الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 25، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يستعرض المقطع آداب الطالب في حلق العلم من الإقبال على الشيخ بالقلب والقالب والإنصات له، مع مراعاة أحوال الشيخ فلا يُقرأ عليه في حال شغله أو تعبته. ويؤكد على ضرورة الصبر على جفوة المعلم وسوء خلقه مستدلاً بأقوال السلف، مبيناً أن من لم يصبر على ذل التعلم حرم خير العلم.
يبيّن المقطع أن الصبر من أعظم الأخلاق وأعظم العطايا، وعلى طالب العلم التحلي به مع شيخه وزملائه لأن الشيخ ليس معصوماً وقد تصدر منه هفوات. ويشير إلى أن الصبر عليها يورث المحبة والقرب والنجاح، وأن عاقبته أحلى من العسل والله يجزي الصابرين أجرهم بغير حساب.
يشدد المقطع على ضرورة صبر طالب العلم على مشقة التحمل وإيثار أوقات النشاط والقوة للعلم لا لفضول الأوقات، مستشهداً بقصة الإمام البخاري في نهمة الطلب ومداومة النظر. ويحث على استغلال الشباب والفراغ قبل فوات الأوان، مبيناً أن العلم لا يُنال إلا ببذل النفس والوقت والمال.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني رحمه الله تعالى. الله الرحمن الرحيم، بحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال رحمه الله: نعم، نازلنا في هذه الفصول التي فيها ذكر الآداب للمعلم والمتعلم. قرأنا هذا الفصل، وهو أن يكون متوجها إلى الشيخ، مصويا إلى كلامه، في آخر ما قرأنا. وهذه من الآداب في حلق العلم وحلق القرآن. والله سبحانه وتعالى قد قال في كتابه الكريم: ﴿ فَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾. فالإقبال والإنصات مما يعين المعلم والمتعلم، مما يستفيد منه المعلم والمتعلم. ولأجل هذا أمر المستمع بالإنصات. وكلما كان الطالب مصغيا منصتا مقبلا حريصا، يتوجه إلى المعلم بقلبه وقالبه، ويستمع في السماع من يريد الفائدة ومن يشعر بالغبطة، فهذا أدعى في حصول الفائدة والنفع. قالوا: مما يتأكد الاعتناء به أن لا يقرأ على الشيخ في حال شغل قلب الشيخ، وملله، وسنفره، وظمئه، وفرغه، وجوعه، وعطشه، ونعاسه، وقلقه، ونحو ذلك مما يشغله أو يمنعه من كمال حضور القلب والنشاط. وأن يغتنم أوقات نشاطه، العلم عبادة وتحصيل عبادة. وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في شأن الصلاة: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان»، وهكذا في شأن الحاكم: «لا يقضي القاضي وهو بين اثنين وهو غضبان». فإزالة التشويش وصفاء الفكر مما يعين على الاستفادة. وهذا التشويش وهذا القلق والاضطراب ينبغي أن يبتعد عن المعلم والمتعلم. فإن المعلم إذا كان مشوش الفكر مشتت الذهن، فإنه لا يستطيع أن يجمع أفكاره، وأن يتقن في درسه، وأن يفيد الطلاب أو المستمع أو الطالب. وهكذا كذلك لو كان الطالب كذلك، فإنه قل ما يستفيد. قالوا: من آداب أن يتحمل جفوة الشيخ وسوء خلقه، ولا يصده ذلك عن ملازمة واعتقاد كماله، ويتأول لأقواله وأفعاله التي ظاهرها الفساد تأويلات صحيحة. فما يعجز عن ذلك إلا قليل التوفيق، أو عديمه. وإذا جفاه الشيخ ابتدأ هو بالاعتذار إلى الشيخ، وأظهر أن الذنب له والعتب عليه، فذلك أنفع له في الآخرة والدنيا، وأتقى لقلب شيخه له. وقد قالوا: من لم يصبر على ذل التعلم بقي عمره في عماية الجهالة، ومن صبر عليه آل أمره إلى عز الآخرة والدنيا. نعم، أيضا هذا من الآداب: أنه يتحمل جفوة المعلم وما يكون منه من سوء الخلق. فكما ذكروا في بعض الآثار أن هناك ناسا يحتاجون إلى مجاراة منهم: الحاكم المتسلط، والقاضي المتأول، والمرأة، والمريض، والعالم. هؤلاء يحتاجون إلى مجاراة وإلى صبر على ما يصدر منهم. الحاكم المتسلط، وهكذا القاضي المتأول، وهكذا المرأة: المرأة شبهت بالقوارير، والمرأة ضعيفة. والمريض: المريض يكون في حال قلق واضطراب وتعب، يحتاج إلى مداراة. وهكذا العالم. فهكذا من أعانه الله تبارك وتعالى على الصبر على الجفاء الذي يكون من المعلم وهو يستفيد في حضور دروسه، فإنه يستفيد. أما من تضجر ولم يصبر، فإنه يحرم نفسه الخير، يحرم نفسه الخير. فهكذا كان العلماء يتواصون، وهكذا يوصون طلاب العلم بالصبر على الجفاء. وأحيانا لا يكون جفاء وإنما هو توهم، أحيانا لا يكون جفاء وإنما هو توهم الجفاء. فهكذا يعود الطالب نفسه على أن يصبر، لأن العلم غالي، ولأن الثمرة عظيمة. فإذا لم يصبر لم يستطع أن يقطف الثمرة. إذا كان لا يوسع صدره مع معلمه، ولا يوسع صدره مع زميله، ولا يوسع صدره مع إخوانه المسلمين، فإنه يضجر، وهو أول من يخسر. لكن إذا وسع صدره، فإنه في عبادة. الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾، ويقول سبحانه: ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾. وهكذا الأدلة من السنة في فضل حسن الخلق. من حسن الخلق أنه يعفو عمن ظلمه، وأنه يصبر على من جفاه وعسى إليه. فهنا يظهر حسن الخلق، وهنا يظهر سعة الصدر. وحقيقة أن هذه هبة يهبها الله تبارك وتعالى لمن يشاء. من يكون واسع الصدر، ومن يكون عفوا عند الغلط والخطأ؟ متى يظهر العفو عند الغلط؟ النبي يؤذى، والعالم يؤذى، والأب يؤذى من قبل أولاده، والأم قد تؤذى. وهكذا الطالب قد يؤذى من قبل زميله، وقد يؤذى من قبل مدرسه. إذا وجدت أذية، فكيف إذا كانت هناك أمور قد تكون غير مقصودة؟ فالحاصل أن من أحب العلم ضحى لأجله، من أحب العلم سهر له الليالي، من أحب العلم تواضع للعلم وتواضع للمدرس محبة ورغبة في الاستمرار في هذا الخير. فهكذا كم من طالب يحرم الاستمرار في الطلب بسبب موقف. بسبب موقف قد قيل لابن عيينة، قيل له: يأتيك الطلاب من الأقطار فتغضب عليهم، فينصرفون عنه. قال: إذن يكونون حمقى مثلك. قال: إذن يكونون حمقى مثلك. إذا غضبت ينصرفون ويتركون الطلب. فهذا مما لا ينبغي، هذا مما لا ينبغي. بل يصبر على الجفوة إذا وجدت، فكيف إذا كانت أوهام مجرد أوهام؟ فهكذا ما رزق الله فيكم من صبر، صبره الله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن يتصبر يصبره الله». قد يبتلى بمعلم مستمر على سوء الخلق، أو على الشدة والجفاء، وعلى الجفوة. يعني في أكثر أوقاته يكون كذلك، ما يكاد يعاشر ولا يكاد يجالس من الجفوة في فعله، في قوله، في تصرفاته. فهكذا ينبغي عليه أن يوسع قدره، وأن يتذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن يتصبر يصبره الله». هو يصبر في ذات الله ولأجل الله سبحانه وتعالى. فمن استعان بالله أعانه الله، ومن طلب العون من الله أعانه الله، ومن أوى إلى الله آواه الله، ومن ركن واستعان بالله فإن الله تبارك وتعالى يعينه ويقويه ويعطيه ما يريد. فهكذا ينبغي لطالب العلم أن يتحلى بخلق الصبر، فإنه خير ما يعطى الإنسان: أن يكون صبورا، وأن يكون حليما، وأن يكون عفوا. هذه من الأخلاق العالية والهبات العظيمة. قال: أن يحتمل جفوة الشيخ وسوء خلقه، ولا يصده ذلك عن ملازمته واعتقاد كماله، ويتأول لأقواله