كتاب الصيام 9

كتاب الصيام 9

الدرس في كتاب الصيام 9، الدرس التاسع : من : ( أما الجماع فإنه إحدى الشهوتين ... أي ذلك شئت ياحمزة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام الصيام والشهوات والمفطرات

يتناول هذا الفصل أحكام الصيام، مفهوم الشهوة، وما يفطر الصائم، مع آراء العلماء حول الحجامة والسواك وتذوق الطعام أثناء الصيام. يشرح بالتفصيل المفطرات والآراء المختلفة حولها.

رخصة الإفطار في السفر وتأثير المشقة

يتناول هذا الفصل رخصة الإفطار أثناء السفر في رمضان، مبينا أن الحكم مرتبط بوجود وصف السفر. يشرح أن الضرورات تبيح المحظورات في حالات معينة، وأن الحكم يعتمد على وجود السفر بغض النظر عن المشقة أو الراحة.

تخيير النبي بين الصيام والفطر في السفر

يشرح هذا الفصل حديث حمزة الأسلمي وتخيير النبي بين الصيام والفطر في السفر، ويستدل به على جواز التخيير لمن لديه قوة على الصيام. يبين أهمية سؤال أهل العلم وحرص الصحابة على العبادة.

حكم الفطر للمريض وقضاء الأيام

يجوز للمريض الفطر في رمضان وعليه قضاء الأيام لاحقًا. إذا لم يشق عليه الصيام، فالأفضل أن يصوم اتباعًا لسنة النبي. يبين هذا الفصل الأحكام المتعلقة بحالة المريض.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. طيب، هذا سؤال قبل أن نبدأ بالدرس، يقول: هل يجوز لنا أن نفطر إذا سمعنا المساجد تؤذن المغرب ولم يؤذن في مسجدنا؟ إذا كان الوقت يسير ينتهي هذا ويبتدئ هذا، فالأمر سهل، أنه قد يحصل أن المؤذن ينشغل بتهيئة التشغيل أو نحو ذلك، كدقيقة أو نحوها. أما إذا كان الوقت أكثر من ذلك، فالغالب أن هذا تساهل في التوقيت، والذي عليه الإخوة والحمد لله الحرص على الأذان في الوقت الشرعي، خصوصا في المغرب والفجر، وخصوصا في هذه الأيام، فالأخوة المؤذنون الحمد لله هنا حريصون ويتحرون الدقة في وقت الأذان، خصوصا في هذين الوقتين، وخصوصا في هذه الأيام. فإذا كان الوقت طويلا، فلا أحرص على أن تؤذن مع هذا المسجد، وإذا كان الوقت يسير يؤذن هذا ويبدأ هذا، هذا أمر سهل. قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن شيخ الإسلام المتيني رحمه الله تعالى: قال: أما الجماع فإنه إحدى الشهوتين، فجرى مجرى الأكل والشرب، وقد قال تعالى بالحديث القدسي: «يدع شهوته وطعامه من أجله». ومعنى أنه شهوة اشتهاء، ولذلك يتركها الصائم، وفيه حكمة أخرى سيذكرها المؤلف رحمه الله. قال: فترك الإنسان شهوته عبادة مقصودة يثاب عليها، ومن هذه الشهوة شهوة الجماع. قال: وإن زال المني يجري مجرى الاستفراغ. ومعنى يجري مجرى الاستفراغ يعني مثل إخراج ما في البطن، يعني كأنه يقول: وهذا قياس على تعمد القيء، فإذا كان تعمد القيء في قول بعض أهل العلم أنه مفطر من المفطرات، فمن باب أولى كذلك إخراج الماء، ماء الرجل أو ماء المرأة. ولكن كما قلنا: الصحيح أن تعمد القيء لم يرد به دليل صحيح صريح في أنه مفطر من المفطرات، ولكن النص دل على أن إخراج الماء وإن زال المني أنه مفطر من المفطرات، لعموم قوله: «يدع شهوته». قال رحمه الله تعالى: وإن زال المني يجري مجرى الاستفراغ. فالصائم قد نهي عن أخذ ما يقويه ويغذيه من الطعام والشراب، فينهى عن إخراج ما يضعفه ويخرج مادته التي بها يتغذى. يعني إذا كان نهي عن الأكل والشرب وما يقوي الجسم، ونهي كذلك عما يضعف الجسم، فإخراج هذا الماء من الجسم من أعظم ما يضعف الجسم. هذا معنى كلامه رحمه الله، وهذه فائدة، وكما قلنا: النص قد ورد، ففيه الكفاية. قال: فالصائم قد نهي عن أخذ ما يقويه ويغذيه من الطعام والشراب، فينهى عن إخراج ما يضعفه ويخرج مادته التي بها يتغذى. وكونه يضعف البدن يجعل إفساده للصوم أعظم من إفساد الأكل، إذا كان هذا يضعف البدن، يقول: فإفساده أعظم من إفساد الأكل. هذا قياس قاله العلماء، متنازعون في الحجامة هل تفطر أو لا؟ والأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم» كثيرة، قد بينها الأئمة الحفاظ. وقد كره غير واحد من الصحابة الحجامة للصائم، والكراهة غير التحريم. قال: والقول بأنها تفطر مذهب أكثر فقهاء الحديث، وهؤلاء خصوا الناس باتباع محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والذين لم يروا إفطار المحجوم احتجوا بما ثبت في الصحيح من أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم محرم. وأحمد وغيره طعنوا في هذه الزيادة، وهي قوله: «وهو صائم». وقال: الثابت أنه احتجم وهو محرم. وبأنه بأي وجه أراد إخراج الدم فقد أفطر، وهذا مذهب الإمام أحمد رحمه الله. والبخاري رحمه الله اعتمد هذه الزيادة في صحيحه، ويراها أنها زيادة صحيحة، ولهذا استدل بهذا الحديث على معنى أن الحجامة لا تضر الصائم. ومعنى أنه صحح هذه الرواية أولا، واعتمد معناها ثانيا. وكما قال رحمه الله: المسألة خلافية بين أهل العلم، فمن رأى ذلك القول وهو أن الحجامة تضر، فله وجه، وقد قال بذلك كما قال جماعة من أهل الحديث. ومن قال: إنه لا يضر، فقد قال بذلك جماعة كذلك آخرون من أهل العلم وأهل الحديث. قال رحمه الله تعالى: وقالوا: الثابت أنه احتجم ومحرم، وبأنه بأي وجه أراد إخراج الدم فقد أفطر، هذا على مذهب الإمام أحمد رحمه الله ومن وافقه من أهل العلم. قال: والسواك جائز بلا نزاع، لكن اختلف العلماء في كراهيته بعد الزوال، ولكن لم يقم على تلك الكراهية دليل شرعي يصلح أن يخصص عموم نصوص السواك. وذوق الطعام طيب، يعني معناه أن مسألة السواك الصحيح أنها غير مكروهة، السواك غير مكروه. قال: وذوق الطعام يكره لغير حاجة، لكن لا يفطر، وأما للحاجة فلا يكره. تذوق الطعام لغير حاجة، مثل إنسان يدخل إلى المطبخ قبل الإفطار، فيه فضول، كيف اليوم، السنبوسة يطعمها، يطعم الباجية والمهلبيه ويبسطها، يقول: أنا أبسطها، ما أمرطها، ما أصنع شيء، ما آكل شيء، هذا يلعب ويعبث بصيامه. لكن امرأة تطبخ الطعام، اشتهت تتأكد هل وضعت الملح أم لم تضع الملح، كذلك تريد تتأكد هل قد نضج الطعام أو لم ينضج، لا بأس بذلك، أو طباخ في مطبخ أو مطعم، لا بأس له بذلك للحاجة، لا بأس. وقد قلنا: إنه روي آثار عن عدد من الصحابة والتابعين بأنه إذا احتاج الإنسان إلى ذلك، فلا بأس، ولا حرج على أنه يبسقه، ليس يأكله، يبسقه. وبهذا يكون قد انتهى المؤلف رحمه الله من هذه المتممة التي أراد بها التنبيه على مفطرات الصيام. قال رحمه الله تعالى: باب الصوم في السفر. قال: جاءت هذه الشريعة بالأحكام الميسرة السمحة، تحقيقا لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. فما كان السفر غالبا فيه مشقة وصعوبة، فلما كان السفر