شرح مختصر شعب الإيمان 26

شرح مختصر شعب الإيمان 26

الدرس في شرح مختصر شعب الإيمان 26، 44-تحريم أعراض الناس وما يجب من ترك الوقيعة فيها . 45-إخلاص العمل لله عز وجل وترك الرياء . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحريم الخوض في الأعراض وخطورة الرياء

يبدأ الدرس بتحريم الخوض في أعراض الناس وخطورة ذلك مستندًا إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. يشدد على أهمية الإخلاص في العمل وترك الرياء والعجب.

أهمية الإخلاص وآثاره

يؤكد الدرس على أهمية الإخلاص في العمل وترك الرياء، مستشهدًا بآيات قرآنية وأحاديث نبوية. يشير إلى أن الإخلاص يعني عدم الرغبة في مدح الناس وأن الرياء يؤدي إلى الفضيحة يوم القيامة.

خطورة الرياء والتعايش بالدين

يناقش الدرس خطورة التعايش بالدين والرياء، ويحذر من أكل الدنيا بدينه أو إصلاح دنيا الغير بفساد دين النفس. يشدد على أهمية الإخلاص في الأعمال وعدم التظاهر بالصلاح.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: تحريم أعراض الناس وما يجب من ترك الوقيعة فيها، يعني ومن شعب الإيمان ما يجب من ترك الوقوع في الأعراض. فإن هذا موضعا من مواضع الإيمان، قال: لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، وغير ذلك من الآيات والأخبار الكثيرة. ولحديث أبي هريرة في صحيح مسلم: «المسلم أخو المسلم، لا يسلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ها هنا»، ويشير إلى صدره ثلاث مرات، «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه». وحديث أبي ذر رضي الله عنه في الصحيح: «لا يرمي رجل رجلًا بالفسق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك». فهذه الأحاديث وغيرها كثير قد شار أن في الباب عن عدد من الصحابة في هذا المعنى، تدل على حرمة أعراض المسلمين. ويعظم الأمر إذا كان ذلك بالرمي بالفحش، ويزداد الأمر عظما إذا كان في حق المحصنة المؤمنة الغافلة، كما في الآية والحديث: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. واللعن: وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ. وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين: «اجتنبوا السبع الموبقات»، قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: «الإشراك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله بغير حق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات». فقذف المحصنات المؤمنات الغافلات من السبع الموبقات التي يوبق أصحابها في نار جهنم، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ. فلا يجوز للمسلم أن يخدش إيمانه ويوقع نفسه في غضب الله ولعنته بالوقوع في مثل هذا الذنب العظيم. والكلام في الأعراض عموما لا يجوز. فمن التعرض لأعراض الناس: الطعن في أماناتهم، والطعن كذلك في صدقهم، والطعن كذلك في عفتهم، وهذا أعظم الطعن، وغير ذلك من الطعن فيهم. فكله من الأعراض. وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك في حجة الوداع، شدد التحذير حتى كرر ذلك في مواضع في يوم عرفة ويوم النحر. كرر النبي صلى الله عليه وسلم: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا». وقرر النبي صلى الله عليه وسلم، وقرر النبي صلى الله عليه وسلم بين الدماء