طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 148

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 148

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 148، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في طرق العباد إلى الله تعالى

يتناول الشيخ طرق العباد إلى الله تعالى كما ذكرها الإمام ابن القيم، حيث لكل عبد طريق يصل به إلى الله. يشرح أن العبد يموت على ما عاش عليه، وأن الناس يبعثون على ما ماتوا عليه.

عبودية القلب ودرجات السالكين إلى الله

يتحدث عن تفاوت الناس في طرقهم إلى الله ويبين أعلى مراتب العبودية وهي التعلق الكامل بالله. كما يشير إلى أن من وصل إلى هذه المرتبة يحظى برعاية الله وتوفيقه.

عواقب الإعراض عن طريق الله وذكر الله

يحذر من العواقب الوخيمة لإعراض العبد عن طريق الله بعد معرفته، حيث يصبح في حالة من العذاب والضيق. ويصف معيشة الضنك التي تصيب من أعرض عن ذكر الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام بن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال: وإذا علم هذا فمن الناس من يكون سيد عمله وطريقه الذي تعبد بسلوكه إلى الله طريق العلم والتعليم، وقد وفر عليه زمانه مبذولا به وجه الله، فلا يزال كذلك عاكفا على طريق العلم والتعليم حتى يصل من تلك الطريق إلى الله، ويفتح له فيها الفتح الخاص، أو يموت في طريق طلبه، فيرجى له الوصول إلى مطلبه بعد مماته. قال تعالى: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. وهكذا السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أبي سعيد في الصحيحين بقصة الرجل الذي قتل مئة نفس، فسأل العالم: هل من توبة؟ قال: من يحول بينك وبين التوبة؟ فسار بطريق التوبة حين قال له: إنك بأرض قوم سوء، اذهب إلى الأرض الفلانية فإن فيها قوما صالحين يعبدون الله، فاعبد الله معهم، فمات في الطريق، فأرسل الله عز وجل له ملائكة الرحمة والعذاب، فكان آخر أمره أن توفته ملائكة الرحمة. ولهذا نظائر كثيرة، فهذه الآية وذاك الحديث وغيره كثير مما يدل على هذا المعنى. وفي الحديث: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله». قال: وقد حكي عن جماعة كثيرة ممن أدركه الأجل وهو حريص طالب للقرآن أنه رؤي بعد موته وأخبر أنه بتكميل مطلوبه وأنه يتعلم في البرزخ. فإن العبد يموت على ما عاش عليه، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس يموتون، يبعثون على ما ماتوا عليه، يبعثون على ما ماتوا عليه. فمن بعث وهو في طريق الخير صابرا مصابرا مرابطا مجتهدا فإنه يكتب له ذلك، ويوفقه الله عز وجل إلى مبتغاه. قال: ومن الناس من يكون سيد عمله الذكر، وقد جعله زاده لمعاده ورأس ماله لمآله، فمتى فتر عنه أو قصر فيه رأى أنه قد غبن وخسر. ومن الناس من يكون سيد عمله وطريقه الصلاة، فمتى قصر في ورده منها أو مضى عليه وقت وهو غير مشغول بها أو مستعجل لها أظلم عليه وقته وضاق صدره. ومن الناس من يكون طريقه الإحسان والنفع المتعدي كقضاء الحاجات، تفريج الكربات، وإغاثة اللهبات، وأنواع الصدقات، قد فتح له في هذا وسلك منه طريقا إلى ربه. ومن الناس من يكون طريقه تلاوة القرآن، فهي الغالب على أوقاته وهي أعظم أوراده. ومنهم من يكون طريقه الصوم، فهو متى أفطر تغير عليه قلبه وساءت حاله. ومنهم من يكون طريقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قد فتح له فيه ونفذ منه إلى ربه. ومنهم من يكون طريقه الذي نفذ فيه الحج والاعتمار. ومنهم من يكون طريقه قطع العلائق وتجريد الهمة ودوام المراقبة ومراعاة الخواطر وحفظ الأوقات أن تذهب ضائعة. ومنهم الجامع الفذ السالك إلى الله في كل واد، الواصل إليه من كل طريق، فهو قد جعل وظائف عبوديته قبلة قلبه ونصب عينيه يأمها أين كانت ويسير معها حيث سارت. والضرب مع كل فريق بسهم، فأين كانت العبودية وجدته هناك، إن كان علم وجدته مع أهله، أو جهاد وجدته في صف المجاهدين، أو صلاة وجدته في القانتين، أو ذكر وجدته بالذاكرين، أو إحسان ونفع وجدته في زمرة المحسنين، أو مراقبة ومحبة وإنابة إلى الله وجدته في زمرة المحبين المنيبين، يدين بدين العبودية أن استقلت ركائبها وتوجه إليها حيث استقرت مضاربها. لو قيل له: ما تريد من الأعمال؟ لقال: أريد أن أنفذ أوامر ربي حيث كانت وأين كانت، جالبة ما جلبت مقتضية ما اقتضت، جمعتني أو فرقتني، ليس لي مراد إلا تنفيذها والقيام بأدائها، مراقبا له فيها عاكفا عليه بالروح والقلب والبدن والسر، قد سلمت إليه المبيع منتظرا منه تسليم الثمن. إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة. فهذا هو العبد السالك إلى ربه النافذ إليه، حقيقة ومعنى النفوذ إليه أن يتصل به قلبه ويعلق به تعلق المحب التام المحبة لمحبوبه، فيسلو به عن جميع المطالب سواه، فلا يبقى في قلبه إلا الله وأمره وطلبه والتقرب إليه. فإذا سلك العبد على هذا الطريق عطف عليه ربه فقربه واصطفاه وأخذ بقلبه إليه وتولاه بجميع أموره في معاشه ودينه، وتولى تربيته أحسن وأبلغ مما يربي الوالد الشفيق ولده. فإنه سبحانه القيوم المقيم لكل شيء من المخلوقات، طائعها وعاصيها، فكيف تكون قيوميته بمن أحبه وتولاه وآثره على ما سواه ورضي به من الناس حبيبا وربا ووكيلا وناصرا ومعينا وهديا؟ فلو كشف الغطاء عن ألطافه به وبره وصنعه له من حيث يعلم ومن حيث لا يعلم لذاب قلبه حبا له وشوقا إليه وتقطع شكرا له. ولكن حجاب القلوب عن مشاهدة ذلك إخلادها إلى عالم الشهوات والتعلق بالأسباب، فصدت عن كمال نعيمها. وذلك تقدير العزيز العليم، وإلا فأي قلب يذوق حلاوة معرفة الله ومحبته ثم يركن إلى غيره ويسكن إلى سواه؟ هذا ما لا يكون أبدا. ومعنى هذه العبارات الأخيرة إشارة منه رحمه الله تعالى أن الإنسان إذا ارتقى في أعلى مراتب الإيمان والعبودية بكمال الحب والخضوع والذل لله عز وجل، فإنه يرتقي ارتقاء عظيما حتى يكون في قلبه من التعظيم لربه سبحانه وتعالى والشوق والرغبة والرهبة ما يجعل الغيب شهادة، ويجعل كذلك هذه العبادة والأنس بالله عز وجل أعظم من كل ما في هذه الدنيا من ملذات وشهوات ومحسوسات. وليس المقصود به شطحات الصوفية، فإن بعض هذه العبارات قد يراد بها الخروج عن الشريعة والانفكاك من قيودها وأوامرها، بزعم منهم أن من بلغ منزلة اليقين انفكت عنه القيود وحل له كل ممنوع ووصل إلى منزلة تعدى الشريعة إلى الحقيقة. وهذا من الكذب على الله وعلى رسوله وعلى دينه وشرعه. ولكن المقصود ها هنا هو ذاك الإيمان العظيم الذي يبلغه المحبون لله عز وجل بنوا هذه المحبة وهذا الإيمان بعظيم الطاعات وكثير القربات القولية والفعلية والظاهرة والباطنة حتى ارتقوا بذلك إلى أعلى الدرجات. فعند ذلك يجعل الله عز وجل لهم من المكاشفة - والمراد بها هو ما يكون من اليقين والثقة برب العالمين - ما يجعل نظرهم إلى الغيب أعظم من نظرهم إلى ما بين أيديهم من الدنيا المشاهدة. ولذلك فإنهم لو أقسموا على الله لأبرهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كيف ذاك؟ ذاك لأنه جرب ربه العظيم الذي ما سأله سؤالا إلا أجابه». فهو من عظيم قيامه بعبودية الله تقرب إلى الله الباع، فتقرب الله عز وجل منه أعظم من ذلك. فعند ذلك صارت عنده ثقة بالله العظيم أن الله لن يخذله ولن يرده ولن يمنعه مما يحبه. فهذه هي المنزلة التي يصل إليها العبد بهذه العبودية وعظيم الثقة بالله عز وجل. قال: ومن ذاق شيئا من ذلك وعرف طريقا موصلة إلى الله ثم تركها وأقبل على إرادته وراحاته وشهواته ولذاته وقع في آبار المعاطب وأودع قلبه سجون المضايق وعذب في حياته عذابا لم يعذبه أحد من العالمين. فحياته عجز وغم وحزن، وموته كمد وحسرة، ومعاده أسف وندامة، قد فرط عليه أمره وشتت عليه شمله وأحضرت نفسه الغموم والأحزان، فلا لذة الجاهلين ولا راحة العارفين، يستغيث فلا يغاث ويشتكي فلا يشكى. قد ترحلت أفراحه وسروره مدبرة وأقبلت آلامه وأحزانه وحسراته مقبلة. قد أبدل بأنسه وحشة وبعزه ذلا وبغناه فقرا وبمجمعيته تشتتا - يعني بكل ما يجمع له ما يريد - قال: وأبعدوه فلم يظهر بقربهم، وأبدلوه مكان الأنسي حاشا. قال ذلك بأنه عرف طريقه إلى الله ثم تركها ناكبا عنها مكبا على وجهه، فأبصر ثم عمي وعرف ثم أنكر وأقبل ثم أدبر ودعي فما أجاب وفتح له فولى ظهره الباب. قد ترك طريق مولاه وأقبل بكل يته على هواه، فلو نال بعض حظوظه وتلذذ براحاته وشهواته فهو مقيد القلب عن انطلاقه بفسيح التوحيد وميادين الأنس ورياض المحبة وموائد القرب. قد انحط بسبب إعراضه عن إلهي الحق إلى أسفل سافلين وحصل في عداد الهالكين. فنار الحجاب تطلع كل وقت على فؤاده، وإعراض الكون عنه إذ أعرض ربه حائل بينه وبين مراده. والمعنى أنه بما كان من إعراضه بعد الهداية تنقلب عليه هذه الدنيا أعداء حتى جوارحه تكون أعداء له. قال: قبر يمشي على وجه الأرض، فروحه في وحشة في جسمه، وقلبه في ملال من حياته، في ملال من حياته، يتمنى الموت ويشتهيه ولو كان فيه ما فيه. حتى إذا جاءه الموت على تلك الحال والعياذ بالله، فلا تسأل عما يحل به من العذاب الأليم بسبب وقوع الحجاب بينه وبين مولاه الحق، وإحراقه بنار البعد عن قربه والإعراض عنه، وقد حيل بينه وبين سعادته وأمنيته. كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾. نقف إلى هنا والله تعالى أعلم.