كتاب الجنائز 15

كتاب الجنائز 15

الدرس في كتاب الجنائز 15، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في حكم زيارة النساء للقبور

تناول الشيخ مسألة زيارة القبور وخصص المبحث الثاني لزيارة النساء للقبور، مشيراً إلى اختلاف الأدلة بين المنع والجواز. واستعرض بعض الأحاديث النبوية ذات الصلة بهذا الحكم.

تحليل أدلة مشروعية أو منع زيارة النساء للقبور

ناقش المقطع بعض الأحاديث النبوية المتعلقة بزيارة النساء للقبور، وفرق بين الأحاديث العامة والخاصة والصحيحة والضعيفة، لتحليل دلالتها على الحكم الشرعي لزيارة النساء للقبور.

تأصيل حكم زيارة النساء للمقابر

تناول المقطع حكم زيارة النساء للمقابر واستدل بعض أهل العلم بحديث أم عطية، وناقش الروايات المختلفة حول لعن "زوارات القبور"، موضحاً أن النهي يشمل حتى الزيارة غير المتكررة.

الاستنتاج في حكم زيارة النساء للقبور

ناقش المقطع حكم زيارة النساء للقبور، مشيراً إلى أن الفتنة التي قد تقع بسبب زيارتها بسبب قلة عقلها وصبرها، وتضرر الأموات من تسخطها، يدل على أن المنع هو الحكم الأقرب للصواب.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، ثمة لما سبق فيما ذكره الشوكاني، رحمه الله تعالى، في مسألة زيارة القبور، وقلنا أن تحت هذا المبحث ثلاثة مباحث، أخذنا المبحث الأول، وهو مسألة أصل زيارة القبور، وأنها على ثلاثة أقوال، والصحيح بذلك التفصيل، فليست الزيارة ممنوعة مطلقا، ولا مشروعة مطلقا، ولكن الصحيح التفصيل، فرب زيارة يكون الأمر فيها المنع، ورب زيارة تكون على أصل الرخصة والنسخ الذي رخص به النبي، عليه الصلاة والسلام: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها». وهكذا كذلك حديث أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، في صحيح مسلم: «زوروا القبور فإنها تذكر الموت». فهذه الأحاديث تدل على هذا المعنى. لكن كما مرت معنا أن هناك صور يكون فيها المنع، مثل حديث عائشة في الصحيحين: «لعن الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، قالت عائشة: «ولولا ذلك لأبرز قبره». وهكذا كذلك مثل ما فعل في قبر دانيال، وهكذا كذلك لا يزال العلماء على هذا المعنى، أن القبر الذي يظن الافتتان به، فإنه يبعد عن الناس، ولا يزار، ولا يمكن الناس من زيارته. بل ذهب بعض أهل العلم، كما سبق، أنه إذا وقعت الفتنة في زمن من الأزمان، والاعتقاد الفاسد في القبور، كان القول بالمنع من زيارتها أولى من القول بالترخيص بزيارتها، على أصل دوران الحكم مع علته وجودا وعدما، فإنما كان ممنوعا لعلة، وعادة العلة يعود الحكم بعود العلة، فالحكم يدور مع علته وجودا وعدما. والمبحث الثاني هو مبحث زيارة النساء، وأشار إليه المؤلف، رحمه الله تعالى، وأشار إلى الخلاف فيه. وخلاصة الخلاف في هذه المسألة: هل يجوز للنساء زيارة القبور أو لا يجوز؟ على ما ورد من أحاديث في هذا الباب، فقد وردت أحاديث بالنهي، ووردت أحاديث بما قد يظن أو يدل على الجواز. وهذه الأحاديث التي فيها النهي منها ما هو صحيح، ومنها ما هو ضعيف، والأحاديث التي فيها الرخصة منها ما هو صحيح، ومنها ما هو ضعيف. وعند النظر والتحقيق، يجد المنصف أن الأدلة الدالة على المنع أقوى من الأدلة الدالة على الجواز، وذلك لأن الأدلة الدالة على الجواز هي على ثلاثة أنواع: النوع الأول عمومات لا تدل صريحا على الرخصة، والنوع الثاني صريح لكنه ضعيف ليس بصحيح، والنوع الثالث ليس بصريح وإن كان صحيحا. فمثال الأول العمومات، قول النبي، عليه الصلاة والسلام، فيما رواه مسلم في حديث بريدة المتقدم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها»، استدل من استدل بهذا العموم أن النساء يدخلن في هذا الحكم. ومثال الثاني، وهو الصحيح لكن الصريح الذي هو ضعيف، ما ثبت أو ما جاء، نقول: ما روي عند ابن ماجة: «أن عمر صاحب امرأة في جنازة، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: دعها يا عمر». وهذا الحديث ضعيف، فيه سلم بن الأزرق، ومجهول العين. ومثال الصحيح الذي ليس بصريح، ما جاء بحديث عائشة في زيارة قبر أخيها عبد الرحمن، وهكذا كذلك ما جاء في تعليم النبي صلى الله عليه وسلم عائشة دعاء زيارة القبور. فهذان الحديثان ليسا بصريحين، وإن كانا من الأحاديث الصحيحة. أما حديث عائشة في زيارة قبر أخيها عبد الرحمن، أولا ينبغي