الدرس في كتاب الجنائز 19، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
التعزية مشروعة لكن ينبغي تجنب البدع والعادات المخالفة للشريعة، ولا يشرع التواطؤ على اجتماع الناس للتعزية. ينصح بعدم استدعاء الناس للتعزية وتجنب تكلف الضيافة لهم.
يناقش حكم صنع الطعام لأهل الميت ويفرق بين التعاون على إعداد الطعام وبين العوائد السيئة التي يظنها الناس من العزاء. الاجتماع لتناول الطعام عند أهل الميت يعتبر من النياحة المنهي عنها إذا كان على سبيل العادة.
يُناقش المقطع أحكام الجنائز ويبين البدع المحدثة فيها مثل الأذان والإقامة والتلقين عند الدفن. ينبغي الاهتمام بإقامة الجنائز وفق السنة النبوية وتجنب العادات المخالفة لها.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. رحمه الله تعالى، التعزية مشروعة، وكذلك إهداء الطعام لأهل الميت. مرة معنا في الدرس الماضي الكلام على مجموعة من أحكام التعزية، وأن من هذه الأحكام أنه لا يشرع التواطؤ على اجتماع الناس للتعزية. لا يشرع التواطؤ على اجتماع الناس أو التواطؤ في اجتماع الناس على التعزية. ومعنى ذلك سبق في الآثار المروية عن الصحابة وعن الأئمة، وتدل عليه عمومات الشريعة، فاقتضى ذلك عدم تعمد حصول ذلك. وخرج بقولنا تواطؤ ما إذا كان على غير تواطؤ، وهذا ما يسأل عنه بعض الناس. والناس بهذا طرفان ووسط. ومعنى ذلك أن من الناس من يجري على عوائد الناس من إقامة الولائم، وكذلك فتح البيوت لاجتماع الناس في يوم الثالث أو اليوم الأول، وقبول الذبائح. ولكل بلد عرف وعادة، فمسايرة الناس على هذه العوائد خطأ، وهذا هو معنى من معاني النياحة التي جاء النهي عنها في كلام جرير بن عبد الله البجلي، رضي الله عنه، وعمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وما سبق من كلام الإمام الشافعي والأوزاعي وغيرهم. وطرف آخر كذلك قد يدفعه والخوف من الوقوع بهذه البدع إلى وقوعه في الجفاء في معاملة الناس، وذلك أنه ليس معنى هذا أن نضيع الحقوق الشرعية التي أمرنا بها. فإذا جاء إنسان من مكان بعيد أو حصل له ما يوجب ضيافته، فهو ضيف كسائر الضيوف. ضيف كسائر الضيوف، فإن كنت تكرم الضيف في غير هذا اليوم بذبيحة، فكرمه بذبيحة؛ لأنك لم تفعل ذلك لقصد العزاء ولا اجتماع الناس، ولا لشيء من المعاني التي عليها الناس. لكن احرص على ألا تستدعي أحدًا، ولا تسمح لأحد بسفر. فإن كان أحد سيأتيك من مكان بعيد، أخبرهم بأن الأمور طيبة ولا حاجة لتكلف أنفسكم ونحو ذلك. كذلك لا تفتح البيت حتى تهيج الناس للاجتماع. اخرج إلى الناس في أماكنهم، إن كان الناس اجتمعوا في المسجد، اجلس في المسجد، تأخر في المسجد حتى تنقضي التعزية وأنت في المسجد، هذا يأتيك وهذا يأتيك. حتى ولو كانت العادة على خلاف ذلك، خالف العادة، حاول أنك تخالف العادة حتى لا تقع بمثل هذه البدع. وفي نفس الوقت كذلك لا يكون عندك شيء من الجفاء، فإن جاء من يستحق أن تفتح له الباب، فافتح له الباب، واجلس معه في البيت. وإن كان تأخر أو كان له ما يستدعي أن تكرمه، فتكرمه. والأمر وسط بين هؤلاء وبين هؤلاء. ومنه ننتقل إلى الذي بعده، وهو قوله رحمه الله في مسألة صنع الطعام لأهل البيت، ومراده رحمه الله أن يصنع الطعام لأهل الميت. يصنع لهم، وذكر وأشار إلى حديث «صنعوا لأهل جعفر