الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 24، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يشرح المقطع آداب المجلس المستفادة من السنة كالتسليم عند الانصراف والجلوس حيث ينتهي المجلس دون تخطّي الرقاب. كما ينبه إلى عدم إقالة أحد من مكانه وتجنب الجلوس وسط الحلقة أو بين اثنين بغير إذن إلا لضرورة أو بإذن الشيخ.
يستعرض المقطع آداب الطالب في حلقات العلم مؤكداً على حرمة التفريق بين اثنين دون إذن ووجوب حسن المعاشرة. كما يبرز التواضع في الجلوس وخفض الصوت احتراماً للشيخ مستدلاً بقصة ثابت بن قيس رضي الله عنه.
يستعرض المقطع آداب حضور مجالس العلم مؤكداً على ترك الضحك والكلام الزائد والالتزام بالإنصات الكامل. كما ينبه إلى اختيار أوقات نشاط الشيخ وصفاء ذهنه للقراءة عليه مستشهداً بسير السلف.
يختتم المدرس الدرس مؤكداً على آداب التعامل مع الشيخ عند انشغاله بترك سؤاله أو مطالبته بشيء. وتختتم الجلسة بالحمد لله مع ذكر اسم المترجمة نانسي قنقر.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني رحمه الله تعالى. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فيقول المصنف رحمه الله: «وأن يسلم عليه وعليهم إذا انصرفوا، كما جاء في الحديث: فليست الأولى بحق من الثانية». نعم، هذا من آداب المجلس، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أحدكم المجلس فليسلم على أهله، فإذا انصرف فليسلم، فليست الأولى بحق من الثانية». يعني: كما أن السلام مشروع عند الدخول، فهكذا السلام مشروع أيضًا عند الانصراف. قال: «ولا يتخطى رقاب الناس، بل يجلس حيث ينتهي به المجلس». نعم، كما روى في حديث جابر بن سمرة: «كنا إذا أتينا إلى النبي صلى الله عليه وسلم جلس أحدنا حيث ينتهي». في سنده شريك القاضي وهو ضعيف، لكن هذه من الآداب، أو هذا من الآداب الثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه: أن الواحد منهم كان يجلس حيث ينتهي به المجلس، كما أشار المحقق في حديث أبي واقد. قال: «إلا أن يأذن له الشيخ بالتقدم، أو يعلم من حالهم إيثار ذلك». نعم، إذا احتاج إليه الشيخ أو المعلم فأشار له بالتقدم لحاجة فهو يتقدم، أو يعلم من حالهم إيثار ذلك. قال: «ولا يقيم أحدًا من موضعه». نعم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقيمن أحدكم من مجلسه، ولكن توسعوا وتفسحوا». قال: «فإن آثره غيره لم يقبل، اقتداءً بابن عمر». وأروي في ذلك حديث، يعني في عدم قبول الإيثار، لكنه لم يصح، ولكنه من فعل ابن عمر: كان يكره أن يقوم له الرجل. قال: «إلا أن يكون في تقدمه مصلحة للحاضرين، كأن يكون هو الذي يقرأ وصوته واضح وخصيح فريدًا، يتقدم حتى يقرأ لهم». قال: «أو أمره الشيخ بذلك». لكن هذا أيضًا بدون فضول مضرة على الزملاء والجلوس. قال: «ولا يجلس وسط الحلقة» - أو الحلقة، كلاهما - قال النووي: «هنا حلقة العلمي ونحوها، حلقة العلمي ونحوها بإسكان اللام، هذه هي اللغة الفصيحة المشهورة، ويقال بفتحها في لغة قليلة، حكاها الثعلب والجوهري وغيرهما». وهو يشير إلى حديث جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن من جلس وسط الحلقة، وهو ضعيف. قال: «إلا لضرورة». لا يوجد في المجلس ولا في الغرفة مكان يجلس به إلا في وسط الحلقة، فهو يقعد، لا يكون وحده منفردًا في وسط الحلقة، وإنما يقرب من الذين هم قد تحلقوا. قال: «إلا لضرورة، ولا يجلس بين صاحبين بغير إذنهما، بغير إذنهما». وهذا الحديث: عمر بن شعيب عن أبيه عن جده: «لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما». قال: «فإن فسح له قعد، وضم نفسه». وإلا، بدون ذلك، فتعرفون من آداب الجمعة أنه لا يفرق بين اثنين إذا ارتسل ومشى بعد المسجد، لا يفرق بين اثنين إلا بإذنهما، لا يفرق بينهما لا في مجلس ولا في حديث، حتى إذا رأى اثنين يحدثان فمن الخطأ وليس من الأدب أن يتقدم ويقطع حديثهما ويدخل بينهما، فلعلهما في السر، إلا أن يأذنه. قال: «فإن فسح له قعد، وضم نفسه»، لأنهما أكرمه، يقبل الكرامة، لكن بشرط عدم الإيذاء، إذا أعطوه فرصة للجلوس فلا يتربع ويأخذ عليهما المجلس. قال رحمه الله: «فصل: وينبغي أن يتأدب أيضًا مع رفقته وحاضر مجلس الشيخ، فإن ذلك تأدب مع الشيخ وصيانة لمجلسه». نعم، أيضًا، كما أن الآداب مطلوبة من الطالب مع شيخه، فهكذا من الطالب مع زملائه، والعلاقة التي بين الطلاب بعضهم مع بعض علاقة عظيمة وطيدة، فهي أخوة في العلم وزمالة في العلم، فينبغي أن يعرف لزميله حقه، وأن يعاشره بالمعروف، وأن يتعاون معه على الخير، وأن يكون خير عون الله على الخير، يكون بينهما المودة والألفة والمحبة والاحترام والتعاون، وأن يطرد التنافس المذموم والتباغض والتحاقد والتحاسد. قالوا: «ينبغي أن يتأدب أيضًا مع رفقته». هنا قال النووي رحمه الله: «الرفق بضم الراء وكسرها لغتان، وحاضر مجلس الشيخ»، وحاضر مجلس الشيخ يعني: وإن لم يكن زميلًا له بالطلب وإنما حضر حضورًا. قال: «فإن ذلك تأدب مع الشيخ وصيانة لمجلسه». معرفة حق الطلاب، كما أنه أداء لحق الزميل عليه، فهذا أيضًا من احترام الحلقة واحترام المعلم الذي اشتركوا في الجلوس عنده. قال: «وصيانة لمجلسه»، لأنه ينبغي توقير مجالس العلم، فيؤدب مع المعلم ويؤدب مع الزملاء والجلوس والحضور، فهذا من باب توقير وإجلال مجالس العلم. قالوا: «يقعد بين يدي الشيخ قعدة المتعلمين، لا قعدة المعلمين». يعني: الاحترام لمجلس الشيخ تكون كما يأتي في الصوت وفي الثياب وفي طريقة الجلوس وفي طريقة طرح السؤال، هذا كله من الآداب. يقعد قعدة المتعلم لا قعدة المعلم، فهذا من التواضع، فهو مأمور بالتواضع، فلا يتكبر على الشيخ لا في كلام ولا في حركة ولا في جلوس ولا في تصرف. قال: «ولا يرفع صوته رفعًا بليغًا، وإنما قال: من غير حاجة». لا يرفع صوته رفعًا بليغًا من غير حاجة، إلا إذا كان جهوري الصوت، فهو يتكلم مع معلمه بلطف، ويترك السماجة والعنف. إذا كان جهوري الصوت كما كان عند ثابت بن قيس بن شماس، لما نزل قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾، جاء يشكو إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو جلس في بيته ويبكي ويقول: قد حبط