كتاب الجهاد 2

كتاب الجهاد 2

الدرس في كتاب الجهاد 2، 3-باب تحريم الغدر . 4-باب جواز الخداع في الحرب . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحريم الغدر وأحكامه

يناقش تحريم الغدر وعقابه الشديد يوم القيامة، حيث يعتبر من أعظم الذنوب ويترتب عليه عقاب شديد. الغدر محرم في الإسلام ويعتبر من صفات المنافقين.

جواز الخداع في الحرب وضابطه

يشرح جواز الخداع في الحرب وضابطه الشرعي، حيث يجوز خداع الكفار بشرط عدم نقض العهد أو الأمان، مستشهدا بأحاديث نبوية وقصص تاريخية.

الاعتدال في فهم الحيلة والمكر

يحذر من التطرف في فهم معاني الحيلة والمكر، حيث يجب اتباع الوسط والاعتدال في فهم هذه المفاهيم بشكل متوازن. يشير إلى أن بعض الناس قد يظن أن كل حيلة أو مكر ممنوع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب تحريم الغدر. قال حديث بن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة، فيقال: هذه غدرة فلان ابن فلان». قال: أخرجه البخاري بكتاب الأدب، باب ما يدعى الناس بآبائهم. قال حديث عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لكل غادر لواء يوم القيامة ينصب يوم القيامة يعرف به». والظاهر أنه ها هنا حصل سقط، سيأتي التنبيه عليه. قال: باب جواز الخداع في الحرب. قال حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحرب خدعة». ويجوز خدعة، ويجوز كذلك خدعة، ثلاث لغات كلها جائزة في خدعة وخدعة وخدعة. قال: أخرجه البخاري بكتاب الجهاد، باب الحرب خدعة. قال حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمى النبي صلى الله عليه وسلم الحرب خدعة. قال: أخرجه البخاري بكتاب الجهاد، باب الحرب خدعة. أورد المؤلف رحمه الله هذين البابين وما فيهما من أحاديث في هذا الموضع ليشير بهما رحمه الله إلى ما ورد من أدلة في هذا الباب، فيستخلص منه ما يجوز وما لا يجوز في الحرب من معاني قد يظن الظان أنها ممنوعة. فأورد أولا باب تحريم الغدر، والغدر مأخوذ من لفظه، وهو المكر المذموم والخداع المذموم. ولهذا أتبعه باب جواز الخداع في الحرب. فالغدر من المكر ومن الخداع، لكنه على وجه مذموم، ولهذا لا يكون إلا قبيحا مذموما. فأطلق في هذا الموضع، لم يقل باب تحريم الخداع أو المكر في الحرب، لأن الخداع يشمل المذموم والمحمود، والمكر يشمل المذموم والمحمود، بخلاف الغدر، وهكذا كذلك الخيانة، ليس يرد إلا على وجه المذموم. ثم أورد حديث ابن عمر، وأشار إلى مخرجه، وعلى قاعدته الحديث الصحيحين واللفظ لفظ البخاري، وهو كما هو. أخرجه البخاري في الباب المشار إليه، فقال رحمه الله: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، فذكر الحديث بلفظه في نفس الباب والكتاب المشار إليه، باب ما يدعى الناس بآبائهم. وهكذا حديث عبد الله بن مسعود أخرجه البخاري في الباب المشار إليه، فقال: حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا شعبة عن سليمان الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله. وقال: وعن ثابت عن أنس، لكن لفظه ليس بهذا اللفظ، فهو في صحيح البخاري من طريق صحابيين اثنين، عبد الله بن مسعود وأنس. ولهذا فيه عن سليمان الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله، وعن ثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لكل غادر لواء يوم القيامة ينصب». قال: وقال الآخر: «يرى يوم القيامة يعرف به». يعني في حديث بن مسعود: «ينصب»، وفي حديث أنس: «يعرف». وفي حديث أنس: «يعرف». وها هنا كما نرى المؤلف رحمه الله جمع لفظ الحديثين في حديث واحد، ولم يشر إلى أنه جاء في حديثين. والصواب أن نشير إلى أنه ورد عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله، وعن ثابت عن أنس قال: «لكل غادر لواء يوم القيامة». قال أحدهما: «ينصب»، وقال الآخر: «يرى يوم القيامة يعرف به». وهذان الحديثان يدلان على تحريم الغدر، ولو كان في الجهاد في سبيل الله، ولو كان فيما يظن أنه يريد به نصرة الإسلام والمسلمين، لأنه