طعامًا». والحديث حسنه بعض أهل العلم، وفيه ضعف. فبعضهم حسنه بمجموع طرقه، وبعضهم لم ير تحسينه ورأى ضعفه. فعلى القول بتحسينه، فليس معناه أنه يكون ذلك على الوجه الذي فعله الناس من إقامة المآتم ونحوها، لا. وإنما المراد أن يعان أهل الميت في أمر طعامهم وطعام أهل بيتهم. وهذا من باب تعاون الجيران والأقارب والأهل بعضهم مع بعض، المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا. وأما إذا كان على وجه العوائد التي تعودها الناس، فلا. فمثلًا بعض الناس عندهم عوائد يأتون كل بيت، يأتي بدبيحة، هذا يأتي برأس، وهذا يأتي برأس، ثم يجتمع عند أهل الميت، ويظنون أن هذا من معنى ما ذكر في مثل هذا الفصل. وهذا ليس بصحيح، بل هذا من النياح المنهي عنها، كما في أثر الجريب: «كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة». وهذا عام يشمل ما إذا كان من أهل الميت أو كان من غير أهل الميت، لا فرق بين أن يكون من أهل الميت أو يكون من غير أهل الميت. وهذا هو الصواب، ولذلك يعني كان القول الصحيح بذلك التفصيل. إن كان المقصود بهذا الاجتماع هو موافقة عوائد الناس، فلا يصبح. وأما إذا كان إكفاء أهل البيت، فهذا من التعاون على الخير، ولا بأس به. ولو دخل مع بعض أهل البيت خواص أهلهم، قد تأتي العم أو الأخت فتجلس في البيت لوجود صغار يحتاجون إلى رعاية، أو قد يأتي العم كذلك لينظر ما يحتاج الناس في ذاك اليوم، فلا بأس. وأما أن يجتمعوا ويفتحون الباب للضيوف نحو ذلك، فهذا ليس من السنة. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الكتاب، وهو كتاب الجنائز، ونترك إن شاء الله الباقي والدخول في كتاب الزكاة إلى الدرس اللاحق. الأذان والإقامة والتلقين كله من البدع والمحدثات. الأذان والإقامة والتلقين وغير ذلك مما فعله الناس من الأذكار عند الدفن ليس من السنة بشيء، فهذا من البدع والمحدثات. هات الفاتحة كذلك، ترتيب الفاتحة ليس من السنة. سمعته عن خميس يقول: بعض الناس إذا أتيت تعزيه يقول لك: رتب الفاتحة. ما يكفي أنك تدعو له بالاستغفار؟ نقول له: السنة النبي عليه الصلاة والسلام قال: «استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل». هذه السنة: استغفر له، نسأل له التثبيت. أما ترتيب فاتحة أو غير ذلك، هذا كله ليس من السنة في شيء. وتنبيه آخر بالنسبة لأحكام الجنائز كما مر معنا، ولعلنا ما دققنا اللفظ فيه، ولم ندقق في هذه المسألة، وهي قضية نقل الميت بالجنائز والتفريق بين جنازة الرجل وجنازة المرأة. كان من فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومن بعدهم من التابعين التفريق بين جنازة الرجل والمرأة، بأن جنازة الرجل لا تستر بشيء، يعني لا يرفع لها فوقها شيء فيسترها، فيعمل له مثل القبة أو الخيمة ونحوه، وإنما تكون مكشوفة يظهر جسد الميت، ويكون المحمل الذي يحمل عليه مستويًا ليس له عوارض يستر جسد الميت. وإنما صنعوا ذلك للنساء طلبًا للستر لهن. أما الرجل فلا يفعل ذلك. ونرى أن هذه السنة تكاد تكون مفقودة في كثير من المناطق في اليمن إلا في مواضع قليلة جدًا، فينبغي أن يعتني الإخوة بمثل هذا بأن يجعلوا جنازة خاصة مستوية ليس فيها شيء من السواتر التي تستر جسد الميت على ما عليه عادة الناس اليوم؛ فإن الذي عليه عادة الناس خلاف السنة.