الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 150، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث الشيخ عن كلام الإمام ابن القيم حول من عرف الإيمان ثم ابتعد عنه باتباع شهواته. يصف ابن القيم حال هؤلاء بأنهم سقطوا من علو الإيمان إلى أسفل المعاصي.
ينبه النص على خطورة الإعراض عن محبة الله واتباع الشهوات الدنيوية، ويصف عواقب ذلك بالهلاك بينما يبشر من أقبل على الله بقبول الله له.
إذا أحب الله العبد نادى جبريل ليحبه، ثم يوضع له القبول على الأرض، مما يدل على أن الله يجعل المحبة والقبول لمن أقبل عليه.
يؤكد الحديث النبوي على أهمية اتباع السيئة بالحسنة لمحوها وتحسين الأخلاق، ونسأل الله أن يصلح أقوالنا وأفعالنا.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام بن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: «قال: قد مضت عليه برهة، فالمحروم هكذا طيب، قد مضت عليه برهة من أوقاته، وكان همه الله وبغيته قربه ورضاه وإيثاره على كل ما سواه، على ذلك يصبح ويمسي ويظل ويضحي، وكان الله في تلك الحال وليه؛ لأنه ولي من تولاه وحبيب من أحبه وواله، فأصبح في سجن الهوى ثاوية، وفي أسر العدو مقيمة، وفي بئر المعصية ساقطة، وفي أودية الحيرة والتفرقة هائمة، معرضا عن المطالب العالية إلى الأغراض الخصيسة الفانية. كان قلبه يجول حول العرش، فأصبح محبوسا في أسفل الحش. فأصبح كالبازي المنتف ريشه، يرى حسرات كلما طار طائر، وقد كان دهرا في الرياض منعما على كل ما يهوى من الصيد قادرا، إلى أن أصابته من الدهر نكبة إذا هو مقصوص الجناحين حاسر». ويريد بهذا رحمه الله وصف من عرف الإيمان ثم حرم نفسه منه، وذلك باتباع شهوات نفسه الدنيئة وأغراضه الخصيسة. كما قال رحمه الله: «فمن كان قد وفقه الله للإيمان والقرآن وطريق طاعة الرحمن سبحانه وتعالى، فإنه كان في العلو، كان في العلو الحسي في الدنيا، وهكذا له بإذن الله العلو في الآخرة، العلو الحسي والمعنوي؛ لأنه بهذا العلو، لأنه بهذه الطاعة وصل إلى ذلك من العلو، فهو كما قال: كان قلبه يجول حول العرش؛ يعني حول الرحمن، من تتبع مطالبه والالتجاء إليه والافتقار والخضوع والذل بين يديه سبحانه وتعالى. فلما ترك هذا وانتقل إلى شهوة نفسه الدنيئة، ذهبت به شهوته إلى السفول حتى وصل إلى الحش، والمراد بالحش ها هنا الذنوب والمعاصي حسا ومعنا، فهو أسقط نفسه في طريق الرذائل والمستنقعات والقاذورات، هذه الذنوب والمعاصي». قال رحمه الله: «يا من ذاق شيئا من معربة ربه ومحبته، ثم أعرض عنها واستبدل بغيرها منها، يا عجبا بأي شيء تعوض، وكيف قر قراره؟» والمعنى: لا شيء يعوضه أبدا، فما طلب الرجوع إلى حبته، وما تعرض، وكيف اتخذ سواء حبته سكنا، وجعل قلبه لمن عاداه مولاه من أجله موطنا؟ أم كيف طاوعه قلبه على الاستبار، ووافقه على مساكنة الأغيار؟ من عرف طريق الإيمان وأهله استبدله بطريق الكفران وأهله؛ فإنه فعل المتناقضات؛ لأنه قد جرب رفقة أهل الصلاح والطاعة الذين هم أعوان للخير، وجرب بعد ذلك أهل السوء والفجور الذين لا يجرونه إلا إلى مذلة ومنقصة وصغار في الدنيا قبل الآخرة. قال: «فيا معرضا عن حياته الدائمة ونعيمه المقيم، ويا بايعا عن سعادته العظمى بالعذاب الأليم، ويا مسخطا من حياته وراحته وفوزه في رضا، وطالبا رضا من سعادته في إرضاء سواه، إنما هي لذة ثانية وشهوة منقضية، تذهب لذاتها وتبقى تبعاتها، فرح ساعة لا شهر، وحتى لو كان شهرا فإنه لا يساويه دهر الدهور وعذاب النار