لا يكون بالحرام، فإن ما عند الله لا ينال بالحرام. وجاء في رواية لمسلم في حديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، يرفع لكل غادر اللواء»، فذكر الحديث بلفظه. وكذلك صح في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد وهو من أفراد الإمام مسلم في هذا الباب، أنه قال عليه الصلاة والسلام: «لكل غادر اللواء عند استه يوم القيامة يرفع بقدر غدره». قال: «ألا ولا غادر أعظم غدرا من أمير عامة». فدل على أن الغدر محرم، وأنه كذلك من أعظم الذنوب، ويكون له مثل هذه العاقبة البشعة الشنيعة، ويفضح يوم القيامة على مرأى ومسمع من الخلائق أجمعين. وأن اللواء، وهو ما يرفع من علم يشار به إلى موضع الغادر، يعرف في ذلك اليوم أن هذا إشارة إلى أن هناك غادرا، فيظهر للناس جميعا، وأنه بحسب غدره يرفع. وقول أبي سعيد: «ولا غادر أعظم غدرا من أمير عامة»، ظاهره أنه مرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه أن هذا الباب من أعظم الغدر، أي أن يكون أمير عامة ثم يغدر بأمته ومن تحته من رعية. وفي مقابل هذا من الغدر كذلك غدر الرعية مع الأمير، كما جاء في حديث ابن عمر في البخاري، أنه قال بعد أن ذكر الحديث: قال: «وإني لا أعلم غدرا أعظم من أن يبايع رجل على بيع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ينصب له القتال». وفيه قصة مشهورة في مبايعة عبد الله بن عمر لبني أمية، وتشديده على أولاده في أن يغدر أحدهم بهذه البيعة. وهو أي الغدر محرم عموما، ومن هذا العموم كذلك ما يكون في باب الجهاد. ولهذا لم يكن هو من صفات الحمد، بل هو من صفات الذنب، ولم يتصف بها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ففي الصحيحين من حديث ابن عباس في قصة أبي سفيان حين سأله هرقل عظيم الروم عن صفات نبينا عليه الصلاة والسلام قال له: «هل يغدر؟» قال: «لا يغدر». «ونحن منه في مدة» -يعني صلح الحديبية- «ولا ندري ما هو صانع فيها» -الحديث- فقال: «وهذا الشاهد». قال هرقل: «وكذلك الأنبياء لا يغدرون» -يعني من صفات الأنبياء أنهم لا يفعلون هذا الفعل والخلق الذميم- وهذا الفعل والخلق الذميم. وهو كذلك من صفات المنافقين، ففي حديث عبد الله بن عمر في الصحيحين في خصال النفاق: «من خصال المنافقين أنه إذا عاهد غدر، إذا عاهد غدر». وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك في البخاري من حديث أبي هريرة: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة»، وذكر منهم: «رجل أعطى بي ثم غدر، رجل أعطى بي ثم غدر». فنستفيد من هذا أن الغدر بكل معنى من معانيه محرم، وليس فيه شيء جائز. والغدر مأخوذ من المكر بخفاء، لكن كما قلنا على وجه مذموم، ولهذا ذكر في نقض العهد وصفات المنافقين، وذكر في عدم أداء الأمانة بالنسبة للراعي مع الرعية، وذكر في عدم أداء البيعة من الرعية مع الراعي، وذكر كذلك في عدم إعطاء الأجرة ممن استوفى عمله، وذكر كذلك في القتال في سبيل الله. فلا يجوز أن يغدر المسلم ولو كان في الجهاد، ولو كان في الجهاد. ومع الباب الذي بعده، باب جواز الخداع في الحرب، يعلم أن في شيء من الحلال فسحة عن هذا الحرام، كما يقال في التورية، وكذلك ما يكون معها من معاذير فسحة عن الكذب -أي المحرم- وكذلك في الخداع والمكر المأذون فيه ما هو فسحة وغنية عن الغدر والخيانة المحرمة. ولهذا أتبع الإمام مسلم رحمه الله أحاديث الخداع في الحرب بعد أحاديث الغدر. وتبويبات المؤلف رحمه الله هنا تمشي على ما جرت عليه الترتيب الإمام مسلم وما بوب عليه. فذكر حديث جابر بن عبد الله، هو في الصحيحين على قاعدته، واللفظ للإمام البخاري. وقد أخرجه الإمام البخاري في الباب المشار إليه، باب الحرب خدعة، فقال رحمه الله: حدثنا صدقة بن الفضل قال: حدثنا ابن عيينة عن عمرو أنه سمع جابر بن عبد الله، فذكر الحديث بلفظه. وهكذا حديث أبي هريرة أخرجه البخاري في الباب المشار إليه، وهو في الصحيحين. وهذا لفظ الإمام البخاري أخرجه في نفس الباب المشار إليه، فقال رحمه الله: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة عن بريد بن عبد الله عن أبي بردة عن أبي هريرة، فذكره بلفظه. فهذه الأحاديث تدل على جواز الخداع في الحرب. والخدعة في الحرب المقصود منها هو ما كان من حيله ومكر على وجه محمود غير مذموم، على وجه محمود غير مذموم. قال النووي رحمه الله: اتفق العلماء على جواز الخداع في حرب الكفار كيف ما أمكن، إلا أن يكون في نقض عهد أو أمان فلا يحل -يعني إذا كان فيه نقض للعهد والأمان فهذا لا يجوز ولا يحل- إذن هو نوع من الحيلة والمكر تستعمل في الوجه المأذون فيه المحمود فقط، ولا يكون في غير ذلك. فما كان فيه بنقض عهد فهذا من الخداع المحرم، ومنه كذلك الخيانة المحرمة. وإنما المأذون فيه ما كان على وجه يأذن بمثله الشرع، فينتبه لهذا. وأمثلة ذلك كثيرة، فمن ذلك ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من التورية إذا خرج في الغزو، كما جاء في حديث عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد غزوة ورى بغيرها، وقال: «الحرب خدعة». والحديث صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه. وهكذا كذلك من ذلك كونه عليه الصلاة والسلام يستعمل بعض العيون والجواسيس الذين ينظرون حال العدو، فإن ذلك من خدعة الحرب، وهذا مما أذن فيه، مع أن أصل التجسس محرم، لكن لما كان على هذا الوجه المحمود فهو من الخدعة المأذون فيها. ومن ذلك ما أشار إليه أهل السير والتاريخ في قصة نعيم بن مسعود في يوم الخندق، والقصة وردت برواية ضعيفة وأخرى ترتقي إلى الحسن صحيحة رواها الإمام البيهقي في الدلائل عن عائشة رضي الله تعالى عنها، وخلاصتها أنه أسلم -وقيل لم يسلم- جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم على الرواية التي فيها أنه أسلم، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله إني أسلمت، فهل تأمرني بشيء؟» قال له: «إنك واحد، ولكن الحرب خدعة، فانظر ما تصنع في تخذيلهم». فذهب إليهم وأخبرهم أن يهود جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا له: «هل تكف عنا على أن نعطيك بعض رقاب قريش وتقتلهم؟» -وكانوا قد صالحوا قريش- وهذه الرواية ضعيفة لم تصح بهذا الإسناد، لكن صح معناها من طريق آخر من حديث عائشة أنها قالت: «كان نعيم بن مسعود رجلا» -يعني نقالا للحديث- ثم ذكرت أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن يهود قالوا كذا» -بمعنى الكلام السابق- فذهب فأخبر قريش، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحرب خدعة». وهذا الثاني فيه معنى قريب من الأول، ويصحح أهل العلم. وأيا كانت القصة، المقصود من هذا هو أخذ هذا المعنى، وهو أنه يجوز خداع الكفار بما يدفع شرهم وكفرهم في الغزو. فهذه أمثلة توضح معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الحرب خدعة»، إذن المقصود منه ليس على وجه محرم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين: قال الحيلة والمكر والخداع منه محمود ومذموم، بخلاف الغدر والخيانة. معنى كلامه رحمه الله: فإذا كان كذلك فينتبه المسلم أنه لا يفعل شيئا من ذلك فيقع في الحرام، وإنما يفعل المأذون فيه. وهذا يحتاج لعلم حتى يميز بين المأذون وبين الممنوع، فلا يجوز مثلا أن يفعل المحرم ويقول: «الحرب خدعة»، سواء محرم بنفسه أو محرم بغيره. فبعض من ظن أنه ينصر الإسلام بما يسمى جهادا وهو ليس بجهاد، أضاعوا دينهم، فحلقوا اللحى وتشبهوا بالنساء والفساق، وربما والعياذ بالله لبس بعضهم الصليب وفعلوا وفعلوا بحجة «الحرب خدعة»، هذا باطل. «الحرب خدعة» في ماذا؟ في المأذون فيه، ليس في المحرم غير المأذون فيه، إنما في المأذون فيه، ثم كذلك بضوابطه وشروطه وزمانه ومكانه الذي يؤذن فيه. وأمثال هؤلاء حرموا الفقه والعلم، فتخبطوا، فأضروا أنفسهم وأضروا غيرهم. وهكذا كذلك مما يناسب التنبيه عليه ما قد يظنه بعض الناس في مقابل هذا أن كل معنى من معاني الحيلة والمكر ممنوعة، وهذا ليس بالصحيح. والصواب هذا الوسط، نكتب بهذا والله تعالى أعلم.