الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 107، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش تفسير الآيات القرآنية التي تذكر روح القدس وتأييد الله للمسيح وغيره بها، ويبين أن روح القدس غالبا ما يراد بها جبريل عليه السلام. يوضح أن هناك روحا أخرى يسميها القرآن روحا وهي التي ينزل بها الملائكة على عباد الله.
يناقش ادعاءات النصارى بشأن ألوهية المسيح مستندين إلى آيات قرآنية، ويرد عليها بأن هذه الآيات لا تدعم معتقداتهم. يبين أن تفسيراتهم تتعارض مع معتقداتهم نفسها.
يناقش معنى كلام الله وصفاته، ويوضح أن القرآن كلام الله حقا، وأن كلام الله قائم به وليس مخلوقا. يبين أن الصفات لا تقوم بنفسها بل بالموصوف.
لا يمكن الاحتجاج بأقوال أهل الشر أو الضلال لإثبات صحة رأي أو فكرة، لأنهم ليسوا حجج على أهل الخير أو الهدى. يعني أن الاستدلال بأقوالهم لا يعتبر دليلاً قوياً.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام رحمه الله: فصل. قالوا: وقال أيضا: ﴿يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس﴾. فيقال: هذا مما لا ريب فيه، ولا حجة لكم فيه، بل هو حجة عليكم. فإن الله أيد المسيح عليه السلام بروح القدس، كما ذكر ذلك في هذه الآية. وقال تعالى في البقرة: ﴿وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس﴾. وقال تعالى: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس﴾. وهذا ليس مختصا بالمسيح، بل قد أيد غيره بذلك. وقد ذكرهم أنه قال لداود: «روحك القدس لا تنزع مني». وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت: «اللهم أيده بروح القدس». وفي لفظ: «روح القدس معك ما دمت تنافح عن نبيه». وكلا اللفظين في الصحيح. وعند النصارى: أن الحواريين حلت فيهم روح القدس، وكذلك عندهم روح القدس حلت في جميع الأنبياء. وقد قال تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون﴾ ﴿وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم ما ينزل قالوا إنما أنت مفتن بل أكثرهم لا يعلمون﴾ ﴿نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين﴾. وقد قال تعالى في موضع آخر: ﴿نزل به الروح الأمين على قلبك﴾. وقال: ﴿قل من كان عدو لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله﴾. فقد تبين أن روح القدس هنا جبريل. وقال تعالى: ﴿لا تجد قوم يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه﴾. وقال تعالى: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولأكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا﴾. وقال تعالى: ﴿ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون﴾. وقال: ﴿يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق﴾. فهذه الروح التي أوحاها، والتي تنزل بها الملائكة على من يشاء من عباده، غير الروح الأمين التي تنزل بالكتاب. وكلاهما يسمى روحا، وهما متلازمان. فالروح التي ينزل بها الملك مع الروح الأمين التي ينزل بها روح القدس، يراد بها هذا وهذا. وبكل القولين فسر المفسرون قوله في المسيح: ﴿وأيدناه بروح القدس﴾. ولم يقل أحد: إن المراد بذلك حياة الله. ولا اللفظ أدل على ذلك، ولا استعمل فيه. وهم إما أن يسلموا أن روح القدس في حق غيره ليس المراد بها حياة الله، فإذا ثبت أن لها معنى غير الحياة، فلو استعمل في حياة الله أيضا لم يتعين أن يراد بها ذلك في حق المسيح. فكيف ولم يستعمل في حياة الله في حق المسيح؟ ممسوحا ممسوحا. انتهى الكلام. وإما أن يدعوا أن المراد بها حياة الله في حق الأنبياء والحواريين. فإن قالوا ذلك، لزمهم أن يدعوا أن يكون اللاهوت حالا في جميع الأنبياء والحواريين. وحينئذ فلا فرق بين هؤلاء وبين المسيح. ويلزمهم أيضا أن يكون في المسيح لاهوتان: لهوت الكلمة ولهوت الروح. فيكون قد اتحد به أقنوما. ثم في قوله تعالى: ﴿وأيدناه بروح القدس﴾، يمتنع أن يراد بها حياة الله. فإن حياة الله صفة قائمة بذاته، لا تقوم بغيره، ولا تختص ببعض الموجودات غيره. وأما عندهم، فالمسيح هو الله الخالق، فكيف يؤيد بغيره؟ وأيضا فالمتحد بالمسيح والكلمة دون الحياة، فلا يصح تأييده بها. فتبين أنهم يريدون أن يحرفوا القرآن كما حرفوا غيره من الكتب المتقدمة. وأن كلامهم في تفسير المتشابه من الكتب الإلهية من جنس واحد. قال: فصل. قالوا: وقال أيضا: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾. فيقال لهم: وأي حجة لكم في هذا؟ وإنما هو حجة عليكم. فإنه قد ثبت أن الله كلم موسى تكليما. وكلام الله الذي سمعه منه موسى عليه السلام ليس هو المسيح. فعلم أن المسيح ليس هو كلام الله. وعندهم هو كلمة الله، وهو علم الله، وهو الله. ومعلوم أن كلام الله كثير، كالتوراة والإنجيل والقرآن وغير ذلك من كلامه. وليس المسيح شيئا من ذلك. والمسيح عندهم خالق. ولو كان المسيح نفس كلام الله لم يكن خالقا ولا معبودا. فإن كلام الله لم يخلق السماوات والأرض، ولا كلام الله الإله المعبود. بل كلامه كسائر صفاته مثل حياته وقدرته. ولا يقول أحد: يا علم الله اغفر لي، ولا يا كلام الله اغفر لي. وإنما يعبد ويدعى الإله الموصوف بالعلم، ويدعى الإله الموصوف بالعلم والقدرة والكلام الذي كلم به موسى تكليما. وهذا كذلك ظاهر. المقصود أن ادعاءهم أن الكلمة أو التكليم هو فيه إثبات الألوهية لعيسى بأنه حل فيه شيء من صفة الله أو هو صفة الله، هذا باطل. فإن الصفات لا تقوم إلا بالموصوف. وصفة الخالق للخالق، وصفة المخلوق للمخلوق. وما ذكره واضح وتقدم معناه. قال: فصل. قالوا: وقال أيضا في سورة التحريم: ﴿ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين﴾. فيقال: أما قوله تعالى: ﴿فنفخنا فيه من روحنا﴾. وقوله في سورة الأنبياء: ﴿والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين﴾. فهذا قد فسره قوله تعالى: ﴿فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا﴾. وفي القراءة الأخرى: «ليهب لك غلاما زكيا». فأخبر أنه رسوله وروحه، وأنه تمثل لها بشرا، وأنه ذكر أنه رسول الله إليها. فعلم أن روحه مخلوق مملوك له، ليس المراد حياته التي هي صفته سبحانه وتعالى. وكذلك قوله: ﴿فنفخنا فيها من روحنا﴾، وهو مثل قوله في آدم عليه السلام: ﴿فإذا سويت ونفخت فيه من روحي﴾. وقد شبه المسيح بآدم في قوله: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون﴾. والشبهة في هذا نشأت عند بعض الجهال من أن الإنسان إذا قال: روحي، فروحه في هذا الباب هي الروح التي في البدن، وهي عين قائمة بنفسها. وإن كان من الناس من يعني بها الحياة. والإنسان مؤلف من بدن وروح، وهي عين قائمة بنفسها عند سلف المسلمين وإمامهم وجماهير الأمم. والرب تعالى منزه عن هذا، وأنه ليس مركبا من بدن وروح، ولا يجوز أن يراد بروحه ما يريد الإنسان بقوله: روحي. بل تضاف إليه ملائكته وما ينزله على أنبيائه من الوحي والهدى والتأييد ونحو ذلك. هذا ظاهر تقدم كذلك معنا. قال: فصل في معنى القرآن كلام الله. قالوا: وسائر المسلمين يقولون: إن الكتاب كلام الله. وليكون كلاما إلا لحي ناطق. وهذه صفات جوهرية تجري مجرى الأسماء. وكل صفة منها غير الأخرى. فالإله واحد، خالق واحد، ورب واحد لا يتجزأ. فيقال لهم: أما قول المسلمين: إن الكتاب أي القرآن كلام الله، فهذا حق. والكلام لا يكون إلا للمتكلم. والمسلمون يقولون: إن الله حي متكلم، وإنه تكلم بالتوراة والإنجيل والقرآن وغير ذلك من كلامه. والقرآن قد أخبر بكلام الله في مواضع كثيرة. وهل يسمى ناطقا، وكلامه نطقا؟ فيه نزاع. فبعض المسلمين يجيزه، وبعضهم يمنع منه لكونه لم يرد به الشرع. وليس في التوراة والإنجيل والزبور تسمية الله ناطقا. بخلاف لفظ القول والكلام. وقد تنازع المسلمون بعد ظهور البدع فيهم، كما تنازع أهل الكتاب في كلام الله: هل هو قائم به أو مخلوق منفصل عنه؟ والذي عليه سلف الأمة وإمامها وجمهورها: أن كلام الله قائم به. وكذلك سائر ما يوصف به من الحياة والقدرة وغير ذلك. وأحدث قوم منهم بعد انقراض الصحابة وأكابر التابعين، بعد أكثر من مئة سنة من موت النبي صلى الله عليه وسلم: أنه مخلوق خلقه في غيره. وشاركهم في هذه البدع كثير من اليهود والنصارى. وظهرت هذه المقالة بعد المئة الثانية. وانتصر لها قوم من الولاة وغيرهم. ثم أطفأها الله بمن أقامه الله من أئمة الإسلام والسنة الذين بينوا فسادها، وبينوا ما اتفق عليه السلف من أن كلام الله منزل منه، غير مخلوق. بل منه بدأ، لم يبتدئ من شيء من المخلوقات. ومع هذا فلم يقل أحد من المسلمين: إن كلام الله يكون إلها ولا ربا. وكذلك حياته، لم يقل أحد منهم: إن حياته تكون إلها ولا ربا. لأنه مسام للرب تعالى في الجوهر. وهذا كذلك ظاهر. ومرة معنا: ما المراد بالجوهر؟ فهم يريدون كذبا وزورا وتدليسا استغلال بعض كلام المناطقة: هل علم المنطق من المسلمين أن يصلوا به إلى إثبات أن الصفات تقوم بنفسها؟ وهذا باطل. فالصفات لا تقوم بنفسها. فالصفة لا تقوم إلا بالموصوف. وأوضح الشيخ الإسلام بما بينه: أن هذه العبارة أولا ليست صريحة تؤيد النصارى على ما يريدون. وثانيا: هذه العبارة هي من قول من ضل من المسلمين، مما لا يصح الاستدلال به. كما أن عند النصارى كذلك أناس ضلوا، ولا يستدل بكلامهم عندهم. وكذلك عند المسلمين، فلا حجة إذن بمثل هذا الكلام. وصار هذا المعنى فاسدا من جهة الاستدلال به أولا، ومن جهة موافقته لما يريدون ثانيا. فهو ليس صريحا حتى بموافقتهم. ولو وافقهم، لا كان من جنس استدلال أهل الشر بعضهم ببعض. وأهل الشر ليس حجة على أهل الخير. ومثل أهل الضلال ليس حجة على أهل الهدى.