كتاب الجنائز 14

كتاب الجنائز 14

الدرس في كتاب الجنائز 14، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في مشروعية زيارة القبور

يتناول المقطع مسألة زيارة القبور ومشروعيتها، حيث يرى الشوكاني أنها مشروعة مع التفصيل في آراء أهل العلم. يُبين أن زيارة القبور كانت ممنوعة في بداية الإسلام ثم أُذن بها لاحقًا.

حالات المنع من زيارة القبور والشروط

يشرح المقطع حالات منع زيارة القبور إذا كان فيها فتنة أو شد رحل أو إذا كان القبر لمظنون الافتتان به، واستدلال ذلك بالأحاديث النبوية. يُفسر سبب دفن النبي صلى الله عليه وسلم في حجرته.

تفصيل زيارة القبور وحكمها الشرعي وتطبيقاتها

يُنقل أن الصحابة والتابعين لم يزوروا قبر النبي داخل الحجرة، ويُشدد على منع زيارة القبور إذا كانت تفتح بابًا للشرك أو المخالفة الشرعية، ويُستدل بقصة دفن قبر النبي دانيال.

ختام الدرس والتأكيد على أهمية الاستمرار

يتم ختام الدرس بنقطة معينة على أن يستكمل ما تبقى في الدرس القادم، مع الدعاء بالعلم والتوفيق من الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. قال الشوكاني رحمه الله تعالى: «الزيارة للموتى مشروعة»، كذلك من مسائل دفن الميت وما يلحق به مشروعية زيارة القبور. وقد أشار رحمه الله تعالى بالشرح إلى مجموعة أحاديث في زيارة القبور. وفي هذا المبحث ثلاث مباحث. المبحث الأول: مشروعية زيارة القبور، هل هو مشروع مطلقًا أم فيه تفصيل؟ فمن أهل العلم من منع زيارة القبور مطلقًا، ومنهم من أجازه مطلقًا، ومنهم من فصل. والصحيح التفصيل. فأما زيارة القبور والمنع منها مطلقًا، فقد روي عن جماعة من أهل العلم، منهم ابن سيرين وإبراهيم النخعي والشعبي. كان الشعبي رحمه الله تعالى يقول، كما روى عنه ابن أبي شيبة: «لو كنت أستطيع أن أزور قبر ابنتي لزرته»، أو كما قال رحمه الله. ومعناه أن الذي يمنعه من ذلك نهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذلك. وذهب بعضهم إلى أن الأمر كان فيه نهي ثم نسخ. وهذا منقول عن جمهور أهل العلم، أي جواز الزيارة مطلقًا، أي زيارة القبور مشروعة مطلقًا. وهذا الذي هو منقول عن جمهور أهل العلم منقول هكذا. لكن عند التحقيق نجد أن الكثير من هؤلاء الجمهور لهم تفاصيل توافق القول الثالث، وهو التفصيل. والتفصيل هو أن زيارة القبور مشروعة ما لم تكن فيها مفسدة، فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. ودليل ذلك أحاديث الترخيص بالزيارة. فقد جاء في صحيح مسلم، من حديث بريدة رضي الله تعالى عنه، أنه قال عليه الصلاة والسلام: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها». فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أول الإسلام نهى عن زيارة القبور، وكان نهيه حماية لحمى التوحيد، ولما كان مشتهرًا عند العرب من الافتتان بالقبور. فلما قام أمر التوحيد وخلص الناس بالإسلام، أذن لهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد ذلك بزيارة القبور. وعلى هذا يحمل وهو أحد المعنيين والأمرين الذي بهما فسر نهي من نهى من الأئمة عن زيارة القبور، أنه سدًا للذريعة. فإذا رأى الإمام أو العالم أن قومًا عندهم فتنة في القبور، فله أن يمنع من زيارة القبور أو يمتنع من زيارة القبور سدًا لذريعة الافتتان بالقبور. وحمل ذلكم المنع، قال به جماعة: أنه لم يبلغهم أحاديث النسخ. وهذا بعيد، أن أمثال هؤلاء خفي عليهم أحاديث النسخ، أي نسخ النهي عن زيارة القبور. والأمر الثاني كذلك من معاني التفصيل: إذا كان فيه محظور شرعي، مثل أن يكون فيه شد رحل، أن يكون في هذه الزيارة شد رحل، فإنه لا يجوز. وقد صح من النبي صلى الله عليه وسلم بحديث أبي سعيد في