شرح مختصر شعب الإيمان 41

شرح مختصر شعب الإيمان 41

الدرس في شرح مختصر شعب الإيمان 41، 75-رحم الصغير وتوقير الكبير . 76-إصلاح ذات البين . 77-أن يحب الرجل لأخيه المسلم ما يحب لنفسه ويكره له ما يكره لنفسه. ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في آداب التعامل بين المسلمين

يتناول أهمية رحمة الصغير وتوقير الكبير في الإسلام، مع توضيح أن هذه القيم يجب أن تكون منضبطة بالشرع. يشير إلى بعض الأحاديث النبوية التي تؤكد على هذه القيم.

آداب المجلس وإصلاح ذات البين

يناقش النهي عن الغلو في النبي صلى الله عليه وسلم، ويوضح أهمية تقديم الأكبر في المجلس. يشدد على أهمية إصلاح ذات البين بين المسلمين باعتباره من أعظم الأعمال الصالحة.

مظاهر شعب الإيمان والتعامل مع الآخرين

يشرح بعض مظاهر شعب الإيمان مثل إماطة الأذى عن الطريق والنصح للمسلمين. يوضح أيضًا مواضع يجوز فيها الكذب للضرورة مثل الإصلاح بين الناس والحرب والتعامل بين الزوجين.