والقبور الذي لا ينقطع». قال: «وغم سنة بل دهر، وكما قال: بل دهر الدهور، ليس دهر؛ فيوم بخمسين ألف سنة». قال: «طعام لذيذ مسموم، أوله لذة وآخره هلاك». أي طعام الدنيا الذي لا يوصل إليه إلا بالمعاصي، سواء كان حسا كسائر المحرمات، أو كان معنا كسائر المعاصي التي هي من جنس ما يذاق. فالذوق ذوقان: ذوق حسي كالمأكول المشروب، وذوق معنوي كالذي يهواه القلب وتجري خلفه الجوارح. قال رحمه الله: «أوله لذة وآخره هلاك، فالعامل عليها والساعي في تحصيلها كدود القز، يسد على نفسه المذاهب بما نسجع عليها من المعاطب، فيندم حين لا تنفع الندامة، ويستقيل حين لا تقبل الاستقالة، فنهايته الهلاك، وكذلك من سلك هذا المسلك». قال: «فطوبى لمن أقبل على الله بكليته، وعكف عليه بإرادته ومحبته؛ فإن الله يقبل عليه بتوليه ومحبته وعطفه ورحمته. وإن الله سبحانه إذا أقبل على عبد استنارت جهاته، وأشرقت ساحاته، وتنورت ظلماته، وظهرت عليه آثار إقباله من بهجة الجلال وآثار الجمال، وتوجَّه إليه أهل الملأ الأعلى بالمحبة والموالاة؛ لأنهم تبع لمولاهم، فإذا أحب عبدا أحبوه، وإذا والى وليا والوه. إذا أحب الله العبد نادى: يا جبريل، إني أحبه فلانا فأحبه، فينادي جبريل في السماء: إن الله يحبه فلانا فأحبوه، فيحبها أهل السماء، ثم يحبها لأهل الأرض، فيوضع له القبول بينهم». والحديث كما أشار في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه. والمعنى: أن من أقبل على الله بالطاعة والمحبة، قذف الله عز وجل في قلبه أولا القرب، أكثر، ثم ثانيا بالكلاءة والنصر والرحمة والتأييد، ثم ثالثا بالمحبة وإلقائها على الأقربين من عباده سبحانه وتعالى الملائكة، ثم كذلك ينزل ذلك إلى الأرض، فيجعل الله له المحبة والقبول. وهذا كان من دعاء الصالحين الدعاء بإصلاح الأعمال والقبول والمحبة. قال: «ويجعل الله قلوب أوليائه تفد إليه بالود والمحبة والرحمة، كما قال الله عز وجل عن من اصطفى من أنبيائه ورسله والصالحين من عباده في قول سبحانه: ﴿وَسِيجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾»، هذا الود هو المحبة التي تكون للصالحين من عباده سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: «وناهيك بمن يتوجه إليه مالك الملك ذو الجلال والإكرام بمحبته، ويقبل عليه بأنواع كرامته، ويلحظ الملأ الأعلى وأهل الأرض بالتبجيل والتكريم. إذا كان ملك الدنيا إذا أحب إنسانا هابه أهل الدنيا بما كان من محبة هذا الملك له، ومن قربه منه، ومن إعانته بكل ما يحبه ويرغب ويطلب، فإن الناس جهابذة هذا المحبوب خوفا من صولة من هو فوقه وهو الملك، وهذا ملك الدنيا، فكيف ولله المثل الأعلى بملك الملوك ورب الأرباب الله العظيم سبحانه وتعالى». قال: «وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم». فمن تحققت عنده هذه المعارف، فالواجب على المسلم أن يبادر ويسرع في الإقبال على الله والتوبة والإنابة والخضوع والانكسار بين يديه سبحانه وتعالى. والله سبحانه العظيم الكريم الرحيم يبدل السيئات بالحسنات، يبدل السيئات حسنة. أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل، إن الحسنات يذهبن السيئات، ذلك ذكرى للذاكرين. وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «أتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن». نسأل الله عز وجل أن يصلح أقوالنا وأفعالنا، ويحسن خلقنا، ويردنا إليه ردا جميلا. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.