الصحيح: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد». وصح عن أبي هريرة وبسرة بن أبي بسر: «أنهى عن زيارة القبور ومواضع غير هذه المساجد الثلاثة». فلا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، فشد الرحل لزيارة القبور لا يدخل في عموم زيارة القبور مطلقًا أبدًا، بل هذا مما يمنع. ومن ذلك كذلك إذا كان هذا القبر قبر أحد ممن يظن الافتتان به، فإنه لا يزار، يعني لا يؤذن بتكرار زيارته. ودليل ذلك ما جاء في الصحيحين في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قالت عائشة: «ولولا ذلك لأبرز قبره». ومعناه: لولا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا الكلام، لكان قبره مثل قبور الناس في المقبرة، لكن قبر عليه الصلاة والسلام في حجرته صيانة لقدره أن يفتتن به الناس. وهذا أحد المعنيين المأثورين في سبب قبر النبي صلى الله عليه وسلم بحجرته، والمعنى الثاني: ما سمعه الصحابة منه عليه الصلاة والسلام: «أن الأنبياء يدفنون حيث ماتوا»، فوقع ذلك وفاقًا وموافقًا لما فيه حماية توحيد وصيانة قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أن يدنس بشرك. وهذا والله تعالى أعلم كذلك استجابة لدعائه عليه الصلاة والسلام، كما جاء بحديث أبي هريرة وغيره، فكان من دعائه: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد، اللهم لا تجعل قبري عيدًا». فكان من سنة الصحابة أنهم لا يزورون قبر النبي عليه الصلاة والسلام، مع أنه أحب الناس إليهم عليه الصلاة والسلام. ومع ذلك كما نقل غير واحد من أهل العلم، ومنهم إمام المحققين في عصره ومن بعده الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، في عدد من كتبه: أن قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما كان يُعرف بزيارة، لا من الصحابة ولا من التابعين ولا من الأئمة، يعني الدخول إلى الحجرة ورؤية القبر. أما السلام عليه عليه الصلاة والسلام من خارج الحجرة فنعم، كانوا يسلمون عليه من غير تكرار. وأما زيارة القبر إلى داخل الحجرة، منع الصحابة من ذلك سدًا لذريعة الشرك. وهكذا ينبغي أن يُصنع بقبور الصالحين من العلماء أو من عُرِف بصلاح أو غيره، إذا خشي افتتان الناس به، فينبغي أن يحجب ويخفى عن الناس، كما فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم حين غزوا تستر، فوجدوا قبر نبي من الأنبياء، نبي لم يدفن من أنبياء أهل الكتاب، يقال له دانيال. كانوا إذا قحطوا أخرجوا قبره واستسقوا الله جل وعلا بجثة هذا النبي الذي لم تتغير. فوجدوا أبو موسى في عهد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فما دفعوا في هذا القبر؟ هل دفنوه كما تدفن سائر القبور؟ لا، حفروا عدة قبور ثم دفنوه في تلك الليلة حتى عموه عن الناس، فأصبح الناس وقد دفن ذلك النبي ولم يدروا في أي قبر وفي أي موضع دفن. وهذا صيانة وحماية لحمى التوحيد. فإذا ليست زيارة القبور مطلقة، ولكن زيارة القبور على هذا التفصيل الذي سمعناه. فإن كان فيها مخالفة شرعية فيمنع، أو كان فيها كذلك فتح باب وذريعة للشرك فيمنع، أو كان كذلك أحد ممن قد يعظم ويكرر الزيارة إلى قبره فكذلك يمنع. وقد صح عن الحسن بن الحسن، حفيد علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، والحسين كذلك حفيد علي رضي الله تعالى عنهما جميعًا، أنهما رأيا رجلًا يكرر الزيارة إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام، فنهياه عن ذلك. وأخبره الحسن أن ما تسليمه وتسليم من بعده إلا سواء، يعني لا تكرر الإتيان إلى القبر، وجعل ذلك من معنى نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ قبره عيدًا. نكتب بهذا القدر، نكمل ما تبقى في درس اللاحق، والله تعالى أعلم.