والأموال والأعراض، تأكيدا على عظم الاعتداء في هذه الخصال الثلاث. فلا يجوز للمسلم أن يعتدي على أعراض المسلمين، بل لا يجوز إساءة الظن فيها. فالظن السيء في أعراض المسلمين معصية. قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم، حديث أبي هريرة: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث». وقال ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِ إِثْمٌ﴾. فإن من الظن ما يكون إثما، فلا يجوز أن يسيء المسلم بإخوانه المسلمين الظن. فكيف إذا تعدى هذا إلى كلام يتكلم به بلسانه؟ فهذا أشد. إذا كان الظن السيء ذنب، فكيف بالكلام السيء؟ فهو أشد ذنبا. بل رب كلمة يقولها تهوي به في نار جهنم سبعين خريفا. ففي حديث أبي هريرة في الصحيحين: «إن العبد ليتكلم الكلمة ما يتبين فيها تهوي به في نار جهنم أبعد ما بين المشرق والمغرب». فإذا كان هذا فيما لم يتثبت فيه تهوي به في نار جهنم، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، أبعد ما بين المشرق والمغرب. ربما تطعن في أمانته، تطعن في صدقه، تطعن في عفته، ونحو ذلك، وأنت غير متثبت، غير متبين. ويهوي بكذلك في نار جهنم أبعد ما بين المشرق والمغرب. فكيف إذا قد علمت أنك كاذب، وأنه ليس لك عند الله حجة إذا أتي بك يوم القيامة وقوهت بين يديه؟ ومن ذلك أن تنقل الكذب، أو تنقل ما لا دليل عليه. فإنه من إشاعة الفاحشة. وهذا هو قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. وقد جلد جماعة في قصة الإفك لأجل نقلهم للخبر، مع أنهم لم يبتدئوه. فلا يجوز نقل الأخبار التي فيها طعن في أعراض المسلمين. لو قال إنسان: فلان كذاب، أو فلان خائن، أو فلان كذا وكذا، سمعت ذلك. لا يجوز لك أن تنقله. نقلك إياه إشاعة للفاحشة، فهو إثم يستوجب عذاب الله في الدنيا وفي الآخرة. في الدنيا بالتعزير بالجلد وغيره، وفي الآخرة بما يكون من غضب الله وعقابه. والذي قد يكون منه كما جاء في حديث أبي هريرة: أن يهوي بك في نار جهنم، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، أبعد من المشرق والمغرب. وكلما كان ذلك في حق أهل الصلاح وأهل الاستقامة، كان ذلك أدعى لمضاعفة الذنب. فكما أن الطعن في المؤمنة المحصنة الغافلة يوجب لعنة الله، فكذلك إذا كان في حق من عنده زيادة وصف يقتضي زيادة التورع معه، كالعلماء، وكذلك الصالحين، ونحوهم ممن يجب الإحسان إليهم. وأنت تستعجل عن هذا الإحسان بهذه الإساءة. بل ربما تتحمل وزرا إذا كان في ذلك تنفير عن دين الله عز وجل. ولهذا كان الطعن في العلماء من أعظم الطعن، وهو من أعظم الذنب، حتى جعل بعض أهل العلم أن ذلك ردة. فقد ذكر في بعض كتب الفقه أن من مواضع الردة: تنقص العلماء لعلمهم، أي إذا طعنت في العالم لعلمه لا لشخصه، فإن ذلك يعد ردة ومكفرا، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ. فلذلك يجب الحذر من هذا الباب. فلو علمت كم من الآثام تتحمل إذا نفرت عن دين الله الناس عن حملة هذا العلم. ولهذا يحرص أعداء هذا الدين دائما على الطعن في من في العلماء لعلمهم أن الطعن في العلماء تنفير للناس عن دين الله. فإذا افتقد الناس ثقتهم بعلمائهم، ماذا يثمر ذلك؟ يثمر ضياعهم عن دين الله. ضياعهم عن دين الله، إذ يتخذون رؤوسا جهالا يضلونهم ويفتنونهم. ولهذا يحرص أعداء هذا الدين دائما وأبدا على إيجاد الطعن في العلماء حتى ينفر الناس عن دين الله عز وجل بتنفيرهم عن حملة هذا الدين الصادقين. تارة يرمونهم بالعمالة، وتارة يرمونهم بحب الدنيا، وتارة يرمونهم بالخيانة، وغير ذلك. ثم يحيلونهم إلى علماء السوء والضلال الذين هم أحق بالخيانة والعمالة والرغبة في الدنيا. ويجب على المسلم أن يتق الله عز وجل ويحفظ لسانه. وقد تقدم معنا شيء من ذلك. قال رحمه الله تعالى: وفي حديث أبي هريرة: «المسلم أخو المسلم، لا يسلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ها هنا»، ويشير إلى صدره ثلاث مرات، تأكيد أن مما ينافي الإسلام: خذلان المسلم، واحتقاره، وتنقصه. وإسلامه: تركه في موضع النصرة. وقول: «التقوى ها هنا» يعني: القلب. فإذا صلح القلب صلح العمل، وإذا فسد العمل دل ذلك على فساد القلب. وينبغي للمسلم أن يحرص على تقوى الله، أي أن يجعل بينه وبين غضب الله وقاية، بإصلاح قلبه وإصلاح أعماله في جوارحه. وذكر احتقار المسلم وكرره: «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم». وهنا قال: «ولا يحقره»، لأن ذلك من الأسباب التي يكون بها البغي. كونك تستنقص أخاك المسلم يفضي ذلك إلى الاعتداء عليه والتعدي على حقوقه. وفي حديث أبي ذر: التحذير من التفسيق والتكفير، وأن من وقع في ذلك حار عليه إن لم يكن في صاحبه ما يقول. وهل في هذا دليل على جواز الرمي بمثل هذا إن كان فيه ما يستحق ذلك؟ الجواب في هذا تفصيل. الأصل إغلاق هذا الباب وعدم التساهل، وكذلك التجرؤ عليه. ويجوز في أحوال ضيقة أن يكون ذلك كما نص العلماء عليها. فمن ذلك: عند الفتوى، وعند التظلم، وكذلك إن كان من العالم ونحوه للتبيين أو نحو ذلك مما يجيز الشرع مثله. قال رحمه الله تعالى: إخلاص العمل لله عز وجل وترك الرياء، يعني ومن شعب الإيمان: الحرص على الإخلاص وترك كل ما ينافيه مما ينافي الإخلاص، كالرياء وهو الإشراك بالناس، والعجب وهو الإشراك بالنفس. قال: لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. ولحديث أبي هريرة في صحيح مسلم، قال الله عز وجل: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل لي عملا أشرك فيه معي غيري فأنا منه بريء وهو للذي أشرك». ولحديث جندب رضي الله عنه في الصحيحين: «من سمع سمع الله به، ومن يرائي يرائي الله به». ذكر رحمه الله من شعب الإيمان: الإخلاص وترك ما ينافيه، أي من الرياء والعجب ونحوهما. ثم ذكر الآيات والأحاديث في هذا الباب. الآية الأولى في سورة البينة: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾. علم به أن من أعظم ما أمر الله به: عبادة الله وإخلاص الدين له. ومن إخلاص الدين: ترك الرياء والعجب، والذي هو من معاني الشرك. فكما نهى عن الشرك الأكبر، نهى عن الشرك الأصغر، ومنه الرياء، ومنه العجب. والفرق بين الرياء والعجب: أن الرياء الإشراك بالناس، والعجب الإشراك بالنفس. ثم ذكر آية الشورى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾. وفي هذا بيان اختلاف نيات الناس في حرثهم. والمقصود من هذا أن يخلص الإنسان في سعيه إلى ربه سبحانه وتعالى وعمله، حتى لا يحرم أجر ونصيب عمله في الدنيا والآخرة. فأنت إذا لم تخلص حرمك الله خير عملك في الدنيا والآخرة. وإذا أخلصت أعطاك الله فضل عملك في الدنيا والآخرة. في الدنيا بما يكون من إحسان الله إليك، وفي الآخرة بما يكون من لطفه وعفوه وعظيم فضله. ويوضح ذلك الآية التي بعدها في سورة هود: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾. ومن تلك التوفية: التوفية التعجيل لهذا العمل. يعجل ثمرته بالدنيا. تريد ثناء الناس أثنى الناس عليك، فماذا كسبت؟ لا شيء. لا شيء من فضل الله في الدنيا، فضلا عن الآخرة. بل على العكس عند أهل الصدق: أنت مفضوح. تريد ثناء الناس فأثنى الناس عليك، فكان ماذا؟ كان أن علم أنك إنما تريد الدنيا. وأما من يريد الآخرة فهو لا يحرص على ذلك. فربما لا يثن الناس عليه ابتداء، ولكنهم يثنون عليه انتهاء. وكما قيل: ليس الشأن كل الشأن بنقص البدايات، ولكن بكمال النهايات. فكونك تكون على نهاية حسنة يكون فيها فضل الله عليك وإرضاء الناس لك، هذا خير لك. فمن أرضى الناس بصفح الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس. ومن أرضى الله ولو بصفح الناس رضي الله عنه وأرضى له الناس. وهذا مجرب. ثم الآخرة ماذا؟ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ لأجل هذا الشرك وهذه النية السيئة. ﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. أعمالهم محبطة. حتى لو عمل خيرا كثيرا أحبط الله عمله. وباطل ما كانوا يعملون بنيت مسجد وأردت ثناء الناس، عملت لوحة كبيرة. بني على نفقة الشيخ فلان ابن فلان ابن فلان. طيب ماذا كسبت؟ ماذا حصلت؟ قال الناس ما شاء الله هذا المسجد بناه فلان ابن فلان. خلاص تعجلت أجرك وحرمت نفسك. إن كان هذا بغير جهل، وكان معه سوء قصد ونية ليس فيها إخلاص. فإنك تنتظر عند الله قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وعند أحمد وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: في أول من تسعر بهم النار ثلاثة. منهم متصدق تصدق بصدقة، لكن لم يرد بذلك ما عند الله. إنما أراد الدنيا. فلذلك هو من أول من تسعر بهم النار. فينبغي الحذر من هذا والحرص على الإخلاص والصدق وعدم الرياء والعجب. بل اعمل العمل وانتقص هذا العمل. كما قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. تحسن وتخاف عدم القبول. وكما روي عن علي رضي الله عنه: «لأنا لقبول العمل أشد من الإحسان فيه». ألم تسمع إلى قول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾؟ فلا تفرح بكونك وفقت للعمل الصالح. فأنت لا تدري بعد توفيقك للعمل الصالح هل عملك مقبول؟ لأن الله إنما يتقبل من المتقين. إذن احرص على أمرين: إصلاح العمل والحرص على قبوله. ومن الحرص على قبوله: الاجتهاد في كونه خالصا لوجه سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. كذلك الذي صدق في إرادة ما عند الله، فعليه أن لا يخدش عمله الصالح بشرك سواء أكبر أو أصغر. ثم ذكر حديث أبي هريرة: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك». عن النبي عليه الصلاة والسلام عن الله عز وجل. هذا الحديث القدسي العظيم. فإن من عمل عملا لغير الله عز وجل يتبرأ منه وتركه وشركه. يعني لم يقبل منه العمل. مع ما ينتظره من عذاب الله والفضيحة في الآخرة. ويوضحه حديث جندب: «من سمع سمع الله به، ومن يرائي يرائي الله به». يعني يفضحه يوم القيامة. فهو ظن أنه على ستر، وإذا به يفضح يوم القيامة أمام الخلائق جميعا. فيقال: فلان ابن فلان الذي فعل كذا وكذا، إنما فعله ليس لله وإنما للناس. فضيحة أمام الخلائق جميعا. ورأى بعمله بالدنيا كذلك يوم القيامة. يظهر ويجهر أمره. حتى تكون له الفضيحة مع ما ينتظره من العذاب. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قال رحمه الله: أن باني البيهقي بإسناده: أن أبا عمرو قد سئل عن الإخلاص، فقال: «الخالص من الأعمال ما لا يحب أن يحمده عليه إلا الله عز وجل». هذا من علامات الإخلاص. من علامات الإخلاص: أن لا يحب المخلص أن يحمده أحد على عمله إلا الله عز وجل. ولذلك إذا أحسن الإنسان فمن إحسانه إذا شكر اعتذر. إذا شكر اعتذر. قال: «جزاك الله خير، فعلت كذا وكذا». يقول: «استغفر الله، والله إننا مقصرون، ونسأل الله أن يعيننا على إصلاح أنفسنا وإصلاح أعمالنا، وأن يتقبل منا». أو هذا واجب علينا. ونحو ذلك مما فيه الفرار من ثناء الناس ومن تزكية الناس. قالوا عن سهل بن عبد الله: «لا يعرف الرياء إلا مخلص، ولا النفاق إلا مؤمن، ولا الجهل إلا عالم، ولا المعصية إلا مطيع». ومعناه: أن بالضد تعرف الأشياء. ومن لم يعرف الإخلاص لم يعرف الرياء. ومن لم يعرف الإيمان لم يعرف النفاق. ومن لم يعرف العلم لم يعرف الجهل. فلذلك الجاهل ما يعرف أنه جاهل. أليس كذلك هذه الحقيقة؟ وهكذا كذلك يقال: من يقع في الرياء لا يعرف أنه واقع في الرياء. ولهذا تجد الكثير من العامة ممن حرم الفقه في الدين والعمل به يجاهرون بمعاني الرياء ولا يستحيون من ذلك. لماذا؟ لجهلهم ولعدم معرفتهم لحقيقة الإخلاص. وإلا من عرض حقيقة الإخلاص ترفع عن دقائق الأعمال التي فيها الرياء. لأن الرياء فيه أعمال دقيقة أعمال وأقوال يحذرها المسلم. يحذرها المسلم. ومن ذلك كما تقدم: أن يحذر من ثناء الناس. فكيف بمن يتعرض لثناء الناس وحمدهم ويحبه؟ وإذا لم يفعل غضب عليه. بعض الناس يحب دائما أن يمدح وأن يثنى عليه. وإذا لم يفعل ذلك إذن أنت ما تحترمه. وأنت لم ترد الحق الذي له. وهذا من الجهل وعدم معرفة ما يجب أن يكون عليه المؤمن. وهكذا كذلك المعصية لا يعرفها إلا من عرف الطاعة. ولذلك العاصي يكثر من المعاصي وهو لا يدري أنه قد أهلك نفسه بكثرة المعاصي. لكن إذا عرف طريق الطاعة دفعه ذلك للحذر من المعصية. نسأل الله السلامة والعافية. قال: وعن الربيع بن خثيم، قال: «كل ما لا يبتغى به وجه الله يضمحل». ومعناه: أن من شؤم العمل الذي ليس فيه إخلاص أنه لا يبقى. فما كان لله بقى، وما كان لغيره فنى. فيضمحل يعني يزول ويذهب أثره. ولهذا يقول العلماء: من علامات الإخلاص بقاء العمل للعامل. فانظروا مثلا كم سنين والناس يقرؤون كتاب الإمام البخاري، وكم سنين والناس يقرؤون كتاب رياض الصالحين. حتى قال العلماء: هذا من علامات إخلاص هؤلاء المؤلفين في كتبهم هذه. أبقاها الله عز وجل لهم هذه السنين الطويلة. وأناس آخرون ربما ألفوا كتبا وقد ذكرها العلماء. ومع ذلك إما ضاعت وإما فنيت وإما نسيت. أضاعها الله. وربما كان من سبب ذلك عدم الإخلاص لله عز وجل. وهكذا كذلك أعمال أخرى كثيرة يبارك الله فيها للمخلصين وتذهب البركة وتمحق للمرائين والمعجبين بأنفسهم. قالوا عن الجنيد: «لو أن عبدا أتى بافتقار آدم وزهد عيسى وجهد أيوب وطاعة يحيى واستقامة إدريس وود الخليل وخلق الحبيب، وكان في قلبه ذرة لغير الله فليس لله فيه حاجة». يعني لو جمع طاعة جميع الأنبياء والرسل. ومع ذلك