أن ننتبّه أنه روي فيها روايات أنها زارت القبر، وهذه الروايات كما نبه الحفاظ أنها ليست محفوظة، وأن المحفوظ فيها أنها مرت بقبره في طريقها إلى مكة، ولم تزره. على أن الروايات التي فيها زيارتها، كما أشار الشارح، رحمه الله تعالى، وغيره من أهل العلم ممن ذكر هذه المسألة، فيها أنها تندمت وتأسفت على هذه الزيارة. وهكذا كذلك يؤكد ذلك أن عائشة أحد من نقل عنها المنع، أي في زيارة النساء للقبور، كما نقل ذلك ابن المنذر، رحمه الله تعالى، وغيره، واحد من أهل العلم. وهذا أقرب في هذا المروي عن عائشة، رضي الله عنها. وهكذا كذلك ما روي في دعاء الزيارة، فإنه يحمل على من مر على المقبرة، ليس من قصدها للزيارة. وتعرفون القبور قديما، ولا زالت إلى زماننا هذا، في بعض البلاد ليست محاطة بسور، ولا لها أبواب، ولكنها تكون في ناحية، في طرف القرى والمدن، فتكون مكشوفة، فيمر بجانبها الرجل أو المرأة مرورا، فإذا مر بها فإنه يدعو بهذا الدعاء. فيفرق بين الزيارة المقصودة وبين المرور. وأما حديث المنع، فمنها ما هو عام، مثل حديث أم عطية: «نهينا عن اتباع الجنائز ولم يُعزم علينا». وهكذا كذلك حديث: «لعن النبي صلى الله عليه وسلم زائرات القبور». وهذا الحديث بهذا اللفظ ضعيف، وصح أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن «زوارات القبور». وهكذا كذلك أحاديث أخرى، وهي ضعيفة، مثل حديث فاطمة في قصة النبي عليه الصلاة والسلام معها، حين قال لها: «أبلغت معهم الكدى». وأشار إلى ذلك الشارح، رحمه الله تعالى، وهو ضعيف. فالشاهد منه ما هو صحيح، ومنه ما هو ضعيف، لكن الصحيح منه يشعر بأن للنساء حكما خاصا يختلف عن حكم الرجال. أولا حديث أم عطية، قولها: «نهينا عن اتباع الجنائز ولم يُعزم علينا»، نهينا، الأصل فيه عند أهل العلم أنه للتحريم. وقولها: «ولم يُعزم علينا»، أجيب عليه بأجوبة، منها أن هذا من اجتهادها، رضي الله عنها وأرضاها، وذلك أنه أُكِّد هذا النهي بأحاديث أخر، وفُسِّر كذلك: «ولم يُعزم علينا» يعني لم يُعزم علينا في النهي في بادئ الأمر، ولكن عزم على ذلك بنقل غيرها. ومما يُؤكد أن هذا النهي يُخرج الحكم -حكم النساء- عن ذاك العموم الذي استدل به بعض أهل العلم، أي في الرخصة، أن هذا الحديث جاء أنه كان في آخر الأمر، فإن هذا الحديث روي مع رواية أم عطية في إخراج العواتق إلى العيد، فدل أن هذا من آخر ما روي عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فكيف إذا انضاف إلى ذلك الرواية الصحيحة التي جاءت من حديث أبي هريرة، وحديث ابن عباس، وحديث حسان بن ثابت، وهؤلاء ثلاثة من الصحابة، يرون حديث النبي عليه الصلاة والسلام أنه لعن «زوارات القبور»، هكذا رواه كثير من أهل العلم من المتأخرين. وقال بعض أهل العلم: لم يسمع هذا الحديث إلا «زوارات القبور» بضم الزاي، كما نقل ذلك غير واحد من أهل العلم. والفرق بين اللفظين أن «زوارات» بالفتح يفيد الكثرة، يعني كثرة الزيارة، فعلى هذا قال بعض أهل العلم: أنهى إن صح عن كثرة الزيارة. وأما إذا كانت الزيارة بغير تكرار فإنه لا بأس، والأمر ليس كذلك لما سبق. وهكذا كذلك يؤيده أنه روي بلفظ «زوارات القبور» جمع زائر، زوارات، أي للإناث، هكذا روي. بل قال جلال الدين المحلي في شرح المنهاج: أنه روي سماعا بالضم. وأما القياس بالفتح، يعني لم يعرفه سمعا في رواية هذا الحديث إلا بالضم. ورواية الضم يفيد ولو كانت الزيارة مرة واحدة، فإنه يدخل في اللعن. وهكذا كذلك نقل هذه الرواية بالضم السيوطي، وهكذا السندي في حاشيته على ابن ماجة، وغير واحد من أهل العلم. فدل ذلك على أن الصحيح أن الزيارة منهي عنها للنساء، سواء أكانت بتكرار وكثرة أو لم يكن. فكيف إذا انضاف إلى ذلك أنه روي هذا المعنى عن أكثر الصحابة، كما نقله ابن المنذر، رحمه الله تعالى، فنقل أنه قد كرهه ابن مسعود، وابن عمر، وأبو هريرة، وعائشة، وجماعة من الصحابة والتابعين والأمة. وروي كذلك عن بعض من قال بالجواز، كالإمام مالك، رحمه الله، أن المرأة الشابة تنهى عن ذلك. فكيف إذا انضاف إلى ذلك كذلك الفتنة التي قد تقع بزيارة النساء، لقلة عقلها وقلة صبرها، وكثرة الافتتان بها من قبل الأحياء، وتضرر الأموات من تسخطها وعدم صبرها، فكل ذلك يدل على أن الحكم الأقرب للصواب في زيارة النساء هو المنع. طيب، نكتفي بهذا القدر، ونكمل إن شاء الله في درس قادم، والله أعلم.