عملي. فلما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بشأنه قال: «لا، هو ليس من أهل النار، بل هو من أهل الجنة». فإذا كان جهوري الصوت فهو معذور، لكن أيضًا لا يتخاطب معه وهو جهوري الصوت بسماجة وعنف، ولكن بلطف، هذا من الآداب. قال: «ولا يضحك، ولا يكثر الكلام من غير حاجة». في التعليق: بعض الآثار مأخوذة من الجامع للخطيب البغدادي، في كون عادة المحدثين أنهم ما كانوا يقبلون المزح أو الضحك في مجالس العلم، لأن هذا يتنافى مع الأدب، إلا إذا دعت حاجة، إلا إذا دعت حاجة للضحك فإنه يضحك لهذا، أما هكذا فهذا يعتبر من الإخلال في الأدب. لابس أن نقرأ بعض هذه الآثار. قال: «ولا يضحك». هنا من الآثار: نعم، كان عبد الرحمن بن مهدي لا يتحدث في مجلسه، ولا يبرى قلمًا، ولا يبصق، ولا يبتسم، ولا يقوم أحد قائمًا، كأن على رؤوسهم الطير، وكأنهم في صلاة. فإن رأى أحدًا منهم تبسم أو تحدث أو يضحك أو يبري قلمًا، لبس نعله وخرج. وهكذا كان ابن نمير، وهكذا كان وكيع. أيضًا في الجامع: أن ابن مهدي رأى رجلًا يضحك في مجلسه، فقال: «من ضحك؟» أو سمع رجلًا فقال: «من ضحك؟» فأشار إلى رجل، فقال: «تضحك وتطلب العلم وأنت تضحك؟ لا أرى أنكم شهرًا، فعاقب أهل المجلس جميعًا». وهذه من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم: أنه في مجالس العلم لا يضحك بدون حاجة ولا داعي، إذا وجد ما يستدعي الضحك من الجميع وأكثرهم فهذا لا بأس، أما هكذا فهذا يعتبر من الإخلال من الأدب. قال: «ولا يكثر الكلام من غير حاجة». وهذا أيضًا من الآداب، من الآداب والتبجيل والتوقير لمجالس العلم، ألا يكون هناك حديث جانبي ولا همهمة ولا تشويش على الزملاء والقريبين. قال: «ولا يعبث بيده ولا غيرها، ولا يلتفت يمينا ولا شمالا». يعني: أنه يبتعد عن الخفة، يبتعد عن الخفة والسخف في مجلس العلم. قال: «بل يكون متوجهًا إلى الشيخ، مصغيًا إلى كلامه». فإن نشاط القائل على قدر إصغاء المستمع، كلما كان المستمع أكثر إصغاء وإقبالًا، فهذا يؤدي إلى نشاط المعلم والمتكلم والمدرس. فيتوجه إلى المعلم بقلبه وقالب، لا يتوجه إلى المعلم بوجهه أو بوجهه وقلبه يهيم في كل واد، فهذا ليس مما ينبغي على طالب العلم. بل كما تقدم معنا قول جماعة من السلف: «أول العلم الإنصات». فكلما أنصت وأقبل وأصغى، فهذا أدعى إلى الفهم والانتفاع، أما من لم يكن كذلك فهو أبعد الناس عن الانتفاع. كلما أصغى الطالب كان في ذلك قوة للمدرس، قوة للمدرس أنه ينشط ويعطي ويعني يتوجه ويكرم في الكلام. قال: «فصل: ومما يتأكد الاعتناء به أن لا يقرأ على الشيخ في حال شغل قلب الشيخ، وملله، وسهره، وغمه، وفرحه، وجوعه، وعطشه، ونعاسه، وقلقه، ونحو ذلك مما يشق عليه أو يمنعه من كمال حضور القلب والنشاط، وأن يغتنم أوقات نشاطه». وهذا قد يكون مأخوذًا أيضًا من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان». ويبتعد المدرس، أو يبتعد الطالب عن سؤال الشيخ، أو المطالبة بطلب له يعني بشيء في حال انشغال الشيخ بهذه الأمور. والبقية إن شاء الله في الدرس القادم. إلى هنا والحمد لله. ترجمة نانسي قنقر