كان معه ذرة في قلبه لغير الله، فعمله ذلك يحبط. وهذا مصداق ما جاء في الحديث: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك». قالوا عن ذي النون: «سرني أن يكون لي في كل شيء نية، حتى في الأكل والشرب والنوم». وهذا إشارة إلى أمر الاحتساب وإصلاح النية حتى في المباحات. حتى في المباحات حتى يؤجر عليها الإنسان. ولهذا قال من قال من أهل العلم: «عادة العلماء عبادة، وعبادة الجهال عادة». وعبادة الجهال عادة. فالجاهل عبادته بسبب جهله وغفلته صارت كالعادة. يركع يرفع ويخفض ويقوم ويجلس ولا يستشعر لله خشوع ولا خضوع ولا ذل ولا تعظيم ولا حب. ولا يستفيد من ذلك زيادة إيمان. فلا تنهاه الصلاة عن الفحشاء والمنكر. والعالم على خلاف ذلك. فمن كمال علمه يتصف بمن وصفه الله من أهل الإيمان الذين هم في صلاتهم خاشعون. بل الأمر ينتقل حتى إلى المباحات. فالمباح عنده والعادة تنقلب إلى عبادة بماذا؟ باحتسابه. يحتسب الأكلة والشربة والقومة والنوم في طاعة الله. فيؤجر عليها. حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «في الرجل يأتي أهله». فقالوا: «يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوة ويكون له فيها أجر؟» قال: «فرأيتم من وضعها في حرام أكان عليه وزر؟» قالوا: «نعم». قال: «فكذلك إذا وضعها في الحلال». فيحتسب المسلم كل شيء حتى هذا. أن يعف نفسه ويستعين به على طاعة ربه. فيكون له فيه أجر. قال: وعن سفيان: «كل شيء هالك إلا وجهه، قال: ما أريد به وجهه». يعني في هذا حث على الإخلاص. فكل شيء يهلك إلا الله. وكل شيء من أعمال الناس يذهب إلا ما كان لله. هذا المقصود. قالوا عن هلال بن يسار: «قال عيسى بن مريم صلوات الله عليه: إذا كان يوم صوم أحدكم فليدهن لحيته ويمسح شفتيه ويخرج إلى الناس حتى كأنه ليس بصائم». وإذا أعطى بيمينه فليخفيه عن شماله. وإذا صلى أحدكم فليستتر بستر بابه. فإن الله تعالى يقسم الثناء كما يقسم الرزق. والمعنى: أن يستخفي الإنسان بعمله الصالح حتى لا يبتلى بالرياء والعجب. على هذا يحمل كلامه رحمه الله. وهذا الباب ينبغي أن يكون وسطا لا إفراط ولا تفريط. فليست مبالغة تفضي إلى تنطع. ولا كذلك تساهل يضر بصلاح العمل. فالسر في الأعمال الصالحة مطلوب. لكن إذا كان على حساب موافقة للسنة أو مصلحة أعظم، فتراعى المصلحة الأعظم موافقة للسنة. فمثلا المبالغة في هذا الباب بما يكون به الخروج عن السنة قد يكون من صنيع أهل الأهواء من أهل الغلو من فيهم نزعة صوفية. وهذا ليس بصحيح. فالحرص على السنة هو الوسط المطلوب. فكونك مثلا تصلي النوافل التي صحت في البيت والتي في المسجد في المسجد هذه السنة. وكونك تنقل كل النوافل في البيت فرارا من الرياء وخوفا من عدم الإخلاص هذا تنطع. بل احرص على السنة مع ماذا؟ مع مجاهدة نفسك. مع مجاهدة نفسك. قال رحمه الله تعالى: وعن دنون المصري، قال بعض العلماء: «ما أخلص العبد لله إلا أحب أن يكون في حب لا يعرف». وعن بشر بن الحارث عن الفضيل بن عياض: «لأن آكل الدنيا بالطبل والمزمار أحب إلي من أن آكلها بدين». لأن أكلها بالطبل والمزمار معصية. وأكلها بالدين جمع بين معصية وماذا؟ وشيء مما ينافي الإخلاص مما يكون فيه ذنب أعظم كالبدعة. وربما كان فيه شيء من العجب والرياء ونحوه. وهذا أشد من مجرد المعصية. أشد من مجرد المعصية. وليس بهذا التسهيل والتهويل من الذنوب والمعاصي. ولكن المقصود التشديد والتهويل لأمر البدعة وكذلك الشرك أصغره وأكبره. قال: وعن مالك بن أنس، قال لي أستاذي ربيعة الرأي يا مالك من السفلة. قلت: من أكل بدينه. فقال: من سفلة السفلة. قال: من أصلح دنيا غيره بفساد دينه. قال: فصدقني. يعني وافقني على ذلك. أو من السفلة. قال: قلت: من أكل بدينه. يعني من رضي لنفسه بالسفول والسقوط. فقال: من سفلت السفلة. يعني من هو أسقط حالا من هذا. قال: من أصلح دنيا الغير بفساد دين نفسه. قال: فصدقني. يعني وافقني وقرني على هذا. وأما الأول الذي يأكل بدينه فواضح السفول. يأكل بدينه. يبيع دينه لأجل الدنيا. يبيع دينه لأجل الدنيا. كالذين يغيرون يبدلون لما يطمعون به من أمر الدنيا الفانية. وسفلة السفلة الذي يصلح دنيا الغير بفساد دين نفسه. كعلماء السوء الذين يمكنون أهل الدنيا في الدنيا على حساب فساد دينهم. فهؤلاء لم يستفيدوا الدنيا وإنما كانت الدنيا لغيرهم مقابل فساد الدين، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ. قالوا عن ابن العرابي: «أخسر الخاسرين من أبدل الناس صالح أعماله وبارز بالقبيح من هو أقرب إليه من حبل الوريد». يعني من له ظاهر خلاف الباطن. فأظهر الصلاح وأبطن الفساد. فهو طالح. ويظهر نفسه أنه صالح. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في ناس يأتون يوم القيامة بأعمال صالحة كثيرة كجبال تهام بيضاء. أي كبيرة. ومع ذلك يجعلها الله بان منثورا. حتى خاف الصحابة. فقالوا: من هؤلاء يا رسول الله؟ فأخبرهم أنهم من جلدتهم وتكلمون بألسنتهم ويأخذون من الليل كما يأخذون. فازدادوا خوفا. فسألوا: من هم؟ فبين النبي عليه الصلاة والسلام أنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ. قالوا عن سفيان: «يا معشر القراء ارفعوا رؤوسكم، لا تزيدوا الخشوع على ما في القلب، فقد وضح الطريق». فاتقوا الله وأجملوا في الطلب. ولا تكونوا عيالا على المسلمين. ومعنى: «لا تتعيشوا بدين الله». يا معشر القراء ارفعوا رؤوسكم. لا تزيدوا الخشوع على ما في القلب. فقد وضح الطريق. والمعنى: لا تبالغوا في التخشع لتصلوا بذلك إلى قلوب الناس في شيء من عرض الدنيا الزائل. فاتقوا الله وأجملوا في الطلب. يعني في عدم التعيش بالدين. ولهذا كان يحث سفيان الثوري طلبة العلم والقراء على التكسب والتعيش حتى لا يتعيش أحد بدينه. وهذا هو قوله: «ولا تكونوا عيالا على المسلمين». يعني عالة. لا تكن يا أيها القارئ ويا طالب العلم ويا حامل العلم عالة على المسلمين. يدك سفلة ويد الناس عليك عليا. بل ينبغي أن تكون يدك هي العليا. فاليد العليا خير من اليد السفلى. وهذا من العمل بالعلم. من العمل بالعلم أن يكتسب حامل العلم وحامل القرآن. ويجعل لنفسه وسيلة للكسب حتى لا يحتاج لأحد. حتى لا يحتاج لأحد. قال رحمه الله: عن بعض العلماء: «خوف المؤمنين بالله والمنافقين بالسلطان والمرائين بالناس». يعني أن الناس على أصناف. فالمؤمن لا يخاف إلا من الله لكمال إيمانه. والمنافق لما كان لا يخاف من الله فما الذي يخوفه؟ السلطان. والمرائي وهذا هو المقصود. لما كان غرضه الناس إذن خوفه بالناس. فهو يخاف كلام الناس. فلذلك له بنيته. نسأل الله السلامة والعافية وأن يصلح لنا نياتنا وأعمالنا ظاهرة وباطنة. طيب لهنا والله تعالى أعلم.