وأفعاله التي ظاهرها الفساد تأويلا صحيحا. لكن إذا هناك مجال في التأويلات، وإلا فالشيخ هذا ليس بمعصوم. الشيخ ليس بمعصوم، يعني كل فعل يفعل يدل على أنه صواب في الباطن. لكن قد يلتمس له أعذارا، وقد يعجز عن التماس الأعذار. لا، هذا لو نزلنا الشيخ منزلة المعصوم. لا، الشيخ ليس معصوم، والعالم ليس بمعصوم. ومن هو أكبر من العلماء من الصحابة ليس بمعصوم. هؤلاء بشر يعتريهم ما يعتري الآخرين، وقد يستزلهم الشيطان، وقد تغريهم أنفسهم الأمارة بالسوء، وقد يجهلون، وقد يغفلون. فهذا ليس بمعصوم حتى تكون أفعاله كلها صوابا، سواء ظهر لنا التأويل السائغ أو لم يظهر. هم بشر. كونك تعتقد أنهم بشر، هذا أدعى لتحمل ما يصدر منهم. لأن الإنسان لو ذهب يلتمس الأعذار الصحيحة قد ينقطع، قد يأتي بعد فترة يقول: قد تعبنا في التماس الأعذار والتأويل، لماذا لا نكون من أول الأمر نعرف أن أولا ليسوا بمعصومين، وأن أولا يجري عليهم الخطأ كما يجري على سائر البشر، إلا من عصمه الله ووفقه الله سبحانه وتعالى؟ هل أنت راض عن نفسك؟ هل أنت وصلت إلى درجة الكمال؟ فالجواب لكل منصف وعاقل يقول: لا، أنا لست راضيا عن نفسي، ولم أبلغ درجة الكمال. فإذن هذا الذي أنت تعاتبه، وأنت تنقم في أخطائه، وأنت تبالغ في محاسبته، هو أيضا مثلك، وليس بكامل. لكن يختلف الخطأ من الخطأ. فالإنسان المعلم والمدرس يلجأ إلى الله ويسأل ربه تبارك وتعالى أن يزيل ما في قلبه من حقد أو غل أو مغض أو تحامل في غير موضعه. ثم تحصل الهفوات، وتحصل الزلات. فالزميل يعفو عن زميله ويصبر على ما يبدر منه، والمدرس ينبغي كذلك إذا اقتضت المصلحة أن يصبر على ما يصدر من الطالب. وهكذا الطالب. من باب أولى: صبر المعلم على الطالب أمر مطلوب، وصبر الطالب على المعلم أمر مطلوب أكثر. لأن الطالب إذا لم يصبر قد لا يتلاءم معه أخلاق المدرسين، يجلس عند الأول، لأدنى شيء يحصل منه يقول: هذا لا يصلح للتعليم، ينتقل إلى مكان آخر، يحصل شيء فيقول: هذا المكان لا يصلح لي أخذ العلم. وهكذا ما يدري، لعل هذا من الشيطان الرجيم يريد أن يحول بينه وبين الخير. يكون قد هيئت لمرتبة عالية ولدرجة رفيعة، فمن أين يأتيه الشيطان؟ الذكاء موجود، والفهم موجود، والهمة موجودة. فلعل الشيطان ينغص عليه حياته ويحرمه ويصده عن الخير بسبب هذه الأمور. وهذا أمر مجرب في طلب العلم وفي صفوف الطلاب. كم من طالب تهيأت له الأمور، فكان السبب في انصرافه عن الطلب هو تصرف أو جفوة أو أمر يحصل له، ولو أنه صبر هل ضره هذا الصبر؟ لا، الصبر ما يأتي إلا بالخير في جميع الأمور. المرأة لو جفاها زوجها وصبرت، لكانت العاقبة لهذه المرأة. الزوج لو جفته المرأة وأساءت إليه وتعدت عليه، واستطاع أن يصبر، لكانت العاقبة له. لو هذا الجار جار وصبر، هذا الجار هل يضر هذا الصبر؟ لا ما يضره، بل هو الرابح. لو صبر صاحب العمل على عامله، لو صبر المدير على عامله، لو صبر العامل على مديره، لو صبر الطالب على مدرسه، لو صبر المدرس على طالبه. كل من وفق للصبر فإنه هو الرابح. وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر. ويقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾. فأنت في عبادة بالصبر. يعني من استطاع أن يتحلى بخلق الصبر في جميع أوقاته وأحواله، وفي تصرفاته ومعاملاته، فإنه رابح، يستفيد بهذا الصبر في شبابه، ويستفيد وينتفع بالصبر في حال كهولته، في حال شيخوخته، إذا كان محمل المسؤولية أو لم