا الدين. فإذا كان كذلك، فكيف بمن يدخل في هذه العبادات فيشاركهم فيها، فيعبد غير الله ويشرك في الله سبحانه وتعالى ولو بالظاهر؟ هذا أشد. وهو يشير رحمه الله إلى حال الناس في زمانه. فالكثير منهم لم يحقق معنى التوحيد كما دعا إليه النبي عليه الصلاة والسلام، ودلت عليه سيرته وسيرة أصحابه. فإنهم يقولون مع من عبد تلك القبور الكثيرة التي لا تكاد تجد بلدة ولا موضع يوجد فيه مجموعة من الناس إلا وعندهم أو قريب منهم قبر أو مشهد أو شجر أو حجر يعبد مع الله ومن دون الله سبحانه وتعالى. وصارت ملامح ومظاهر الوثنية منتشرة في الأرض. ومع ذلك الكثير ممن عرف التوحيد يكتفي بأن يقول للناس: «قولوا لا إله إلا الله»، ويرى أن ذلك يكفيه ويكفيهم، ولم ينكر عليهم ما هم عليه. فهذا إن كان لم يعلم معنى هذه الكلمة، كان جاهلًا بحقيقة التوحيد. ولو علم ولم يأمر الناس، لم يكن ذلك معذرًا له عند الله. وهكذا كذلك أعظم من هذا: أن يشارك الناس فيما هم عليه من أمور شركية ومظاهر وثنية وبدع وخرافات. فهو يريد رحمه الله أن يقارن واقع ما عليه الناس وما كان عليه الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. وبهذا يتضح هذا الموضع من مواضع السيرة التي بها يعلم حقيقة التوحيد الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ودعا إليه. وهذا كذلك هو الذي منع الكثير ممن عرف الحق أن يدخل فيه، صار ثقيلًا عليه -كعم النبي صلى الله عليه وسلم أبي طالب-، عرف الحق وفهم أن ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام هو الحق. ولكن تقل عليه أن يخالف الناس. ولهذا لما قالوا له -وهو يحتضر- من حضره من أهل الشرك: «أتدع ملة عبد المطلب؟». فكان آخر ما قال: «أنه على ملة ماذا عبد المطلب؟». وإلا فهو القائل: «ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينًا». لكن ماذا قال بعده في الأبيات المشهورة عنه؟ «لو لا الملامة أو حذارة مسبة لرأيتني سمحًا بذاك مبينًا». إذن منعه من ذلك أن يقال: «ترك دين آبائه وأجداده»، فينتقص ويكون ذلك سببًا لملامته. فإذا كان كذلك، علم أن حقيقة التوحيد تكون بالحذر والتحذير والبراءة من الشرك وأهله. نكتفي بهذا وإلى هنا والله تعالى أعلم.