طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 99

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 99

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 99، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

غاية الله من خلق الجن والإنس

خلق الله الجن والإنس ليعبدوه جودًا وإحسانًا، وهو يريد التيسير لعباده وليس العسر. يبين الله حكمته في تشريعه وتدبيره لعباده.

حكمة العبادات والطاعات

العبادات لها حكمة عظيمة وراءها وهي تحقيق التقوى والإيمان، وليس مجرد أداء واجبات. العباد ينتفعون بالعبادات في الدنيا والآخرة.

أثر الإيمان في إصلاح القلوب

الأعمال الصالحة والإيمان تصلح القلوب وتزيد من الإيمان والقوة الروحية. القرآن هو غذاء معنوي للقلوب والأذهان.

ختام الفصل بالصلاة على النبي

تم توضيح المقصود من الفصل، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. هذا الختام يعبر عن انتهاء الفصل بشكل مناسب.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. واشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال: وأعلم عباده سبحانه أنه لا يرضى لهم إلا أكرم الوسائل وأفضل المنازل وجل العلوم والمعارف. قال تعالى: ﴿إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، وقال سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، وقال جل وعلا: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلًا عظيمًا. يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفًا. ويتنصل سبحانه إلى عباده من مواضع الظنة والتهمة التي ينسبها إليه من لم يعرفوا حق معرفته ولا قدره حق قدره. وهذا من باب الإخبار، فباب الإخبار أوسع من باب الأسماء والصفات. ويريد -رحمه الله تعالى- أنه سبحانه بريء مما يظن به الظانون بسوء. الله الغني الكامل في أسمائه وصفاته سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: من تكليف عباده ما لا يقدرون عليه ولا طاقة لهم بفعله البتة، وتعذيبهم من شكروه وآمنوا به، وخلق السماوات والأرض وما بينهما لا لحكمة ولا لغاية، وأنه لم يخلق خلقه لحاجة منه إليه، ولا ليتكثر بهم من قلة، ولا يتعزز بهم من ذلة، ولا ليستعين بهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون. فأخبر أنه لم يخلق الجن والإنس لحاجة منه إليهم، ولا ليربح عليهم، لكن خلقهم جودًا وإحسانًا ليعبدوه، في أربحهم عليه كل الأرباح. كقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِن أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾. قال: ولما أمرهم -والمعنى أن الله عز وجل قد قام الحج على خلقه في كل ما يكون في كونه وشرعه، بل وما يكون من خواطر الشيطان في أذهانهم- حتى لو خطر، فالله عز وجل جعل جوابًا لهذه الخواطر. وأنه سبحانه وتعالى الغني الكامل، بغناه العظيم، الكامل بعظمته، الكريم الكامل في كرمه، الكامل في سائر أسمائه الحسنى وصفاته العليا. ومن تقرر عنده ذلك لم يخطر بباله إلا كل كمال وكل حسن لله عز وجل على أكمل الوجوه. قال رحمه الله: لما أمرهم بالوضوء والغسل من الجنابة الذي يخفف عنهم أو زادهم ويدخلون به عليه ويرفع به درجاتهم، قال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. قد يكون هناك حرج، لكن هذا الحرج أعظم من حرج حرمان هذه النعمة، فيكون هذا الحرج نسبي، وهو لا شيء، بل هو نعمة في مقابل ما يصلون إليه من نعمة الله عز وجل فيما أمرهم به. ويضرب مثال: ولله المثل الأعلى، أجود الطعام وأجود اللباس الذي يتمتع به الإنسان، هل يصل إليه بدون تعب ومشقة؟ لا يمكن، إلا يتعب قليلًا ثم يتمتع ويهنأ بما هو أعظم من ذاك التعب. لماذا؟ اليسير. وهكذا فيما شرع الله في الأمور الشرعية، ولله المثل الأعلى، كون أن الإنسان يتوضأ ويتطهر، بل ويؤدي كل ما أمره الله من توحيده وعبادته وطاعته، هذا لا شيء أمام تلك المنافع العظيمة في الدنيا والآخرة، من آثار التوحيد والعبادة والطاعة والفضيلة والإحسان والخير والبر الذي أمرنا الله سبحانه وتعالى به. وهذا هو في هذه العبادة، وهو كذلك في سائر العبادات والطاعات والقربات، وكل الأمور الشرعية التي أمر الله عز وجل بها. قال رحمه الله: وقال في الأضاحي والهدايا: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهُ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ﴾. وقال عقيب أمرهم بالصدقة ونهيهم عن إخراج الرديء من المال: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ﴾، واعلموا أن الله غني حميد. يقول سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَمَّا تُنفِقُونَ﴾. أن ينالني منه شيء حميد مستحق للمحامد كلها. فإنفاقكم لا يسد منه حاجة، ولا يوجب له حمدًا، بل هو الغني بنفسه، الحميد بنفسه، وأسماؤه وصفاته. وإنفاقكم إنما نفعه لكم، وعائدته عليكم. ولهذا لما أنفق النبي صلى الله عليه وسلم الشاة إلا الكتف، كما في حديث عائشة في الصحيح، قالت: ما بقي منها؟ قالت: كتفها -يعني فيما تراه بعينها- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما بقيت كلها إلا كتفها». فما أنفق الإنسان فهو باق، وما أبقاه فهو فان. فإذا أنت قدمت بنفسك. ولهذا تأتي هذه الطاعات والقربات والصدقات يوم القيامة، تصور بأجسام، حتى إن هذه الأجسام منها ما يكون شاحبًا ضعيفًا هزيلًا، لسبب ما كان من ماذا؟ من هزال صاحبها بالدنيا. فإذا تصدقت بكرم، والصدقات أتاك عملك الصالح على أكمل وجوهه وأسمنه وأوفره. وإذا بخلت بخلت على نفسك، كما قال سبحانه: ﴿وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ﴾. البخل تبخل عن نفسك، لأنك أنت الذي ستجد هذا الإكرام يوم القيامة، أو هذا البخل. قال رحمه الله تعالى: ومن المتعين على من لم يباشر قلبه حلاوة هذا الخطاب وجلالته ولطف موقعه، ووجده للقلوب والأرواح ومخالطته لها، أن يعالج قلبه بالتقوى، وأن يستفرغ منه المواد الفاسدة التي حالت بينه وبين حظه من ذلك، ويتعرض إلى الأسباب التي يناله بها، من صدق الرغبة واللجوء إلى الله أن يحيي قلبه ويزكيه، ويجعل فيه الإيمان والحكمة. فالقلب الميت لا يذوق طعم الإيمان، ولا يجد حلاوته، ولا يتمتع بالحياة الطيبة لا في الدنيا ولا في الآخرة. ولهذا أسباب، كما ذكر رحمه الله تعالى. ومن هذه الأسباب تدبر هذه الحكم والمقاصد العظيمة التي لأجلها شرع الله عز وجل العبادات والطاعات، والتفكر والتأمل والتدبر لعظيم معاني أسماء الله وصفاته العظيمة الجليلة. وكلما أبحر الإنسان إبحارًا شرعيًا في التدبر لهذه الأسماء والصفات، وعظيم ما فيها من كمال وجمال وجلال، ازداد تعظيمه لربه وخالقه، وحصلت عنده من المراقبة، ومن كذلك التقوى، وعظيم الإيمان، ما يجد به حلاوة هذا الإيمان في قلبه، أعظم من حلاوة أحلى عسل في لسانه. لماذا؟ لأن الإيمان إذا دخل حقيقة إلى القلب، كان له أثره العظيم في إدخال السرور والبهجة والقوة والنشاط والحياة. هذه الحياة تكتسب من ماذا؟ من ذلكم التدبر والتأمل، وكذلك ما يتبعه من عمل صالح. فالأعمال الصالحة مع النظر الصحيح والأقوال الصحيحة، كالغذاء لهذا القلب، فيكون القلب حيًا لحياته ما يرد إليه. فكأنك تسقي جسدك الشاحب بالماء والغذاء الطيب. انظر وأنت صائم، يكون جسمك ذابلًا شاحبًا، فإذا جاء فقط الإفطار وأخذت من طيب الشراب والطعام، ينتعش الجسم. أليس كذلك؟ الجواب: بلى، ينتعش الجسم. وكذلك القلب، القلب إذا سُقي بنور الإيمان والطاعة والتوحيد والقربة، فإنه ينتعش ويكون حيًا. وإذا كان حيًا وجد حلاوة الإيمان. وهذا قليل من كثير من آثار الإيمان والعمل الصالح في إصلاح القلوب. قال رحمه الله: ومن أراد مطالعة أصول النعم، قال: فليسرح الفكر في رياض القرآن. فليسرح -يعني من السوم- تقول: نعم سائمة سامت، أي: رتعت في الزرع. معناه: اجعل فكرك، وكذلك قلبك يسرح في رياض القرآن، فيرتع منها، يأخذ، يأكل. كيف يأكل؟ القرآن هل يؤكل؟ ها؟ لا. المراد أكل معنوي. خذ من هذا الغذاء، هو غذاء معنوي. القرآن غذاء، لكنه غذاء معنوي. ولذلك كلما أقبل العبد على القرآن، وجد من الإيمان ومن القوة واللذة لهذا القرآن، ما لا يجد مع البعد. والعكس بالعكس، كلما بعد، حصل له من الجفاء والوحشة والضيق والكدر، بقدر بعده من القرآن. وهكذا كذلك سائر ما أنزل الله من علم وهدى وتوحيد وطاعة وإيمان وبر وفضيلة وغير ذلك، مما هي حياة لهذه القلوب والأذهان. قال رحمه الله تعالى: ومن أراد مطالعة أصول النعم، فليسهم سرح الفكر في رياض القرآن، وليتأمل ما عدد الله فيه من نعمه، وتعرف بها إلى عباده، من أول القرآن إلى آخره، حتى خلق النار وابتلاءهم بإبليس وحزبه، وتسليط أعدائهم عليهم، وامتحانهم بالشهوات والإرادات والهوى، لتعظم النعم عليهم بمخالفتها ومحاربة أعدائه. فلله على أوليائه وعباده أتم نعمة وأكملها، في كل ما خلقه من محبوب ومكروه، ونعمة ومحنة، وفي كل ما أحدثه في الأرض من وقائعه بأعدائه وإكرامه لأوليائه، وفي كل ما قضاه وقدره. وتفصيل ذلك لا تفي به أقلام الدنيا ووراقها، ولا قوى العباد. وإنما هو التنبيه والإشارة. وهذا هو المقصود من إيراد هذه المباحث في هذا الكتاب، وفي هذا الموضع من الكتاب. الكلام الآن على القضاء والقدر، والإيمان به، وحال أهل التوحيد معه، وأهل البدع والأهواء والشرك والكفر معه. فالموحد إذا حقق الإيمان بالقدر على أكمل وجوهه ومعانيه، تحقق له معاني كريمة وآثار عظيمة. من هذه المعاني والآثار ما ذكره رحمه الله تعالى ها هنا. لا يمكن لإنسان لم يؤمن بالقدر الإيمان الشرعي الصحيح، أن تتحقق له هذه المعارف. لأن هذه المعارف والعلوم والمعاني لا تتحقق إلا للموحد الذي علم معنى القدر على الوجه الشرعي. فعند ذلك تتحقق له هذه المعاني العظيمة. ولهذا قال: وتعرف بها إلى عبادي من أول القرآن إلى آخره، حتى -هنا حتى لإدخال ما قد يكون من غير جنس ما قبله- يعني حتى ما يلقى به الكافرون والمبتدعون، أنه مما لا مجال للاعتبار والاكتفاء والانتفاع، وهو حقيقة عند الموحد، محل اكتفاء واعتبار وانتفاع وقوة إيمان ومنفعة. لأن المؤمن حين ينظر إلى ما ذكر الله عز وجل، ينظر إليه النظر الشرعي، والنظر كذلك الكوني. فالله عز وجل خلق الخير والشر لحكمة، ولكنه لم يحب لعباده إلا ماذا؟ الخير والإيمان والطاعة، ولا يرضى لعباده الكفر والفسوق والعصيان. وهذا هو العدل في باب القضاء والقدر. وعند ذلك تتحقق من المعارف ما سبقت الإشارة إليه. وهذا هو المقصود من هذا الفصل. طيب، إلى هنا والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.