الدرس في كتاب الجنائز 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يجب غسل الميت المسلم على الأحياء، ويكون القريب أولى بالغسل إذا كان من جنسه، ويتم الغسل بماء وسدر مع استخدام الكافور في الغسلة الأخيرة.
تغسيل الزوجين لبعضهما مشروع بناءً على حديث النبي صلى الله عليه وسلم وأثار الصحابة، مما يدل على جواز تغسيل القريب لقريبه.
يتم غسل الميت ثلاثا أو خمسا أو أكثر، ويستثنى الشهداء من الغسل بناءً على حديث جابر بن عبد الله في شهداء أحد.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشوكاني رحمه الله تعالى: «قال: ويجب غسل الميت المسلم على الأحياء، والقريب أولى بالقريب إذا كان من جنسه، وأحد الزوجين بالآخر، ويكون الغسل ثلاثا أو خمسا أو أكثر بماء وسدر، وفي الآخرة كافورا، وتقدم الميام، ولا يغسل الشهيد». هذه خمس مسائل تتعلق بأمر التغسيل. وكما قلنا، الفصل هو كالتفريع من الكتاب الذي فيه أبواب، فهو يتعلق بالباب، ولكنه مسائل خاصة، فهو يتعلق بهذا الموضع، يتعلق بأحكام الجنائز، لكنه يتعلق بشيء خاص من أحكام الجنائز، وهو غسل الميت، فلهذا جعل في فصل خاص. وقوله أولا: «ويجب غسل الميت المسلم على الأحياء»، وذلك لورود أدلة كثيرة من الكتاب، ومن السنة، من الكتاب عموما عمومات، ومن السنة بمثل حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي سيأتي في قصة موت ابنته، في حديث أم عطية، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يغسلوها وطرا ثلاثا أو خمسا أو أكثر بماء وسدر، الحديث، وسيأتي إن شاء الله. وهكذا كذلك حديث عبد الله بن عباس في الرجل الذي وقصته ناقته، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كذلك ذكر هذا المعنى، إذ أنه يبعث ملبيا، فدل على أن غيره يكون له هذا الحكم. وقوله: «والقريب أولى بالقريب إذا كان من جنسه»، ذكر بالشرح بعض الأحاديث، وهي ضعيفة، وقد أشار إلى ضعفها رحمه الله تعالى. والشوكان رحمه الله يورد أحيانا الأدلة ويضعفها، وكأن هذا إشار منه إلى أحد أمرين: إما أن المسألة لها أصل بعمومات الأدلة، وبخصوصها الضعيف الذي تشهد له العمومات، وإما أنه يشير إلى أن هذه المسألة ذكرها أهل العلم، واستدلوا بهذه الأحاديث، وهي ضعيفة، ولكن العمومات تدل عليه. وعلى كل المعنيين هما متقاربان، يعتذر للمؤلف رحمه الله. وهذه المسألة قد ورد معنى ثبوت هذا الحكم في الحديث الذي أشار إليه في المسألة التي بعدها، وهو تغسيل أحد الزوجين بالآخر، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لعائشة: «ما ضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك، ثم صليت عليك» الحديث، وهو حديث حسن. وأشار إلى ذلك في الشرح رحمه الله تعالى، رواه أحمد وغيره، وله طرق ومتابعات، فقد جاء من حديث محمد بن إسحاق، وكذلك أشار إلى أنه توبع، تابعه صالح بن كيسان، وزيادة على ذلك محمد بن إسحاق صرح بالتحديث، صرح بالتحديث. فالشاهد أن هذا الحديث فيه إشارة إلى مشروعية تغسيل القريب لقريبه، القريب لقريبه، خصوصا ما يكون من الزوجين. وقد ثبتت آثار كثيرة عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم في تغسيل بعضهم بعضا، بعضها صح وبعضها لم يصح. فذكر أثر أبي بكر الصديق أنه غسل زوجته أسماء أو العكس، وقد غسلت الصديق زوجته أسماء -يعني أسماء بنت عميس غسلت أبا بكر الصديق رضي الله عنه أرضاه- ولكن هذا الأثر منقطع، فهو لا يصح. وجاء غيره وهو صحيح، وهو ما جاء من تغسيل علي لفاطمة رضي الله عنه وأرضاها. وأشار أنه رواه البيهقي وغيره بإسناد حسن. فهذه الآثار مع ذاك الحديث يدل على مشروعية تغسيل القريب لقريبه. ومن ذلك قوله في المسألة الثالثة: «وأحد الزوجين بالآخر»، وهم من أهل القرابة، قرابة زوجية. وإذا كان كذلك فكذلك الأخ مع أخيه، وكذلك الأب مع ابنه، والابن مع أبيه، وهكذا. قال: «ويكون الغسل ثلاثا أو خمسا أو أكثر بماء وسدر، وفي الآخرة كافورا»، لحديث أم عطية الذي في الصحيحين، في قصة غسل النساء لابنة النبي صلى الله عليه وسلم زينب، فقال عليه الصلاة والسلام: «اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورا». وقوله رحمه الله تعالى: «وتقدم الميام»، كذلك لحديث أم عطية، ولعمومات الأدلة كحديث عائشة بالصحيحين، قالت: «كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعجبه التيمن في شأنه كله». ولأحاديث أخرى كثيرة تدل على هذا المعنى، فكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا حلق أمر الحلاق أن يبدأ بميامنه، وإذا اغتسل كان عليه الصلاة والسلام يبدأ بميامنه. وهكذا كذلك أمر الغاسلات أن يبدأن بالميامن كما جاء كذلك في حديث أم عطية، فقال عليه الصلاة والسلام: «ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها». وهذا هو صفة غسل الجنابة، فأدلة مشروعية ذلك في غسل الجنابة هي دليل على ذلك كذلك في غسل الميت. قال: «ولا يغسل الشهيد». وأما الدليل على عدم تغسيل الشهيد، فهو ما جاء في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله في قصة شهداء أحد، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصل عليهم، ولم يغسلوهم. بل جاء من قوله عليه الصلاة والسلام -وحسنه بعض أهل العلم وفيه ضعف- أنه قال: «لا تغسلوهم» يعني في شهداء الحد، وهذا المعنى بالجملة صحيح صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وسيأتي إن شاء الله زيادة تفصيل في أحكام الشهيد في الباب الذي بعده. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد.