الدرس في كتاب الجهاد 17، 31-باب غزوة خيبر . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل غزوة خيبر حيث غزا النبي صلى الله عليه وسلم خيبرا مع أصحابه وفتحت عنوة، ويذكر تفاصيل من حديث أنس بن مالك وسلمة بن الأكوع حول الغزوة.
يتناول هذا الفصل حادثة استشهاد عامر بن الأكوع في غزوة خيبر ورد النبي صلى الله عليه وسلم على من زعم أن عمله انحبط بسبب وفاته نتيجة إصابة عرضية.
يشرح هذا الفصل بعض الأحكام والفوائد المستنبطة من الأحاديث المتعلقة بغزوة خيبر، مثل حكمة القتال وتحريم الحمر الأهلية وعذر الخطأ في القتل.
يشير هذا الفصل إلى أهمية نية الفاعل واجتهاده في عمل الخير، ويبرز مفهوم أن فاعل الخير الذي يخطئ في عمله الخيري إذا كان مأذونًا له في الاجتهاد، فإنه يحصل على الأجر مرتين.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب غزوة خيبر. حديث أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا خيبرا. قال: فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس -يعني صلى الفجر في أول الوقت- قال: فركب النبي صلى الله عليه وسلم وركب أبو طلحة، وأنا رديف أبي طلحة، فأجرى نبي الله صلى الله عليه وسلم في زقاق خيبر، وإن ركبتي لتمسان فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم. ومعنى دخولهم في طرق خيبر، فالزقاق هي السكك الطريق ومداخله الصغار. قال: ثم حسر الإزار عن فخذه حتى إني أنظر إلى بياض فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم. وفيه دليل على جواز كشف هذا الموضع من العورة المتوسطة. وقد قسم العلماء العورة إلى ثلاثة أقسام: عورة مغلظة وهما السوأتان -أي بالنسبة للرجل- فلا يجوز كشفهما بحال إلا للضرورة، وعورة متوسطة وهو ما بين الركبة إلى السرة، ويجوز كشفهما ما دون السوأتين عند الحاجة، وهذا هو أوسط الأقوال في الفخذ جمعا بين الأدلة. فلما دخل القرية قال: الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين. قالها ثلاثا. قال: وخرج القوم إلى أعمالهم، فقالوا: محمد والخميس -يعني الجيش- قال: فأصبناها عنوة. أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب ما يذكر في الفخذ. وقوله: والخميس، أي والجيش، وسمي جيشه عليه الصلاة والسلام خميسا لأنه كان يقسم خمسة أقسام: مقدمة ومؤخرة وميمنة وميسرة ووسط وهو القلب. قال: حديث سلم بن الأكوع رضي الله عنه قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، فسرنا ليلا. فقال رجل من القوم لعامر: يا عامر، ألا تسمعنا من هنيهاتك -يعني شعرك- قال: وكان عامر رجلا شاعرا، فنزل يحدو بالقوم يقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا، فاغفر فداء لك ما أبقينا، وثبت الأقدام إن لقيتنا، وألقين سكينة علينا، إنا إذا صيح بنا أبينا، وبالصياح عولوا علينا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من هذا السائق؟ قال: عامر بن الأكوع، قال: يرحمه الله. قال رجل من القوم: وجبت يا نبي الله، لولا أمتعتنا به. فلما أتينا خيبر فحاصرناهم حتى أصابتنا مخمصة شديدة -يعني امتحان وبلاء شديد- فالمخمصة يطلق على الشدة، فقد تكون في الجوع وقد تكون في غيرها. قال رحمه الله: ثم إن الله تعالى فتحها عليهم، فلما أمسى الناس مساء اليوم الذي فتحت عليهم أوقدوا نيرانا كثيرة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما هذه النيران؟ على أي شيء توقدون؟ قالوا: على لحم. قالوا: على أي لحم؟ قالوا: لحم حمر الإنسية. قال النبي صلى الله عليه وسلم: أهريقوها وكسروها. فقال رجل: يا رسول الله، أو نهريقها ونغسلها؟ قال: أو ذاك. قال: فلما تصاف القوم كان سيف عامر قصيرا، فتناول به ساق يهودي ليضربه، ويرجع ذباب سيفه فأصاب عين ركبة عامر، فمات منه. ومعنى أنه ارتد عليه السيف فقتل نفسه خطأ. قال: فلما قفلوا، قال سلم: أهرآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وآخذ بيدي، قال: ما لك؟ قلت له: فداك أبي وأمي، زعموا أن عامرا انحبط عمله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: كذب من قاله. وكذب يأتي بمعنى تعمد قول غير الحق، ويأتي بمعنى عدم قول الحق ولو خطأ، والمراد به هنا أي أخطأ من قال ذلك. قال: إن له لأجرين، وجمع بين إصبعيه هكذا، إنه لجاهد مجاهد، قل عربي مشى بها مثله. أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة خيبر. ومعنى أنه بُعِّف له الأجر: أجر الجهاد وأجر الخطأ. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب في سياق ذكره لأحكام الجهاد وذكر غزوات النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: باب غزوة خيبر، أي هذا مدخل في معرفة ما ذكر من أحكام غزوة خيبر. وقد كانت في السنة السابعة للهجرة في شهر جمادى الأولى. ووردت فيه أحاديث كثيرة، ومن الأحاديث المتفق عليها هذا الذي ذكره رحمه الله في هذين الحديثين. فيه من المسائل: حكمة الإمام وولي الأمر في القتال، وأمير الجيش في ترقب الوقت المناسب في الدخول على العدو. وفيه: مشروعية تقديم صلاة الفجر، وكذلك تخفيفها ما دام في وقتها في أول الوقت ولو بغلس -يعني مع شدة الظلمة- ما دام قد دخل وقت الفجر. وفيه: أن الفخذ عورة، وهذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم، لكنها عورة متوسطة. وفيه: تشجيع الجيش بالقول والفعل بما يكون به إعانتهم على النصر، وكذلك إدخال الرعب على العدو. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: الله أكبر، خربت خيبر، إلى آخر قوله عليه الصلاة والسلام. وفي الحديث الثاني: مشروعية الشعر، فالشعر ممدوح بحسب ما فيه، إن كان فيه ما يمدح فهو ممدوح، وإن كان فيه ما يذم فهو مذموم. وفيه: تحريم الحمر الأهلية -وهي الإنسية- وسميت إنسية لأنها تأنس الإنسان، بخلاف الحمر الوحشية التي لا تستأنس بالإنسان وتفر منه. وفيه: عذر الخطأ ولو كان ذلك في القتل، وأدلة القرآن والسنة تدل عليه. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. وهذا عام. وقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾. وفيه: أهمية سؤال أهل العلم، فإذا كان الصحابة رضي الله عنهم استشكل عليهم هذا الأمر حتى اختلفوا، ولكن بسؤال النبي صلى الله عليه وسلم زال الإشكال، فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم أن له الأجر مرتين. وفيه دليل على أن فاعل الخير إذا أخطأ فيه وكان خطأه يترتب عليه ضررا على نفسه وهو مأذون له في هذا الاجتهاد، فله الأجر مرتين.