خاتمة وتبرئة

المؤلف يبرئ نفسه من الخطأ ويعزو الصواب لله، ويستغفر الله ويصلي على النبي محمد، خاتمًا بذلك درسه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «رحم الصغير وتوقير الكبير»، أي ومن شعب الإيمان رحمة الصغير وتوقير الكبير، إذ الإيمان بضع وستون شعبة، يزيد بزيادة شعبه وينقص بنقصان شعبه. ومن شعب الإيمان التي أمرنا بها في ديننا رحمة الصغير وتوقير الكبير. وهذه الرحمة منضبطة بالشرع، فلا رحمة التي تطغي، ولا كذلك حرص وتأديب يكون فيه البغي، ولكن المطلوب رحمة منضبطة ضبطة بالشرع. وهكذا توقير الكبير ليس بتوقير يفرط إلى الغلو، ولا كذلك عدل مطلوب أو مقصود يفضي إلى قلة الاحترام ونقصان الحق، فهو منضبط كذلك بالشرع. والمراد بالصغير والكبير كلا المعنيين: الحسي والمعنوي، الصغر في السن من الصغير، وصغر المنزلة والمرتبة كذلك من الصغير. فالغني يرحم الفقير، ومالك العمل يرحم العامل، كما أن الكبير في السن يرحم الصغير في السن. وهكذا كذلك الكبير المراد به حسا ومعنا. فالصغير يوقر الكبير الذي هو أكبر منه سنا، وكذلك يوقر من هو أعلى منه مرتبة، فيوقر العالم، ويوقر كذلك ولي الأمر، ويوقر كذلك من تعمل عنده. فهذا من الآداب والأخلاق التي أمر بها ديننا، يتبادل المجتمع المسلم الأخلاق الكريمة، هذا برحمته، وهذا بتوقيره. قال رحمه الله تعالى: لحديث جرير بن عبد الله في صحيح مسلم: «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله»، لا يرحمه الله تعالى. وفي هذا الحديث الأمر برحمة الناس والنهي عن عدم رحمتهم، فهذا خبر أريد به الإنشاء، خبر أريد به الإنشاء، فهو أبلغ من الإنشاء، إذ يتضمن النهي والزيادة. وقوله: «لا يرحمه الله تعالى» معناه في مواضع الرحمة التي يحتاجها في الدنيا وفي الآخرة. أنت تصاب بمصائب تحتاج إلى رحمة الله عز وجل، تذكر في ذاك الوقت هل مر بك شيء من مواضع الرحمة فلم ترحم مسكينا أو لم ترحم صغيرا أو لم ترحم من يحتاج إلى رحمة؟ فإن حرمت رحمة الله فلعلك قد فعلت شيئا حرمك هذه الرحمة. فمن أسباب الرحمة، من أسباب رحمة الله رحمة الناس. وفي الحديث الآخر: حديث عبد الله بن عمر: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»، وهذا عام يشمل رحمة الناس والدواب وغير ذلك. فمن حرص على الرحمة رحمه الله سبحانه وتعالى. ولهذا كذلك من هذا المعنى ما ذكره العلماء وصحت به الآثار من أن من أسباب الوقاية من مصارع السوء تأدية معاني الرحمة في مواضعها، فإنها تقل إنسان مصارع السوء. قال وحديث أبي هريرة رضي الله عنه بالصحيحين: «جعل الله الرحمة مئة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا، وأنزل في الأرض جزءا واحدا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلائق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه». ومعناه أن رحمة الله أوسع من رحمة الخلق. فليحرص الإنسان على الرحمة حتى لا يحرم رحمة الله في الدنيا كما تقدم في مواضع يحتاجها، وهكذا كذلك في الآخرة، وهي ممتنعة عما حرمها في الدنيا. فهذه الأجزاء المدخرة: تسعة وتسعين جزءا، هي لمن يرحم الناس في الدنيا. «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، من لا يرحم الناس لا يرحمه الله». قال وحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في سنن أبي داود ومسلم: «من لم يرحم صغيرنا ولم يعرف حق كبيرنا فليس منا»، ولم يعرف حق كبيرنا فليس منا. وروينا في الصحاح في حديث القسامة: «كبر الكبرى أو الكبرى الكبرى أن يتكلم أكبركم»، وفي حديث الإمامة: «وليأمكم أكبركم»، يعني هذه مواضع من مواضع التكبير والتوقير. وهذه الأحاديث تدل على ما تقدم من الأمر أولا برحمة الصغير وأداء حق الكبير. وفي قوله: «ولم يعرف حق كبيرنا» فيه إشارة إلى أن هذا الحق يختلف، فحق العالم ليس كحق ولي الأمر، ليس كحق رب العمل، ليس كحق الوالد، ليس كحق الأخ الأكبر، كل واحد له حق بحسبه. وهذا الحق وسط لا إفراط ولا تفريط. فليس من الحق الطاعة في معصية الله، وإنما الطاعة في ماذا؟ في المعروف. وهكذا ليس من الحق الغلو حتى أفضى بعض الناس طلبا لهذا الحق -كما يزعمون- إلى الغلو في بعض من له معنى الكبير، سواء من كبر نسبه كآل البيت، أو كثر علمه كالعلماء، أو ظن به الصلاح كالعباد. فغلا بهم بعض من الناس حتى أفضى ذلك -والعياذ بالله- إلى عبادتهم مع الله سبحانه وتعالى، وهذا من الشرك. ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغلو. بل ربنا سبحانه وتعالى كما قال جل وعلا: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾. فلا يجوز لأحد أن يسلك مسلك أهل الكتاب في الغلو، كما قالت اليهود: «عزير بن الله»، وما قالت النصارى: «المسيح بن الله». ولما قالوا للنبي عليه الصلاة والسلام: «يا سيدنا وابن سيدنا وابن سيدنا»، قال: «وقد نهاهم عن ذلك»، قال: «لا يستهوينكم الشيطان»، وأمرهم أن يقولوا بقولهم من قبل، يعني: «يا نبي الله، يا رسول الله». وفي الصحيح من حديث عمر رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام: «لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح بن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله»، يعني: لا تغلوا في. فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن الغلو فيه، فكيف بمن دونه؟ كهذه الأشعار التي اشتهرت عند المتصوفة عباد القبور من الغلو في صالحيهم ورفعهم إلى منزلة أعظم من منزلة الأنبياء، بل نزلوهم منزلة كمنزلة الله -والعياذ بالله- كقول بعضهم: غار يعيد روس في عجل لا تمهلي. الغلو جعلهم يستغيثون بهؤلاء الصالحين -إن كانوا صالحين- وإلا الكثير من صالحيهم بين سحرة وكهنة ومشعودين وتاركي صلاة وفاعلي للمعاصي، بحجة أنهم بلغوا منزلة الولاية، فتركوا هذه التشريعات على قولهم أنهم بلغوا منزلة اليقين. وهذا من كذبهم وعدم فهمهم لدين الله، فاليقين هو الموت: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ أي الموت. ثم ذكر الحديثين الأخيرين، وفيهما أن من مواضع التكبير والتوقير أن يتكلم الكبير في المجلس. فإذا كان في المجلس كبار وصغار، فمن الأدب أن لا يتكلم الصغير في حضرة الكبير، كأدب عبد الله بن عمر حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم ذلكم السؤال في الشجرة التي تشبه المؤمن، فلم يجب الكبار، ومع ذلك من أدبه ومن توقيره لمن أكبر منه لم يتكلم رضي الله عنه. أرضاه، هذا من الأدب أن لا يتكلم الصغير في حضرة الكبير، فضلا أن يتقدم بين يديه. ومن باب أولى ما كان بمعناه أو أولى منه مثل الأكل والشرب. إذا كان عندك شيء تريد تقدمه تبدأ بالكبير، تكبر ثم تيمن، كبر ثم تيمن. جئت مثلا بشراب مجلس فيه كبار وصغار، تبدأ أكبر من في المجلس ثم عن يمينه، هذا الأدب نقدم الكبير ثم من عن يمينه، كبر كبر. وهكذا كذلك في الإمامة يأم القوم أقرأهم لكتاب الله، الأقرأ هو الأكبر هنا، ليس المراد بالأكبر أكبر السن، ولكن المراد الأكبر علما. فإذا استووا في العلم فالأكبر سنا، إذا استووا في العلم فالأكبر سنا. وليس المقصود حفظ القرآن مع عدم العلم، بل حفظ القرآن مع العلم. ولذلك إذا كان هناك حافظ القرآن لكن ليس عنده فقه، ويوجد من هو أعلم منه، فيقدم الأعلم، يقدم الأعلم لأن المقصود بالإمامة ليست القراءة فقط، بل للإمامة أحكاما. لابد وبه نعرف كذلك خطأ بعض الناس إذ يقدمون باعتبار الصوت، يتتبعون أحسنهم صوتا، وهذا خطأ لأن المسألة مسألة شرعية، ليست مسألة عواطف. فلذلك يقدم الأعلم، فإن استووا في العلم فلا بأس أن يقدم الذي هو أحسن صوتا، أما إذا لم يستووا في العلم فيقدم الأعلم، فيقدم الأعلم. وهكذا قل في كل موضع يحتاج فيه إلى معنى التقديم للأكبر، فموضعه كثيرة، هذا بعض هذه المواضع. قال رحمه الله تعالى: «إصلاح ذات البين» لقوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ أي بين كل اثنين منكم. ولحديث أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط رضي الله عنها في الصحيحين: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فيقول خيرا وينمي خيرا»، قالت: «ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس كذبا إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها». كذلك من مواضع شعب الإيمان إصلاح ذات البين، فإن هذا مما أمر الله عز وجل مما أمر به المؤمنين. ولهذا استخدم أسلوب الحصر في هذا المعنى بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ أي من لوازم الإيمان المحافظة على الأخوة والحرص على دفع ما يفسدها، ومن باب أولى إصلاحها إذا وقع شيء يحتاج الإصلاح. وفي مقابل هذا من لم يحرص على هذا ففي إيمانه ضعف ونقص، لأن المؤمن لا يرضى بالنقص والضعف لأهل الإيمان، فهو يحب الاجتماع، فهو يحب الاجتماع وبقاء الأخوة. وأما المنافق والكافر فهو الذي يحب تفرق المؤمنين. فمن أحب تفرقهم ورضي به ففيه شعب من النفاق، وأعظم من هذا إذا كان هو الذي يفرق، فهذا أشد. والأدلة الآمرة بالاعتصام والاجتماع كثيرة، قال سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعِّنًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾. وغير ذلك من الأدلة في هذا الباب. والآية الأولى في سورة النساء تدل على أن هذا العمل من أصلح الأعمال وأعظمها خيرا. وكما قال الإمام ابن القيم رحمه الله في تفسير هذه الآية: أن الأعمال الصالحة في هذه الآية رتبت ترتيبا تصاعديا، بدأ بالأدنى وانتهى بالأعلى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾. فدل على أن الإصلاح بين الناس أعظم هذه الأعمال الصالحة الثلاثة. وفي الحصر بها إشارة إلى أنها من أعظم الأعمال التي يجب أن يعتني بها أهل الإسلام، فالخطاب للمسلمين: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾. وفيه دليل كذلك على جواز المناجاة في الإصلاح والسر به. واستنبط منه بعض أهل العلم جواز إخفاء بعض الحق من أجل الإصلاح، لأنه ذكر على وجه المناجاة. وقد جاء صريحا في السنة في جواز الكذب في هذا الموضع. والمراد بالكذب ها هنا ليس الكذب الصريح، وإنما المعاريض الذي فيه مندوحة عن الكذب. كأن تقول تريد أن تصلح بين اثنين أو طائفتين: «والله إنهم يذكرونكم بخير»، ويذكرونكم بخير، أو يذكرك بخير، وتريد بذلك شيئا كان قد سبق من قبل، فهذا لا بأس به، وهو من المعاريض الذي فيه مندوحة عن الكذب. أو كذلك تأتي بهدية فتقول: «هذه من فلان»، وتنوي بها أنك تخبره فيما بعد، أو نحو ذلك من المعاريض التي يكون بها الإصلاح، وهي تغني عن الكذب الصريح. وأما الكذب الصريح فلا يجوز للمسلم أن يفعله. ثم ذكر في هذا الحديث ثلاثة مواضع أجيز فيها الكذب، والمراد به المعاريض. ففي الحرب تجوز الخدعة، فالحرب خدعة، كما صح من غير وجه عن النبي عليه الصلاة والسلام. فيوهم أنه يذهب إلى الشرق وهو يريد الغرب، يوهم أنه يذهب يلاقي فلانا وهو يريد فلانا آخر، يوهم أنه سيخرج مئة وهو سيخرج خمسين، يوهم أنهم يباتون في هذا المكان ثم ينتقلون، ويغير الرأي بعد أن ينتشر الخبر أنهم يباتون، ونحو ذلك مما فيه مصلحة الجيش وسلامته وطلب النصر له. وهكذا الإصلاح بين الناس كما تقدم. وحديث الرجل امرأته والعكس، لأن فيه كذلك أمر الحفاظ على هذه الأسرة. قد يصيب المرأة شيء، وقد يصيب الرجل شيء، فينبغي أن يكون هناك ما يكون به الإصلاح، لكن بالمعاريض كما تقدم، وبغير إسراف. لأن المرأة إذا أسرفت صار كذابا لا يصدق قوله. وهكذا كذلك المرأة إذا أسرفت مع زوجها صارت كذابة لا يصدق قولها. لكن الأصل هو الصدق والصراحة وعدم الكتمان، بهذا تدوم الحياة الزوجية. فإن احتاج الأمر إلى معاريض من أجل الإصلاح فلا بأس. ومن شرط المعاريض حصول الإصلاح، للإفساد لا يجوز. المرأة أن تخفي أمرا عن الأب من باب المعاريض فتفسد. الأولاد قاموا الأولاد يصلون أو قاموا البنات يصلون، نعم صلوا وهم ما صلوا، تقول: يريد لا يضربهم ولا يصيح عليهم، ثم يصلون بعد الإشراق، هل يجوز لها مثل هذا؟ لا يجوز لها مثل هذا. وهكذا كذلك الزوج مع المرأة، لا يجوز له أن يتساهل في شيء أمره الله به، بل الواجب العدل في هذا الباب بميزان الشرع. قال رحمه الله تعالى: «أن يحب الرجل لأخيه المسلم ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه». ويدخل في إماطة الأذى عن الطريق، المشار إليه بحديث أبي هريرة رضي الله عنه بالصحيحين: «الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، أفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». وحديث أنس في صحيح البخاري: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». وحديث جرير بن عبد الله في الصحيحين: «بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم». كذلك من شعب الإيمان أن يحب الرجل المسلم -وكذا المرأة المسلمة- لنفسه ولنفسها يحب للمسلمين ما يحب لنفسه أو تحبه لنفسها. وهكذا كذلك يكره لهم ما يكره لنفسه. والدليل حديث أنس الذي أشار إليه، فنفى الإيمان عما لا يكون كذلك، فدل على أن المؤمن الصادق لا يكون أنانيا. فالأناني في شعبة من شعب النفاق، الذي يريد لنفسه أكثر من الناس، هذا في إيمانه دخن. المؤمن الصادق ليس فقط يحب لنفسه، يحب للناس ما يحب لنفسه، ويكره للناس ما يكره لنفسه، بل أعظم من هذا، هذا حد العدل. وإلا الفضل أعلى من هذا: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. هذا هو خلق المؤمن الكامل. أما العدل فهو أن لا تحب لهم إلا ما تحب لنفسك، وتكره لهم ما تكره لنفسك، هذا العدل. إذا نقصت عن هذا فأنت عاصي، وأنت ناقص الإيمان، وأنت فيك شعب من شعب النفاق. وأما إذا أردت كمال الإيمان فهو الآية الأخرى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ مثل الضيف، الضيف تكرمه على حساب ماذا؟ طعامك وطعام أهلك، طاعة لله وحبا له، لأن الضيف الذي يأتيك يأتيك وبينكم من المودة والحب ما اقتضى أن يخصك دون الناس. وهكذا كذلك أنت تخصه بالإكرام دون الناس. وهكذا كذلك المؤمنون بعضهم مع بعض، لقوة الإيمان في القلب يكون من الإكرام في الجوارح بالقول والفعل ما يبرهن هذا الإيمان الذي في القلب. فلذلك أنت تدفع عن المسلمين كل سوء كأنك تفعل هذا لنفسك. ومنه إماطة الأذى عن الطريق، إماطة الأذى عن الطريق تفعله بباعث هذا الحب الذي في القلب، وهذا الإيمان. فمن شعب الإيمان إماطة الأذى عن الطريق كما ذكر. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا شكر الله له بشكر الناس له حين أبعد شوكا من طريق الناس أو شجرة تؤذيهم، فأدخله الله عز وجل بذلك الجنة. فكذلك ينبغي أن يكون خلق المسلم الذي يريد أن يكمل خصال الإيمان في نفسه. ومن ذلك أنك كذلك تنصح لهم كما ذكر بحديث جرير بن عبد الله. فإن مكتب هذا الحب أنك تدفع عنهم كل سوء، وتوصل إليهم كل خير وبر، لأنك تحب ذلك لنفسك، فكذلك أحبه للناس. فإذا أديت هذا فأنت بإذن الله قد حققت هذه الشعبة من شعب الإيمان. وفي الحقيقة المؤمن يدفعه إيمانه لفعل ذلك ولو لم ترده الأدلة، لو لم ترده الأدلة لأن هذا في الفطر مغروس، والأدلة تقوم بها الحجة وتزيد كذلك في التوضيح. وإلا فإن الصادق في إيمانه يجد هذا في قرارة نفسه، يجد هذا في قرارة نفسه. هذا خلاصة ما يذكر في هذه الشعب. وإلى هنا والله تعالى أعلم. وما كان من صواب فيما سبق من تعليقات فهو من الله، وما كان من خطأ فمنه من الشيطان، واستغفر الله العظيم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.