الدرس في شرح مختصر شعب الإيمان 9، 11-الإيمان بوجوب الخوف من الله عز وجل . 12-الإيمان بوجوب الرجاء من الله عز وجل . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل شرح الإيمان بوجوب الخوف من الله عز وجل كشعبة من شعب الإيمان، ويبرز أهميته في العبادة والاستقامة. يُعد الخوف من الله من أعظم أصول التوحيد وواجبات الإيمان.
يفصل هذا الفصل الإيمان بوجوب الرجاء من الله عز وجل كشعبة أخرى من شعب الإيمان، ويشدد على أهمية الموازنة بين الرجاء والخوف في العبادة. يُبين أن الرجاء والخوف يجب أن يكونا متلازمين في العبادة الصحيحة.
يؤكد هذا الفصل على أهمية الرجاء وحسن الظن بالله، ويشير إلى ضرورة الجمع بين الخوف والرجاء مع الحرص على إحسان الأعمال. كما يشدد على ضرورة تنقية الأعمال من النجاسات المعنوية.
يتحدث هذا الفصل عن تفسير بيت شعري يتعلق بالتفكير في المصير بعد الموت، ويوضح أن البيت الشعري يحث على التفكير في المصير المحتمل بعد الموت. يُفسر البيت على أنه إشارة إلى عدم اليقين بشأن المصير الأخروي.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: الحادي عشر من شعب الإيمان، الإيمان بوجوب الخوف من الله عز وجل، لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾. ولحديث عدي بن حاتم في الصحيحين: «اتقوا النار ولو بشق تمرة». ولحديث أنس رضي الله تعالى عنه فيهما أيضًا: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا». وعتاب رجل بعض إخوانه على طول بكائه فبكى، ثم قال: «بكيت على الذنوب لعظم جرمي، وحق لكل من يعصي البكاء، فلو كان البكاء يرد همي لأسرت الدموع مع اندماء». قال: وكان عمر بن عبد العزيز لا يجفف دموعه من هذا البيت: «ولا خير في عيش امرئ لم يكن له من الله في دار القرار نصيب». وسمع أبو الفتح البغدادي هاتفًا يهتف بالشونيزية: «وكيف تنام العين وهي قريرة، ولم تدري في أي المحلين تنزل؟» فذهب عنه النوم. أورد رحمه الله هذه الشعبة من شعب الإيمان، وهي الخوف من الله عز وجل، وأدلة الكتاب والسنة في ذكر الخوف ووجوبه كثيرة. وقد أشار رحمه الله إلى بعضها فيما ذكره، وبه يعلم أنها مما أمر بها في شرع الله ودينه. ولهذا ذكرها البيهقي في الشعب، فهي من شعب الإيمان التي لا يتم الإيمان إلا بها. ولهذا قال من قال من أهل العلم: إن الخوف مع الرجاء والمحبة والتعظيم من أعظم أصول التوحيد، من أعظم وأكبر أصول التوحيد وواجبات الإيمان. فالسائرون إلى الله جل وعلا بعبادته والاستقامة على شرعه يسيرون بين الخوف والرجاء والمحبة والتعظيم. ولذلك صار الخوف من أجل العبادات وأعظمها التي يجب أن تصرف لله عز وجل وحده، ولا يجوز أن تصرف لغيره جل وعلا. فإذا صرفت لغيره وقع الشرك والكفر؛ لأنها من أعظم العبادات التي يجب أن تصرف لله خالصة. قال رحمه الله تعالى: الثاني عشر من شعب الإيمان، الإيمان بوجوب الرجاء من الله عز وجل، لقوله تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾، وقول الله تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وقول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين: «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنة أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد». ولحديث جابر رضي الله عنه في صحيح مسلم: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل». وحديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين: «يقول الله عز وجل: أنا عند ظني عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني». وذكر الحديث. وأنشد أبو عثمان سعيد بن إسماعيل: مَا بَالُ دِينِكَ تَرْضَى أَنْ تُدَنِسَهُ ... وَإِنْ ثَوْبُكَ مَغْسُولٌ مِنَ الدُّنَسِ تَرْجُو النَّجَاةَ وَلَمْ تَسْلُكْ مَسَالِكَهَا ... إِنَّ السَّفِينَةَ لَا تَجْرِي عَلَى الْيَبَسِ كذلك هذه شعبة أخرى من شعب الإيمان. قد تقدم أن الرجاء عبادة أخرى مقترنة بالخوف. قال ابن القيم رحمه الله: وحقيقة الرجاء: الخوف والرجاء بفعل ما أمر به على نور الإيمان، راجيًا للثواب، وترك ما نهى عنه على نور الإيمان، خائفًا من العقاب. ذكر معناه في مدارج السالكين. فالخوف والرجاء مقترنان بعضهما ببعض كما تقدم. وتقدم معنا مقولة الإمام أحمد: أن العبد إذا غلب أحدهما على الآخر هلك. وذكر بعض أهل العلم أنه قد يحتاج إلى التغليب في بعض المواضع؛ فإن ذلك يعين على حفظ عبادة العبد لربه وحسن ظنه به. فمما ذكره العلماء: أنه يغلب الرجاء عند الموت والمصائب؛ ليبقى معاني حسن الظن التي جاءت بها الأدلة. كما سمعنا في هذه الأحاديث المذكورة. ويغلب الخوف عند الحياة والمعايب؛ فإذا أراد أن يقترف شيئًا من الذنوب والمعاصي غلب جانب الخوف؛ حتى يردع نفسه ويعظ نفسه من الوقوع في هذا الذنب. والواجب على المسلم أن يكون في هذا الباب بين الخوف والرجاء، وأن يجنب نفسه ما يوقعه في اليأس والقنوط من رحمة الله؛ كما يجنب نفسه الوقوع في الأمن من مكر الله. وذكر رحمه الله هنا الآيات، وهي ظاهرات في ذكر معنى الرجاء. ونرى أنها مقترنة كذلك بمعنى الخوف: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. وهكذا أيضًا: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾. كذلك أمر بالرجاء والحذر من القنوط واليأس من رحمة الله. فالواجب على المسلم أن يحسن الظن بربه جل وعلا وخالقه، مع حرصه على إحسانه في عمله. فرحمة الله قريبة كما سمعنا من المحسنين، ليس من المسيئين. ويخطئ كثيرًا من يرجو ما عند الله مع إساءته، فهو في الحقيقة حصل له من الجهل بالعلم والعمل ما يخسر به الدنيا والآخرة. ولكن ترجو رحمة الله بأن تكون من المحسنين، ولا تكون من المسيئين. وحديث أبي هريرة فيه هذا المعنى، وهو ظاهر فيما ذكر فيه. فالواجب على المسلم أن يسلك مسلك المؤمنين. فمن يعلم ما عند الله خاف عقوبته، وفعل بما تقتضيه أسباب رحمته. وكذلك العكس. وحديث جابر فيه الأمر بالرجاء وحسن الظن عند الموت. ولهذا قال من قال من أهل العلم: إنه يغلب الرجاء وحسن الظن عند الموت، اتباعًا لهذا الحديث. وحديث أبي هريرة كذلك فيه هذا المعنى، ولكنه يحمل على ما تقدم أنه عند المصائب. والأبيات فيها كذلك معنى ما ذكر من الرجاء. وفيها كذلك أمر المسلم أن يحرص على إنقاء أعماله، كما يحرص على إنقاء ثيابه. وكما تنقي ظاهرك من النجاسات، فكذلك نقي أعمالك من النجاسات المعنوية. فكما لا يرضى المسلم أن تبقى نجاسة ولو يسيرة في طرف ثوبه، فكذلك لا ترضى بالنجاسة المعنوية أن تبقى في أعمالك، فتكون طاهرًا حسًا ومعنى. وبذلك تستحق دار الطاهرين، جنة الله سبحانه وتعالى. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من أهلها، وينوفقنا لدخولها والعمل بأسباب الوصول إليها. وإلى هنا والله تعالى أعلم. في نسختنا: «بمسجد الشونيزية». هكذا في بعض النسخ. أنا عندي في نسختي: «قال سمع»، وسمع أبو الفتح البغدادي هاتفًا يهتف بالشونيزية، ليس فيه ذكر مسجد. الهاتف هو الصوت الذي يسمع من غير معرفة الصائت أو المصوت. وغالبًا يكون فيما هو بمثل الرؤى وما كان بمعنى. فإن كان كذلك فهو كما سمعنا يكون من جهة مقبرة الشونيزية، وهي مقبرة معروفة ببغداد. وإن كان بمسجد الشونيزية على هذه النسخة، فيكون مسجد الشونيزية الذي فيه الرباط المذكور. أي سمع صوتًا من هناك لا يعرف قائله أو الذي قاله. والمقصود من هذا هو ما في هذا البيت من محل الاعتبار: «وكيف تنام العين وهي قريرة، ولم تدري في أي المحلين تنزل؟» يعني جنة أو مأواه من الجنة أو النار، حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة.