الدرس في التعليق على شرح الميمية للعلامة العثيمين 4، الدرس الرابع:من( ثم قال رحمه الله:وذللها حتى استكانت لصولة الـ*المحبة لا تلوي ولا تتعلثم ... لأن الريح هي التي تأتي بالروائح فسلوها كم تحملت من الأشواق الكثيرة!). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح معنى المحبة وأثرها على الإنسان ودلالة الله عز وجل للقلوب. المحبة أساس العبودية لله تعالى ومتابعة شريعته.
المحبة الصحيحة لله تعالى تذلل النفوس وتجعلها مستعدة للوصول إلى الله، وتوجيه المحبة لله وحده واتباع محبته سبحانه وتعالى أمران مهمان.
المحبة الصادقة لله تعالى تجعل الصعاب هينة وتذلل النفس للطاعة، وتلغي الفوارق الزمانية والمكانية، وتتجلى في شواهد واضحة.
الكون بما فيه من ريح وجمادات يشهد بمحبة الله تعالى، واتباع منهج السلف الصالح عون للعبد في رحلته الإيمانية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: محمد بن صالح المنثيمين، رحمه الله تعالى، في تعليقه على قصيدة الميمية للإمام بن القيم، رحمه الله. قال: ثم قال رحمه الله: «وذل لها حتى استكانت صولة المحبة لا تلوي ولا تتلعثم». قال: قوله «وذل لها» الظاهر أن المقصود هو القلوب، والمعنى أن الله عز وجل دلل هذه القلوب؛ لأنه حلف بالله عز وجل الذي شقها. أما والذي شق القلوب وأودع المحبة، فهنا قال: «وذل لها حتى استكانت صولة المحبة لا تلوي ولا تتلعثم»، فالله عز وجل هو الذي دلل القلوب وفطر فيها ما فطر من الميل والنفور، ومن كذلك التجاذب والتنافر والابتعاد، وغير ذلك من المعاني التي فطر الله عز وجل عليها القلوب، منه ما هو محل رضا، ومنه ما هو محل ابتلاء. قال: وقوله «لصولة المحبة» المحبة أمرها عظيم، ولا يعرف شأنها وأثرها إلا من قرأ أخبار العشاق، ولكن محبة الله لا تولد ما تولده محبة العشاق؛ لأن محبة العشاق قد تقتل العاشق، وهذا لأنها لم توزن بالميزان الصحيح، ولم تغذى بالغذاء الصحيح. وأما محبة الله عز وجل فهي كما سيأتي؛ لما كانت بالميزان الصحيح وبذلك الغذاء الصحيح، كانت سببًا لخير للعبد، والعكس محبة العشاق. قال: وأما محبة الله فإنها تزيد الإنسان سرورًا وانشراحًا وفرحًا وانبساطًا، فبين المحبتين أعظم مما بين السماء والأرض. ولعظيم شأن المحبة، قال ابن القيم رحمه الله في «روضة المحبين»: «إن كل شيء يدور على المحبة»، يعني: معنى كلامه: كل شيء يدور على معنى المحبة أو على المحبة؛ لأن المحبة إذا كملت، كملت بذلك ثمرات وعواقب وتبعات هذه المحبة؛ لأجل كمالها خلق ما خلق في هذا الكون، بما يكون به إعانة لهذا المخلوق أن يعرف المحبوب الحق الذي يحب تعظيمًا، ويخضع له ويذل، كما أشار في التعليق بقوله: فيما نقلوا عن الملقيهم في «روضة المحبين»: «فبالمحبة وللمحبة وجدت الأرض والسماوات، وعليها فطرة المخلوقات، ولها تحركت الأفلاك الدائرات، وبها وصلت الحركات إلى غاياتها، واتصلت بداياتها بنهاياتها، وبها ظفرت النفوس بمطالبها، وحصلت على نيل مآربها، وتخلصت من معاطبها، واتخذت إلى ربها سبيلًا، وكان لها دون غيره مأمولًا وسولًا، وبها نالت الحياة الطيبة، وذاق الطعم الإيمان؛ لما رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينًا، ومحمد صلى الله عليه وسلم رسولًا». ومعناه: أن الله عز وجل جعل هذا كله معينًا لتحقيق هذه المحبة التي بها تكون عبودية العبد لربه سبحانه وتعالى، ومتابعة لشريعته. قال: وهذا صحيح، يعني: كلام ابن القيم: «أن كل شيء يدور على المحبة». قال: «فلولا محبتك للخبز لما أكلته، ولولا محبتك للنوم لما نمت، ولولا محبتك للذهاب إلى أصحابك لما ذهبت»، وهكذا، يعني: حتى الأشياء في الدنيا خلق الله عز وجل لها محبة يكون بها ميل النفس ليكون به بقاؤها. فجاءت محبة النوم ليكون بذلك القوة والصحو، ومحبة للأكل ليكون بذلك الاستمرار في العيش، حتى ميل الرجل لامرأته فهي محبة خلقها الله عز وجل لحكمة يكون بها بقاء الجنس البشري. وكما قال العلماء: لما كان بقاء الإنسان يتعلق به ويتحقق به أمر عظيم من عبودية الله عز وجل، وكذلك تحقق الحكمة من النزول إلى الأرض في الامتحان والابتلاء، جعل الله عز وجل هذا الميل فيه ما فطره الله في الرجل من ميله الشديد، ومن المرأة وميلها كذلك، وكل هذا لحكمة. قال: ولكن الموفق من وفقه الله، وجعل محبته تابعة لمحبته سبحانه. نسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم، اللهم آمين. وأشار المعلق بتعليق لطيف نقله عن ابن القيم رحمه الله في «المدارج»: «أي في سياق ذكره عن المحبة: أنها قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرة العيون، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام». فلذلك ينبغي للمؤمن أن يعرف طريق المحبة الصحيح ومحلها الحق. وكما ذكر العلماء: كل شيء نحب لغيره، ولا يحب لذاته إلا الله سبحانه وتعالى؛ فأنت تحب الله لذاته لكماله سبحانه وتعالى في نفسه، في ربوبيته وألوهيته وأسماء وصفاته، ولعظيم إنعامه وإحسانه على خلقه؛ فهو الذي يحب لذاته سبحانه وتعالى. وأما غير الله فيحب لله، ولهذا فالتفاوت في محبة غير الله بتفاوت معنى الحب لله. فلهذا أكمل المخلوقين أو من يقال: غير الله محبة، من كان محبته لله أكثر تعبدًا وقربة. قال: وقوله «لا تلوي ولا تتلعثم» أي: لا تتأخر ولا تميل يمينًا ولا شمالًا. والمعنى: أن الله ذلل هذه القلوب حتى استكانت لصولة المحبة، فهي تسير بسيرها لا تلوي، أي: لا تميل، ولا تتلعثم. ومعنى تتلعثم: أي لا تتردد وتتقطع في كلامها كالمتلعثم يتلعثم في كلامه، أي: أن هذه المحبة تنفذ بكل قوة وبكل استقامة، ليس فيها شيء مما يعترضها. وكل هذا إشارة منه رحمه الله إلى ما ينبغي يسلكه المؤمن في سيره إلى ربه سبحانه وتعالى من توجيه كمال محبته له؛ فإن ذلك مما يعينه للوصول إلى بلاد الأشواق. قال: ثم قال رحمه الله: «وذلل فيها أنفسًا دون ذلها حياض المنايا فوقها وهي حوم». قال: قوله «وذلل فيها» أي: في المحبة. وقوله «أنفسًا دون ذلها» وهناك مثال يضرب لذلك، وهو قصة بريرة ومغيث؛ فإن مغيثًا كان يحب بريرة، وبريرة لا تحبه، فكان يمشي وراءها في سكك المدينة يبكي. فانظر كيف يبكي رجل خلف امرأة ويطلب منها أن ترجع له أو أن تبقي النكاح؟ إذن فهذا الرجل دلت نفسه لهذه المرأة من أجل المحبة. فانظر كيف تصنع المحبة في الرجال؟ وهذا أمر من الله، كما قال المؤلف: «أما والذي شق القلوب وأودع المحبة فيها حيث لا تتصرموا». ولهذا ينبغي لك دائمًا أن تسأل الله عز وجل أن يجعل محبتك تابعة لمحبته. اللهم إنا نسألك حبك، وحب من يحبك، وحب كل عمل يقربنا إلى حبك. والمعنى: أن الشيخ رحمه الله أراد أن يضرب مثالًا لوقوع الذل والتذلل إذا وقعت المحبة، فضرب هذا المثال بهذه القصة التي وقعت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن بريرة كما أشار المعلق إلى الأحاديث في ذلك، فأصلها جاء في الصحيح في الصحيحين من حديث ابن عباس، وهكذا من حديث عائشة وغيرهم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. فبريرة كانت أمة، وتزوجها رجل عبد وهو مغيث، فلما أعتقت بريرة جاز لها بالحكم الشرعي في هذه المسألة أن لا تبقي النكاح وأن تنفصل عن مغيث، وكانت لا تحب مغيث، ولكن لما كانت أمه رضيت بهذا النكاح. ولكن بعد أن اعتقت صار لها الحق، فلما اعتقت فارقت مغيث وفسخ النكاح، فصار مغيث يترجاها بأن ترجع إليه زوجًا، فأبت. حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم سألها أن ترجع إليه، فقالت: «يا رسول الله، أتأمرني بذلك؟» يعني: هل هذا أمر؟ إذا كان أمر فطاعة لله ولرسوله أرجع، يعني: أنه إذا كان شرعًا، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا، إنما أنا أشفع»، فقالت: «لا حاجة لي فيه يا رسول الله»، يعني: أنها لا ترغب به زوجًا. الشاهد: إذا وقع مثل هذا الذل حتى رضي الرجل لنفسه أن يجري خلف المرأة وهو يبكي لفرط المحبة في قلبه، رضي الله عنه أرضاه. وهذا شيء مما قد لا يملكه الناس، فكذلك ينبغي أن يكون المحب لربه سبحانه وتعالى؛ إذا تمكنت المحبة أن تدفعوا هذه المحبة لإذلال نفسه طاعة لله، فيطوعها في القيام بطاعة الله والابتعاد عن مساخطه وأسباب غضبه، وأن كذلك يدللها في الاجتهاد في أسباب الخير التي يتوصل بها إلى رحمته. فكأن ابن القيم رحمه الله يشير بهذا إلى أن الطريق إلى بلاد الأشواق يحتاج من صاحبها أن يصدق في محبته، فإذا صدق في محبته لربه والوصول إلى جنته، ذلت نفسه، وسهل عنده عند ذلك كل عمل صعب. ولهذا قال بعده: «حياض المنايا فوقه ويحوم». قال: قوله «حياض المنايا» يقول شيخنا رحمه الله: وقوله «حياض المنايا فوقه ويحوم» قال: يعني أنه من شدة المحبة كأن حياض المنايا - وهي موارد المنايا التي ترد إليها - فالحياض جمع الحوض، فهو ما يجتمع فيه الماء. وأراد بهذا الكناية إلى ما يجتمع فيه أسباب الموت. قال: كأن حياض المنايا - وهي موارد المنايا - أي: الموت التي ترد إليها - فوق هذه النفوس تحوم عليها فتقتلها من شدة المحبة. والمعنى: أن كل صعب يهون إذا تمكنت المحبة وذلت النفوس. فإذا كان كذلك، فهذا يسلي ويخفف على السائر إلى ربه سبحانه وتعالى سيره أن يحرص على تمكن الحب من قلبه؛ فإن ذلك يعين على تحقيق ما يريد الوصول إليه. فإذا وقع كما قال الشيء قبل ذلك للعشاق في ذلك أخبار عجيبة، ربما بعضهم حمل الجمر أو كذلك فعل وفعل وهو لا يشعر، فهان عليه الصعب ولم يشعر بالألم، فكذلك من باب أولى من كانت محبته لربه سبحانه وتعالى. قال: ثم قال رحمه الله تعالى: «لأنتم على قرب الديار وبعدها أحبتنا إن غبتم أو حضرتم». قال: هذا مما يدل على محبة عظيمة قد ملأت قلب ابن القيم رحمه الله لهؤلاء؛ فهو رحمه الله يحبهم قربوا أو بعدوا، غابوا أو حضروا، وحبهم تبع لحب الله عز وجل. فإذا تمكن الحب في القلب فإنه لا تفرق بينه وبين محبيه فوارق الزمان والمكان؛ لأن تمكن الحب في القلب ألغى هذه الفوارق. وسيأتي من كلامه رحمه الله ما يؤكد ذلك ويبين ويوضحه. فإذا قوله شيخنا رحمه الله: هذا ما يدل على محبة عظيمة قد ملأت قلب ابن القيم حتى أنه أحبهم قرب أو بعد، يريد أن قوله رحمه الله: «لأنتم على قرب الديار وبعدها أحبتنا إن غبتم أو حضرتم» أن المحبة متمكنة راسخة، سواء قربة الديار أو بعدت، وحصل الحضور أو الغياب. وكما قلنا: هذا لا يكون إلا إذا تمكنت المحبة من القلب؛ فإنه عند ذلك تلغى الفوارق. قال: ثم قال رحمه الله تعالى مستشهدًا: «سلون سمات الريح كم قد سلون سمات الريح كم قد محبة صب شوقه ليس يكتم». قال: قوله «سلون سمات الريح» يعني: عند هبوبها. ومعناه: كم قد حملت من معاني صدق المحبة. قال: وقوله «كم قد تحملت» وذلك لأن الريح هي التي تأتي بالروائح، فسلوها كم تحملت من الأشواق الكثيرة؟ فهي حملت معاني كثيرة لو كانت تنطق لأنطقت. وهذا من أساليب الشعراء في الاستشهاد بالجمادات لما في نفس الشاعر. والمراد بذلك إثبات هذه العواطف والأشواق والمحبة التي تكن في نفسه رحمه الله تعالى. وقوله «محبة صب شوقه ليس يكتم» معناه: محبة عاشق مغرم بالحب شوقه ليس مكتوم، ظهرت آثار هذه المحبة حتى تناقلتها الريح. ويريد رحمه الله تعالى أن الصادق في اتباع السلف الصالح وهو يحبهم لله وطاعة لله، إذا صدق في محبته فإن ذلك يشيع ويذيع حتى من باب المبالغة كأن الرياح تنقل هذه المحبة تنقل وتنقل، وتكون شاهدة أن فلانًا من الناس صادق في حبه لهذه الجماعة من الطائفة المنصورة والفرقة الناجية. بل بل ليس كذا فحسب، تشهد له الريح والجمادات بأن محبته محبة مغرم في حبه، حتى أن شواهد الحب ليست مكتومة، شهدت الجمادات فضلًا عن غيرها بهذا. وكل هذا تبع لما سبق في التهييج لاتباع منهج السلف الصالح الذي هو عون للعبد في الرحلة إلى بلاد الأشواق. نكتفي بهذا القدر، ونكمل ما تبقى في درس لاحق، والله تعالى أعلم.