يكن متحمل المسؤولية. أما من كان ضيق الصدر، فإنه قلما يقطع شوطا، وقلما يصل إلى هدف. فإنه في الأخير سيخاصم نفسه بعد أن يخاصم الآخرين، ولا يستطيع أن يصبر على أذاهم. فما أحسن ما قاله بعض العلماء: إن الكيس العاقل هو الفطن المتغافل. الكيس العاقل هو الفطن، ما تمر عليه الأمور، الفطن المتغافل. فهذا من أنعم الله عليه بهذه المرتبة، فهو في علو، وهو في راحة وطمأنينة. وبقدر حرمان العبد من شيء من ذلك، فإنه يتعب، فإنه يتعب. فهكذا ليحرص طالب العلم على أن يصبر. والصبر كاسمه مر مذاقه، لكن عواقبه أحلى من العسل. والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾. قال بعض السلف: لما أخذوا برأس الأمر، جعلناهم رؤوسا. لما أخذوا برأس الأمر، جعلناهم رؤوسا. قال: وإذا جفاه الشيخ ابتدأ هو بالاعتذار إلى الشيخ، وأظهر أن الذنب له والعتب عليه، فذلك أنفع له في الآخرة والدنيا، وأنقى لقلب شيخه له. هذه النصائح وهذه توجيهات من العلماء كانت ثمرة تجربة، وعل بالله سبحانه وتعالى راسخ. فما تأتي هذه من فراغ، ومن يعني خبر الأمور وجربها، يعرف من صداقة ذلك أن الإنسان كلما كان صبورا متواضعا، لا سيما مع مدرسه ومعلمه وشيخه، فإنه إذا كان في فترة من الفترات في حال جفاء ومنافرة، فبصبره يؤلف الله سبحانه وتعالى بين القلوب، ولعله يصل إلى أن يكون من أقرب الناس إلى هذا الذي يحب الناس القرب إليه، بسبب صبره، بسبب صبره. قال: إذا جفاه ابتدأ هو بالاعتذار إلى الشيخ، وأظهر أن الذنب له والعتب عليه، فذلك أنفع له في الآخرة والدنيا، وأنقى لقلب شيخه له. وقد قالوا: من لم يصبر على ذل التعلم، ومن بقي عمره في عماية الجهالة، ومن صبر عليه آل أمره إلى عز الآخرة والدنيا. قالوا: منه الأثر المشهور عن ابن عباس: «ذلل طالبا فعززت مطلوبا». أفاد لأنه محقق أنه في سنده كطاعة. قال رحمه الله: فصل. من آداب متأكدة أن يكون حريصا على التعلم، مضطربا عليه في جميع الأوقات التي يتمكن منه فيها، التي يتمكن منه فيها، ولا يقنع بالقليل مع تمكنه من الكثير، ولا يحمل نفسه ما لا يطيق، مخافة من الملل، فيضيع ما حصل. وهذا يختلف باختلاف الناس والأحوال. ينبغي على طالب العلم أن يكون كبير الهمة في طلب العلم، وأن يكون حريصا على التحصيل، وأن يبذل نفائس الأموال والأوقات في سبيل تحصيل العلم. فإن العلم غالي، وينبغي أن يسترخص كل غال ونفيس في سبيل تحصيله. يعطي للعلم نفائس الأوقات، لا يعطي للعلم فضول الأوقات. الأوقات الغالية يصرفها في غير العلم والتعلم، وفضول الأوقات يعطيها للعلم. مثلا تعرفون في حياة الإنسان كلها، بل في يومه وليله، هناك أوقات قوة وجد وانتباه ونشاط، وهناك أوقات غفلة وفتور وكسل. مثلا على سبيل اليوم الواحد: يعني يذهب عنده أمر، عنده شغل هو بيده يستطيع أن يؤديه في أي وقت، لكن يحتاج إلى ثلاث ساعات للعمل. كان يكون عنده ورشة، أو عنده تجليد للكتب، أو عنده بقالة، يعني أوقاتها واسعة. فيذهب يعطي للعمل الدنيوي أغلى الأوقات: أوقات النشاط واليقظة والرغبة. ثم يعطي للعلم فضول الأوقات، في أوقات ما ينزل النوم وتهجم القاطعات، فيذهب يقول: أنا أطلب العلم. فهذا ما يكاد يصل إلى شيء إذا لم يعطي للعلم إلا فضول الأوقات. ينبغي أن يعطيه نفائس الوقت، ونفائس المال، ونفائس الرغبة والمحبة. قال: أن يكون حريصا على التعلم. بالحرص يصل. ولهذا الإمام البخاري رحمه الله لما وصل إلى ما وصل إليه، قيل: لعله تناول دواء، كان إمام الدنيا في الحفظ، لعله تناول دواء. قالوا: نسأل الإمام. فتحيا وراقه وقت الخلوة بالإمام البخاري، فسأله سؤالا مفاجئا، قال: يا إمام، هل من دواء للحفظ؟ يا إمام، هل من دواء للحفظ؟ فسكت الإمام البخاري وأطرق رأسه، ثم رفع رأسه وقال: لا أعلم شيئا من ذلك إلا نهمة الطالب ومداومة النظر. نهمة الطالب: الرغبة والهمة العالية والحرص الأكيد على تحصيل العلم. قال: لا أعلم شيئا من ذلك. اتهموا أقرانه وزملائه والمحبون والمعجبون به، قالوا: هذا لعله ظفر بدواء. اسألوا، لعلنا نشرب من هذا الدواء ونكون مثله. ها سألوه، قال: لا، ما أعلم شيئا من ذلك. لا تطمعوا بدواء، لكن نهمة الطالب ومداومة النظر، أي الاستمرار. قال: أن يكون حريصا على التعلم، مضطربا عليه في جميع الأوقات التي يتمكن منه فيها. الحرص على اغتنام الأوقات، فإن الوقت من نعمة من نعم الله سبحانه وتعالى، وهو رأس مالك، رأس مالك يا طالب العلم. اغتنام الوقت. وصدق النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». الله أنب الكفار إذ لم يستغلوا حياتهم فيما يقربهم إلى خالقهم ومولاهم، فقال: ﴿ أَلَمْ نُمَتِّعْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ﴾. فهكذا ينبغي أن يعتني الطالب بوقته. والوقت أنفس ما عنيت بحفظه، وأراه أسهل ما عليك يضيعه، لا سيما في أوقات الشباب والقوة. فهذه نعمة عظيمة. أترجو أن تكون وأنت شيخ كما قد كنت أيام الشباب؟ لقد كذبتك نفسك، ليس ثوب دريس كالجديد من الثياب. هكذا يقول الجاحظ: أترجو أن تكون وأنت شيخ، يعني كبير السن، كما قد كنت أيام الشباب؟ لقد كذبتك نفسك، ليس ثوب دريس كالجديد من الثياب. فهذا ينبغي لطالب العلم في شبابه أن يستغل هذا الشباب، فإن الحافظة تساعده، والهمة والحركات والقوة والنشاط، بخلاف من توغل في عمره، فتأتي الأمراض، ويأتي الكسل، ويأتي القمل، وتأتي الصوارف. فهكذا ينبغي لطالب العلم أن يستغل الوقت. وكما تقدم معنا: العلم إذا أعطيته كلك، عسى أن يعطيك بعضه. العلم لو أعطيته كلك، كل أوقاتك في العلم، عسى أن يعطيك بعضه. وبعضا قد يعطي للعلم كل وقته ولا يظفر بشيء. هل موفقه الله سبحانه وتعالى؟ إذا أعطيته كلك، عسى أن تظفر بشيء منه. ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾، وفوق كل ذي علم عليم. فهكذا ينبغي أن تكون كبير الهمة، حريصا، شغوفا، محبا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من هما لا يشبعان: من هم في علم لا يشبع، ومن هم في دنيا لا يشبع». كما أن طالب الدنيا ومحب الدنيا يعني مستمر في الجري وحريص، ممكن أن يعادي، وممكن أن يقاتل، وممكن أن ينافر، وممكن أن يهاجر، وممكن أن يصبر على الجوع والعطش. بعضهم من أرباب الأموال لأجل الدنيا، ومستعد يبقى من الصباح إلى المساء بدون أن يتناول لقمة، المال موجود لكن ما عنده وقت يذهب إلى المطعم ويتناول لقمة، لأنه قد ملأ عينه هذا الأمر. مستعد أن يضحي، مستعد أن يجوع، مستعد حتى أن يذل نفسه لمحبته للدنيا. ممكن أن يتعرض لمواقف فيها الإهانة، وفيها الذل، لأنه محب، مستعد أن يضحي. كما ذاك الشاب الذي قد أحب الزواج بامرأة، مستعد أن يتحمل كافة الإهانات من قبل أهلها، لأنه قد تعلق قلبه للزواج بهذه المرأة. وهكذا محب الدنيا. وهكذا ينبغي لمحب العلم. من هما لا يشبعان: من هم في دنيا لا يشبع، ومن هم في علم لا يشبع. نواصل إن شاء الله بالدرس القادم. إلى هنا والحمد لله. ترجمة نانسي قنقر.