الدرس في القصيدة التائية 10، الدرس العاشر:من( ومن لك بالأمان وأنت عبد *أمرت فما ائتمرت ولا أطعتا ... ولا تنكر فإن الأمر جد*وليس كما حسبت ولا ظننتا ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشيخ بالتأكيد على خطورة الذنوب والمعاصي، ويحذر من الاغترار بالبكاء دون توبة صادقة. يشدد على أن التوبة الصادقة والمحافظة عليها هي السبيل للأمان من عذاب الله.
يُنبه المؤلف على ضرورة عدم الاغترار بالمظاهر والحرص على الحقائق، ويشير إلى أن العبد مطالب بطاعة الله سبحانه وتعالى والمبادرة بالتوبة والندم على الذنوب والمعاصي.
يناقش أهمية الثبات على الطاعة والابتعاد عن المعاصي، ويحذر من عذاب الله يوم القيامة، ويشدد على أن الإنسان يجب أن يخاف من ذنوبه ومعاصيه ويحافظ على الأمانة التي حملها.
ينكر الكثيرون نعم الله بلسان الحال من خلال عدم صدقهم وإخلاصهم وتوبتهم وتصحيح أعمالهم. يجب على المسلم تصحيح أعماله والتخلص من المظالم لتحقيق الإخلاص لله تعالى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال للبيض رحمه الله تعالى: مَنْ لَكَ بِالأَمَانِ وَأَنْتَ عَبْدٌ أُمِرْتَ فَمَا أَطَعْتَ وَلاَ أَمَرْتَ فَعَصَيْتَ فَقُلْتُ مِنَ الذُنُوبِ وَلَسْتُ تُخْشَى لِجَهْلِكَ أَنْ تَقِفَ إِذَا وُزِنَتْ وَتَشْفِقُ لِلْمُصِرِّ عَلَى الْمَعَاصِي وَتَرْحَمُهُ وَنَفْسُكَ مَا رَحِمْتَ رَجَعْتَ الْقَهْقَرَى وَخَبَطْتَ عَشْوَى لِعُمْرِكَ لَوْ وَصَلْتَ لَمَا رَجَعْتَ وَلَوْ وَافَيْتَ رَبَّكَ دُونَ ذَنْبٍ وَنُوقِشْتَ الْحِسَابَ إِذَا انْهَلَكْتَ وَلَمْ يَظْلِمْكَ فِي عَمَلٍ وَلَكِنْ عَسِيرٌ أَنْ تَقُومَ بِمَا حُمِلْتَ وَلَوْ قَدْ جِئْتَ يَوْمَ الْحَشْرِ فَرْدًا وَأَبْصَرْتَ الْمَنَازِلَ فِيهِ شَتَى لَأَعْظَمْتَ النَّدَامَةَ فِيهِ لَهْفًا عَلَى مَا فِي حَيَاتِكَ قَدْ أَضَعْتَ تَفِرُّ مِنْ الْهِجِيرِ وَتَتَّقِيهِ فَهَلاَّ مِنْ جَهَنَّمَ قَدْ فَرَرْتَا وَلَسْتَ تُطِيقُ أَهْوَنَهَا عَذَابًا وَلَوْ كُنْتَ الْحَدِيدَ بِهَا لَذُبْتَا وَلاَ تُنْكِرْ فَإِنَّ الأَمْرَ جِدٌ وَلَيْسَ كَمَا حَسِبْتَ وَلاَ ظَنَنْتَا أتبع رحمه الله تعالى بهذه الأبيات وهي ملحقة بما سبقت. فبعد أن قال رحمه الله: «ولو بكيت الدمى عيناك خوفا ولو بكت الدمى عيناك خوفا لذنبك لم أقل لك قد أمنتا»، يعني لو أن عيناك قد بكت الدمى، ليس الدموع من الخوف على ما كان منك من الذنوب، فإني لا أستطيع أن أقول أنك قد أمنت. لماذا؟ لأن الشأن كل الشأن ليس هو في البكاء دموعا، كان هذا البكاء أو دمى، ولكن الشأن كل الشأن هو ماذا أتبعت هذه الذنوب؟ هل أتبعتها توبة صادقة مستوفية لشروطها؟ ومن ذلك أنك حافظت على هذه التوبة حتى توفاك الله، لو كان كذلك لرجي له الأمان، والله أعلم بمن يؤمن. وأما مسألة أن الإنسان يبكي، فلا يغتر ببكاء، فكم من عين دمعة وصاحبها من أهل النار، وكم من عين بكت دما وصاحبها من أهل النار، فليس الشأن كل الشأن أن تدمع العين وتبكي. وليس معنى هذا تزهيدا في البكاء على الذنوب والمعاصي والانكسار بين يدي الله عز وجل والخشوع والندم، فإن هذا مرغب فيه. فإن من السبع الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله «عين بكت من خشية الله»، أحد السبع الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. ولكن هذه العين التي بكت من خشية الله بكت وهي صادقة في التوبة والإنابة، صادقة في التوبة والإنابة. ويريد المؤلف رحمه الله أن يبين أن المسلم ينبغي عليه أن لا يغتر بهذه المظاهر، وأنه ينبغي أن يحافظ على الحقائق. ولذلك أتبع بقوله: «ومن لك بالأمان وأنت عبد أمرت فما أطعت»، يعني من لك بأن تؤمن المراد بالأمان أي الأمان من الأمان، أي من لك بأنك تأمن وتسلم وأنت عبد، يعني أن العبد ينبغي أن يطيع. لو كنت عبدا لإنسان مثلك وخالفته وعصيته، فإنه لو عاقبك لعاقبك وهو غير ظالم لك. لو كنت أرفع من عبد، لو كنت ابنا لأب فعصيته فعاقبك، فإن عقابه لك كان عدل ولم يكن في ذلك مبخس لحقك من شيء. فكيف وأنت عبد في أدنى منازل العبودية من نقص استوجب ظاهرك وباطنك؟ ومع ذلك عبد لمن لله سبحانه وتعالى من له ملكوت السماوات والأرض، فأنت عبد لأعظم عظيم وهو الله سبحانه وتعالى رب العالمين. ثم قال رحمه الله: «فقلت من الذنوب ولست تخشى لجهلك أن تخف إذا وزنت»، ويريد رحمه الله أن كل إنسان مبتلى بذنوب، فعليه أن يبادر بالتوبة والندم، وأن يعجل بالمراجعة والتصحيح. وهذا قوله: «ثقلت من الذنوب»، وإلا الله أعلم بالسرائر، ما أحد يدري سريرة كل إنسان، لكن هذا الغالب على بني آدم أنه محل التقصير ومحل التفريط. فإذا لا ينبغي أن يغتر بالأمان. وقوله: «رجعت القهقرى وخبطت عشوة لعمرك لو وصلت لما رجعت»، إشارة منه رحمه الله في وصيته ونصيحته لابنه، وهي وصية ونصيحة لكل الناس ممن يرى ويقف على هذه الأبيات، أن الإنسان يكون في إقدام وإحجام، وفي تقدم وفي تأخر، وفي شرة وفي فترة. فكل إنسان ينشط ويفتر، وتقوى همته وتضعف، ويقع في الذنوب والمعاصي ويتوب، ويتوب فترة ثم ينتكس ولا يستقر ويستمر على هذه التوبة. فقوله: «رجعت القهقرى وخبطت عشوة»، يعني كنت على خير فتركته، سواء هذا الخير طاعة كنت محافظا عليها، أو ذنبا ومعصية تبت منها، أو معاصي كنت جانبتها وتركتها، أو غير هذه الخصال الثلاث. فينبغي للإنسان أن لا يرجع القهقرى، والمراد برجوع القهقرى هو تغير الحال، المراد هنا هو تغير الحال، لا ينبغي للإنسان أن يتغير حاله من الأفضل إلى ما هو دونه، سواء هذا الدون مفضول أو كان هذا الدون معصية أو بدعة أو شرك والعياذ بالله أو كفر أو نفاق. وقوله: «ولو وافيت ربك دون ذنب ونوقشت الحساب إذا انهلكت»، تخويف من المؤلف رحمه الله وتذكير وعظه، أن الإنسان ينبغي عليه أن يخاف من ذنوبه ومعاصيه، فإنه لو لقي ربه سبحانه وتعالى من غير ذنوب وناقشه ربه جل وعلا فقط في نعمه التي أنعمها عليه، لكان هذا مستوجب للهلاك. ثم قال رحمه الله: «ولم يظلمك في عمل ولكن عسير أن تقوم بما حملت»، يعني أن الله عز وجل لم يظلم عباده في شيء من أعمالهم، ولكن هذا الإنسان حمل أمانة، فكان عليه أن يحافظ على هذه الأمانة. وقوله: «ولو قد جئت يوم الحشر فردا وأبصرت المنازل فيه شتى لأعظمت الندامة فيه لهفا على ما في حياتك قد أضعت»، يعني تذكر وتأمل يوم يأتي الناس يوم القيامة كل إنسان فرد، لا ينفعه جاه ولا ينفعه أب ولا قريب ولا ملك ولا صاحب ولا مال ولا شيء. فإن الإنسان يأتي يوم القيامة فردا، ومع ذلك الناس على كثرتهم الأولين والآخرين هم شتى. وقوله: «تفر من الهجير وتتقيه فهلا من جهنم قد فررت ولست تطيق أهونها عذابا ولو كنت الحديد بها لذبتا»، والمعنى أن أقل حر الدنيا وهو الهجير وقت الظهر، حرارته ليس كحر النار التي في الدنيا. ومع ذلك الناس ما يكاد يطيقون هذا الهجير، لو وقف أحدهم تحت الشمس لحظات لضاق بنفسه كربا وكمدا مما هو فيه. فكيف بنار جهنم التي فضلت على نار الدنيا بأكثر من سبعين ضعف؟ قال: «ولا تنكر فإن الأمر جد وليس كما حسبت ولا ظننت»، الكثير من الناس ينكر بلسان الحال وإن لم ينكر بلسان المقال، الكثير من الناس ينكر بلسان الحال بما يكون من عدم صدقه وعدم إخلاصه وعدم توبته وعدم رجوعه إلى ربه وعدم تصحيحه لأعماله وتخلصه من الحقوق التي في عنقه والمظالم التي تحملتها أعضاؤه. والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.