غالبا فيه مشقة وصعوبة، وأنه قطعة من العذاب، خفف فيه. ومن تلك التخفيفات الرخصة في الفطر في نهار رمضان، وهي رخصة مستحبة لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ليس من البر الصيام في السفر». وهي رخصة تعم الذي يناله بالسفر مشقة وغيره، ممن تكون أسفارهم راحة ومتعة، لأن الحكم للغالب، يعني وجود وصف السفر كافي في أخذ الرخصة، ولا فرق في كون هذا السفر فيه مشقة أو فيه راحة. قد يسافر إنسان سفرا مريحا للغاية، لو كان في بيته ما تمتع المتعة والراحة التي هو فيها في هذا السفر. قد يقول قائل: هذا الكلام، وهذا يوجد من يقوله من بعض العقلانيين، يمنعون الفطر في السفر المريح، ويجيزونه في السفر الشاق، وهذا ليس بصحيح، لأن الحكم علق بوصف السفر، لم يعلق بالمشقة. قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، ولم يقل: على سفر فيه مشقة، ولم يقل: على مشقة، وإنما قال: على سفر. ولهذا كان الصحيح أن المشقة في السفر وجدت أو لم توجد، فإن السفر رخصة من رخص الإفطار، كما أن المشقة على العكس، المشقة في الحضر ليست بمبرر للفطر. يقول إنسان: أنا عندي عمل شاق، هل ترخصون لي أن أفطر؟ يعمل في المناجم أو يعمل في الصباغة والبناء وحمل الإسمنت، عمل شاق، وربما يعمل في نهار رمضان، هل هذا مبرر لأن يفطر في نهار رمضان؟ الجواب: لا، ليس بمبرر. طيب كيف يعمل؟ يأخذ إجازة أو يبحث له عن عمل آخر، إذا كان ليس عنده عمل، إذا كان ليس عنده عمل آخر، يصبر، المهم لا يجوز له أن يفطر بهذا السبب، هذا السبب غير مبيح له للفطر. وليس معنى هذا أنه على إطلاقه، مثاله: لو أن رجلا عمل في هذا العمل، ظن أنه لن يتعبه ذلك، فعمل حتى تعب، وكاد أن يموت من شدة التعب، فرأى أهل الطب أنه لابد أن يفطر، هل يجوز له أن يفطر؟ الجواب: نعم، يجوز له أن يفطر، دفعا للضرورة، الضرورات تبيح المحظورات. والحكم يختلف ابتداء وتبعا، فيثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا، الحكم باستقلاله يريد أن يفطر قبل العمل، ما يجوز، يريد أن يدخل في العمل ويعلم أنه سيضطر إلى الفطر، لا يجوز. لكن دخل في العمل، ظن نفسه قويا، يستطيع أن يتحمل الصيام مع العمل، ثم تعب في أثناء ذلك، فإنه لا يجوز له كذلك، الضرورات تبيح المحظورات. رجل صائم ضعيف، وجد رجلا غريقا يغرق في الماء، وأراد أن ينزل إلى الماء لينقذ هذا الغريق، وهو يعلم أنه لو نزل على ضعفه هذا، ما استطاع أن ينقذه، بل ربما يغرق معه، هل يجوز له أن يشرب الماء لأجل أن يخرج يتقوى بشرب الماء ويخرج هذا الغريق؟ الجواب: نعم، يجوز له أن يشرب الماء وينزل إلى البحر لينقذ هذا الغريق، الضرورات تبيح المحظورات. وقد نص أهل العلم على هذه المسائل في كتب الفقه المطولة. فالشاهد من هذا أن مسائل الفقه تتجاذبها الأدلة الشرعية، من حيث العلل المنصوص عليها أولا، وثانيا من حيث المصرحة والمفهومة، وقوتها وضعفها ثانيا. قال رحمه الله تعالى: وهي رخصة تعم الذي يناله بالسفر مشقة وغيره، ممن تكون أسفارهم راحة ومتعة، لأن الحكم للغالب. وبمثل هذه الأحكام اللطيفة، نعلم مدى ما تراعيها الشريعة الكريمة من تخفيف ورحمة وملاءمة للأوقات والظروف، ومطالبة الناس أو مطالبة الناس بقدر ما يستطيعون. رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا، لكن كما قلنا: هذا بتقيد بالنصوص الشرعية، أمرنا أن نتقيد بالنصوص. ومع ذلك: الشرع لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق، لكن بالعلل الصحيحة والأسباب الصحيحة، لا بالتوسع. فمثلا ما ذكره صاحب كتاب فقه السنة سيد سابق رحمه الله، من أنه يجوز لأصحاب المناجم والأعمال الشاقة أن يفطروا في نهار رمضان، هذا ليس بصحيح، هذا خطأ مخالف للصواب، ولم يدل عليه الدليل لا من قريب لا من بعيد، بل يجب عليه من يصوم، وأن يأخذوا راحة في هذه الأيام. طيب إن قال قائل: كيف يعملون إذا كانت بعض الأعمال لابد منها، ولا يمكن توقيف العمل؟ ممكن يستجلب أناس من غير المنطقة ممن يحل لهم الفطر، وتندفع هذه الحاجة، لكن لا يكون ذلك على حساب من تجب عليه هذه الفريضة. قال رحمه الله تعالى: الحديث الحادي والثمانون بعد المئة، يعني المهم هذا الباب في الكلام على رحمه الله تعالى: أن عائشة رضي الله عنها: أن حمزة بن عمر الأسلمي، قال للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أصوم في السفر، وكان كثير الصيام. قال: «إن شئت فصم وإن شئت فأفطر». وأقرب ألفاظ الصحيحين لهذا اللفظ هو لفظ البخاري في حديث 1943، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمثله. قال رحمه الله: المعنى الإجمالي: علم الصحابة رضي الله عنهم أن الشارع الرحيم ما رخص في الفطر في السفر إلا رحمة بهم وإشفاقا عليهم. فكان حمزة الأسلمي عنده جلد وقوة على الصيام، وكان محبا للخير كثير الصيام، رضي الله عنه. وبه تعرف بعض ما خفي من حياة الصحابة رضي الله عنهم، من جدهم في طاعتهم وعبادتهم لربهم، فهم ما بلغوا المراتب العالية إلا وكانوا ممن يحرص على الخير، ولهم طاعات وعبادات وأعمال صالحة، وصدق مع الله عز وجل. وحمزة بن عمر الأسلمي من الصحابة، وليس هو من كبار الصحابة، ولا من علمائهم، ومع ذلك كان على هذا الخير، رضي الله عنه أرضاه، فكيف لعلماء الصحابة وأكابرهم، رضي الله عنهم أرضاهم. قال: فسأل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يصوموا في السفر، فخيره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين الصيام والفطر. فقال: «إن شئت فصم وإن شئت فأفطر». قال: ما يؤخذ من الحديث، يعني فوائد الحديث. قال: أولا: الرخصة في الفطر في السفر، لأنه مظنة المشقة. ثانيا: التخيير بين الصيام والفطر لمن عنده قوة على الصيام. واستدل أهل العلم بهذا الحديث على أن حكم الصوم في السفر على التخيير، إن شاء أفطر وإن شاء صام، إن شاء أفطر وإن شاء صام، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سئل هذا السؤال الصريح، فخير بين الصوم وبين الفطر. وسئل معنى: أن هذا التخيير في حق العموم، كمسألة عامة، لكن يعلم الأفضل من فعل النبي عليه الصلاة والسلام، فإن النبي عليه الصلاة والسلام يحرص على الأفضل. فإن قال قائل: إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يحرص على الأفضل، فلماذا لم يدل هذا الصحابي عليه؟ الجواب: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يترك العمل خشية أن يشق على الناس. فلذلك لو أفتى بأنه يصوم، ربما كلف هذا الرجل على نفسه، كلف على نفسه، فشق على نفسه، وربما من يبلغه بعد ذلك الحديث، يشق على نفسه ويكلف على نفسه، مع أن الأمر فيه سعة ورخصة. ولو كان هذا التكليف مع العلم أنه ليس على وجه الوجوب، وإنما على وجه الاستحباب، لكن خشية المشقة مانعة من ذلك. وهذا له قرائن، وكذلك أوجه تشابهه في هدي النبي عليه الصلاة والسلام وطريقته. قال رحمه الله تعالى: قال ثانيا: التخيير بين الصيام والفطر لمن عنده قوة على الصيام، والمراد بذلك صوم رمضان. ويوضح ما رواه أبو داود والحاكم: أن حمزة بن عمر، قال: يا رسول الله، إني صاحب ظهر، نعالجه، أسافر وأكريه، يعني عنده جمال يشتغل عليها في السفر، وربما صادفني هذا الشهر، يعني رمضان، وأنا أجد القوة عليه، وأجدني أن أصوم، أحب إلي من أن أؤخره، فيكون دينا علي. فقال: «أي ذلك شئت يا حمزة». وهذه الرواية على تقدير صحتها لا ينافي ما ذكر، فجوابه ما أجيب به على هذا الحديث. وأيضا كذلك في هذا الحديث من الفوائد كذلك: أولا: قبل الصحابة رضي الله تعالى عنهم أرضاهم، واجتهادهم في عبادتهم لله عز وجل. وفيه كذلك: أهمية سؤال أهل العلم في مسائل العلم والعمل، فإذا كان الصحابة رضي الله عنهم يحرصون على السؤال، على ما عندهم من العلم، والحرص على الخير، فكذلك نحن، نحن أولى بهذا السؤال. وفيه كذلك: مشروعية السفر في نهار رمضان، ولو كان ذلك سيؤدي إلى الفطر، خلافا لمن زعم أنه يكره السفر في رمضان، لأن ذلك سيؤدي إلى الفطر. وفرق بين من له حاجة فيسافر، وبين من يحتال على الفطر في رمضان بالسفر، فإن الحيلة لا تزيد صاحبها إلا حرمة، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». فمثلا فتوى بعض الشافعية: يجوز للعريس الجديد أن يخرج مسافة سفر ويرجع إلى بلده وهو مفطر، انظروا إلى حيلة حتى يفطر العرسان في نهار رمضان، هل هذا سفر؟ الجواب: لا، لماذا؟ بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات»، لما خرج ما نوى السفر أصلا، نوى الحيلة. خرج من بلده يريد يقطع مسافة السفر، هل للسفر؟ الجواب: لا، لأجل الحيلة، وليس له من عمله إلا ما نوى. فما دام الحيلة، فهو يأثم مرتين: يأثم لفطره في نهار رمضان، ويأثم لتحايله في فعل الحرام بصورة الحلال. ولأجل هذا وغيره: لعن الله عز وجل اليهود الذين كانوا يحتالون على شريعة الله، كما في الصحيحين من حديث جابر: «إن الله لما حرم على اليهود شحوما، جملوه ثم باعوه ثم أكلوا ثمنه، لعنهم الله عز وجل لأجل ذلك»، لأنهم كانوا يتحايلون على شريعة الله. ويأتي بعض الفقهاء في هذا الزمان، من يعلم الناس الحيل، ويظن أنه بذلك محسن، ولا يدري أنه مسيء، بل وللأسف ألف بعضهم كتابا في الحيل، حيل، كتاب من أول إلى قرة، حيل وتحايل على شريعة الله عز وجل. ومن فوائد هذا الحديث كذلك: جواز الاستمرار في الفطر، ولو كان ذلك من كثير السفر، بعض الناس أصحاب سيارات الأجرة، يشق عليهم أن يقترروا من الفطر، يقولوا: كيف نحن دائما نسافر، يوم في حضرموت، يوم في صنعاء، نسافر كثيرا، فهل يجوز لنا الفطر؟ الجواب: نعم، يجوز لك الفطر، لكن الواجب ما سقط عليك، لا يزال عليك القضاء. أما الجواز: يجوز لك الفطر، وإن سألت: أيهما أفضل؟ إن كان لا يشق عليك، فالأفضل الصيام، إن كان لا يشق عليك، اتباعا للنبي عليه الصلاة والسلام، كما سيأتي معنا إن شاء الله في الحديث الآتي. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.