الدرس في شرح خمسون حديثا في العقيدة 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول الشيخ التحذير من الغلو في الدين ويشرح مخاطره وآثاره على الأمم مستشهدا بقصص الأمم السابقة والآيات القرآنية والأحاديث النبوية. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الإطراء والمغالاة في المدح لما فيه من خطر الوقوع في الغلو والشرك.
يتناول المقطع مفهوم الغلو وأسبابه ونتائجه ويحذر من التعصب للمذاهب والأحزاب والغلو في العبادة. يؤكد على أهمية اتباع سنة النبي عليه الصلاة والسلام والاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله.
الغلو في الدين مذموم ويجب على المسلم اتباع الوسطية في الدين كما أمر الله، وذلك بالاتباع الصحيح للدليل الشرعي وليس بالعقل أو العاطفة أو الهوى. يجب على المسلمين الابتعاد عن الغلو والالتزام بالدليل الشرعي.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال شيخنا أبو عبد الرحمن، غفر الله لنا وله وللمؤمنين: الحديث الثاني. قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا الحميدي، قال: حدثنا سفيان، قال: سمعت الزهري يقول: أخبرني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، أنه سمع عمر رضي الله عنه يقول على المنبر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله». الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. هذا الحديث من الأحاديث العظيمة التي ينبغي لطالب العلم أن يعتني بحفظها، والتي تجتمع على أصل عظيم في هذا الدين، وهو أصل التحذير من الغلو؛ فإن الغلو هو سبب دخول الشر على الأمم من لدى نوح -أمة نوح عليه الصلاة والسلام- إلى أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالغلو آفة عظيمة كانت سببا في دخول الشر على الأمم من قديم الزمان، وقد حكى ربنا جل وعلا لنا في كتابه شيئا من ذلك من غلو الأمم الذي أوقعهم في الشر وبأعظم الشر، ألا وهو الشرك بالله جل وعلا. فذكر ربنا جل وعلا قصة نوح عليه الصلاة والسلام وما وقع في قومه، كيف أنهم غلوا في قوم صالحين حتى عبدوهم من دون الله عز وجل. وقد جاء عن عبد الله بن عباس في تفسير قول الله جل وعلا: ﴿يَعُوقُ وَيَغُوثَ وَنَسْرًا﴾ أنهم كانوا رجالا صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا قالوا: لو أننا صورنا لهم صورا فنشطنا على عبادة الله جل وعلا كلما رأيناها، فلما مات ذلكم الجيل، قال من جاء بعدهم: ما جعلوا هذه الصور -أي الآباء- إلا أنهم ينفعون، فعبدوهم من دون الله عز وجل. وقد ذكر هذه الرواية عن عبد الله بن عباس البخاري في صحيحه، وتكلم بعضها للعلم بإسنادها، لكنها صحيحة بشواهدها. وهكذا كذلك اليهود والنصارى وقع فيهم الغلو حتى قالت اليهود: عزير بن الله، وقالت النصارى: المسيح بن الله، وكان ذلك من الغلو. وهكذا وقع أهل الكتابين بالغلو حتى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، والمسيح بن مريم، وما أمروا إلا ليعبدوا إله واحدا لا إله إلا هو، سبحانه عما يشركون. وقال الله جل وعلا: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْدَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾، وغير ذلك من الآيات الكثيرة في كتاب الله عز وجل في التحذير من الغلو. وهكذا في سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيرجى عند أحمد وغيره من حديث عبد الله بن عباس أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إياكم والغلو، إياكم والغلو». وهكذا في حديث ابن مسعود: «هلك المتنطعون». وفي هذا الحديث كذلك قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا تطروني»، أي: لا تفرطوا في مدحي، لا تفرطوا في مدحي بما يكون فيه الغلو، بما يكون فيه الغلو. فقال عليه الصلاة والسلام: «كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم»، أو «ابن مريم» في هذه الرواية «ابن مريم»، فإن النصارى وقعوا في الغلو وعبادة المسيح من دون الله عز وجل بالإطراء الذي يخالف الشرع. فبين عليه الصلاة والسلام أن الباب العظيم الذي به يقع الغلو والشرك هو الإطراء والمغالاة فيه. وهكذا ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه نهى أن يطرى عليه أو له بما لا يستحقه أو بما يفتح باب الشر. فلما قال له رجل: ما شاء الله وشئت، قال: «أجعلتني لله ندا». فنهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذلك. وهكذا كذلك لما بالغت الجارية في مدحه عليه الصلاة والسلام، قال: «قولوا بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان»، يعني: بالمبالغة في الإطراء. وهكذا كذلك هذا الذي ضلت به الجاهلية -أهل الجاهلية من مشركي العرب- فإن بعض من عبد من دون الله عز وجل في زمانهم كان بالغلو، كما جاء عن بعض السلف في تفسير قول الله جل وعلا: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ أن اللات كان رجلا صالحا في العرب يلت السويق للحجاج، فلما مات جعل له صنما على صورته وهيئته، وعبد من دون الله عز وجل. وكان هذا كذلك مظهرا من مظاهر الغلو، ولأجل الغلو حذر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سدا للذريعة من كل شيء مفض إلى هذا الغلو والشرك. فقال عليه الصلاة والسلام: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد». وقال عليه الصلاة والسلام: «اللهم لا تجعل قبري عيدا»، والعيد هو الزيارة أن يجتمع الناس حول هذا القبر في يوم معلوم أو شهر معلوم أو سنة معلومة أو سبوع معلوم. فدعا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ربه جل وعلا أن لا يجعل قبره عيدا خشية أن يقع هؤلاء الناس بالغلو. فإذا كان كذلك، فما يفعله الناس من اجتماعهم في الزيارات حول بعض القبور هو من الذرائع المفضية إلى الشرك، ومن الغلو الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا كذلك من سد ذرائع الغلو نهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن رفع القبور، ونهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تبنى القبور في المساجد أو المساجد على القبور. وقد جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره عليه الصلاة والسلام. فقد نهى عن مثل ذلك، ولما ذكرت له بعض أزواجه كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها مارية -على اسم مريم- يقال لها مارية، وما فيها من التصاوير، قال: «أولئك إذا مات فيهم العبد الصالح والرجل الصالح، اتخذوا تلك التصاوير وبنوا على قبره مسجدا، أولئك شرار الخلق عند الله تعالى». ولحديث في هذا الباب كثير عن النبي عليه الصلاة والسلام. ومن ذلك كذلك نهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن البناء على القبور، ففي حديث جابر في مسلم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن البناء على القبور، وبمعنى حديث أبي الهياج الأسدي رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وهكذا كذلك من الذرائع المفضية إلى الشرك كذلك كل وسيلة يكون فيها التعظيم الذي يفضي إلى الغلو، من ستر هذه القبور بالستائر، أو كذلك إسراجها بالسرج، أو كذلك جعل لها الزيارات المعلومة، أو غيرها مما يكون فيه الغلو فيها. ومن ذلك كذلك الإفراط في المدح حتى ينزل بعض الناس -ولو كان نبيا- منزلة الله جل وعلا، كقول بعض المتأخرين -صاحب البردة-: «إن من جودك الدنيا وضرتها، وإن من علومك علم اللوح والقلم». فهذا من الإطراء الذي نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام. فالحاصل: هذا الحديث حديث عظيم، فيه النهي عن الغلو الذي هو سبب الشر على الأمم، سواء في عقيدتها أو في عبادتها أو في منهاجها. ومن الغلو كذلك الغلو في باب العبادة، فإنه كما أنه جاء النهي عن الغلو لأجل حماية التوحيد، كذلك جاء النهي عن الغلو لحماية العبادة لله رب العالمين. فقد جعل ربنا جل وعلا لنا متبوعا واحدا وهو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ليس لنا متبوع إلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فكما أننا نقول: لا إله إلا الله -إلا معبود بحق إلا الله جل وعلا- كذلك نقول: أن محمدا رسول الله -أي لا متبوع بحق إلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وهذا فارق آخر بين أهل الحق وأهل الباطل، فإن أهل الحق ليس لهم متبوع يأخذون منه الدين إلا الرسول عليه الصلاة والسلام. وأما الذين تفرقت كلمتهم وتشتتت قلوبهم، صار لهم متبوعون غير النبي عليه الصلاة والسلام، كحال بعض المتمذهبين المتعصبين: هذا شافعي، وهذا حنفي، وهذا حنبلي، وهذا مالكي، فدينه ما عرفه من ذلك المذهب، أو دينه ما عرفه من شيخه الذي تعلم منه. وهذا ليس بصحيح، بل الواجب أن يأخذ الإنسان دينه من النبي عليه الصلاة والسلام الذي أنزل الله عز وجل عليه الدين. ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾، والله عز وجل يقول: ﴿إِنْ تَطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾، فليس لنا متبوع إلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكان الأئمة يقولون -كما نقل عن إمام الشافعي رحمه الله-: إذا خالف قولي قول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فارموا بقولي عرض الحائط. ونحوها من الأقوال عن الأئمة في هذا الباب. وهذا باب آخر من أبواب الغلو، ومن أبواب الغلو كذلك التعصب للمذاهب والأحزاب، فإن ذلك باب آخر من أبواب الغلو الذي افترقت به هذه الأمة. وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة». ومن هذه الواحدة هي التي تكون على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلا يجوز لمسلم أن يتعصب لمذهب، ولا لفرقة وطائفة، ولا لحزب، ولا لأي جهة، بل يجب عليه أن يعتصم بكتاب الله وبسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، هذا هو حبل الله، وهذا صراطه المستقيم. فنحن نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، هو كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام. ونحن نقرأ ونسمع قول الله جل وعلا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، وحبل الله هو كتابه وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا: كتاب الله وسنتي». فالغلو في هذه الأبواب كلها مذموم، والواجب على المسلم أن يأخذ الدين الحنيف الوسط الذي أمر الله جل وعلا به. ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، أي: بما أنزل الله جل وعلا من الشرع والدين، لا بالعقل، ولا بالعاطفة، ولا بالهوى، ولكن بالاتباع الصحيح لما جاء به الدليل. نكتفي بهذا القدر، والحمد لله رب العالمين.