الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 26، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع مفهوم الفقر عند الصوفية، حيث لا يعني الفقر عدم الملكية بل عدم التعلق بالنفس واعتبار كل شيء ملكًا لله. يُفسر الفقر على أنه خروج عن أحكام صفات النفس والاتصاف بأحكام صفات الله.
يشرح المقطع معنى الفقر إلى الله وضرورة عدم الإطلاق في العبارات التي قد توهم تناقضًا مع الصفات الإلهية. يُبين أن الجود الحقيقي يكون بإعطاء المعدم الواجد، ويشير إلى أن غنى النفس هو الغنى الحقيقي.
يتحدث هذا الفصل عن الافتقار الحقيقي إلى الله وعدم التعلق بالدنيا، ويصف الإنسان الفقير الصادق بأنه لا يملك ولا يملك. كما يبين أهمية التواضع وعدم الاغترار بالنفس لدى الذين أحسنوا.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم، رحمه الله تعالى، في كتاب طريق الهجرتين وباب السعادتين: قال وقال ابن خفيف: «الفقر عدم الأملاك والخروج من أحكام الصفات». قال قلت: يريد به عدم إضافة شيء إليه إضافة ملك، وأن يخرج من أحكام صفات نفسه ويبدلها بأحكام صفات مالكه وسيده. مثاله أن يخرج عن حكم صفة قدرته واختياره الذي توجب له دعوى الملكة والتصرف والإضافات، ويبقى بأحكام صفة القدرة الأزلية التي توجب له العجز والفقر والفاقة. كما في دعاء الاستخارة: «اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك، فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، وأنت علام الغيوب». فهذا اتصاف بأحكام الصفات العلى في العبد، وخروج عن أحكام صفات النفس. المعنى كما أشار رحمه الله، وكما تقدم معنا، أن عبارات بعض هؤلاء أئمة العباد والزهاد فيها شيء من التوسع. فإن وجهت وحملت على المحامل الحسنة احتاجت إلى توضيح، وأحيانًا تكون بعض الألفاظ في ظاهرها ما ينافي الصواب. ولهذا الأولى الأخذ بالعبارات التي ليس فيها مأخذ، وما كان من مأخذ فإما أن يقال: إن بين هذا القصد مكان آخر، أو يقال: لعله قصد بها كذا، أو يحسن بها الظن فيقال: معناها كذا. وإن كان الأفضل والأولى ترك هذه العبارة إلى عبارة أفضل منها. فقوله: أي ابن خفيف، وهو أبو عبد الله، كما أشار بالتعليق. قوله: «الفقر عدم الأملاك»، بهذا الإطلاق، هذه العبارة ليست صحيحة. لأننا كما تقدم معنا: الفقير إلى الله سبحانه وتعالى ليس من لازم فقره أن لا يكون مالكًا، لا للشيء الحسي كما في الدنيا، ولا المعنوي. فالله سبحانه وتعالى الذي أمر بالمسارعة إليه والإخبات إليه والافتقار إليه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾، هو كذلك الذي قال: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء من قبله عليه الصلاة والسلام كان لهم ملك، سواء الملك الحسي، إما ملك عام كملك سليمان، أو ملك خاص كملك المتاع والبيوت والمركوبات والأسلحة ونحوها، وغير ذلك مما لا ينافي العبودية، لأنها وسيلة للاستغناء عن الخلق والاكتفاء بالله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك الملك المعنوي، أن يملك في قلبه حب ما أذن الشرع بحبه، وأنه لا ينافي عبوديته لله سبحانه وتعالى. كما تقدم معنا في فصول سابقة، فكون العبد ملك لله، وقلبه محب لله، لا ينافي أن يوجد حب في القلب لغير الله، لأن الحب الآخر ليس لذاته. فالحب الذي لذاته هو ما كان لله سبحانه وتعالى وحده، وأما ما سوى الله فيحبه لله. فأنت تحب الولد تتقرب بذلك إلى الله، بأن تصلحهم فيكونون عونًا لك بعد موتك بدعوات صالحات وذرية صالحة تغنمهم لله سبحانه وتعالى، كما تغنم الحسنات. فأنت تغنم الحسنات من الصلاة والذكر وسائر الأعمال الصالحة، فكذلك تغنم بأن تلزم طريق الطاعة بعون هؤلاء الأولاد. وهكذا الزوجة، وهكذا كذلك الأقربين الأقرب فالأقرب. فهذا الحب تستعين به على حبك لله سبحانه وتعالى. فزوجة تغنيك بالحلال عن الحرام، وتكون سببًا بثباتك على الطاعة والخير، كيف لا يكون هذا لله؟ يكون هذا لله. فملك الزوجة وذات اليمين والأبناء والمملكات حسًا أو معنى، إذا كان لله لا ينافي الافتقار إلى الله سبحانه وتعالى. وإذا علمنا ذلك، علمنا أن هذه العبارة بهذا الإطلاق ليست صحيحة. ولذلك احتاجت إلى توجيه. ووجه الإمام ابن القيم رحمه الله بما رأينا، بأنه المراد به أن لا يملك ما ينافي الفقر، أن لا يملك ما ينافي الفقر. فلا يضيف العبد المفتقر إلى الله إلى نفسه شيئًا إضافة ملك، لأن كل المملكات هي لله سبحانه وتعالى. وهذا صحيح. وهكذا كذلك في الخروج عن أحكام الصفات، وجهه بأن ينفي قدرته مع قدرة الله، وأن ينفي كذلك علمه مع علم الله، كما جاء في حديث الاستخارة، حديث جابر في الصحيح. وهذا كذلك صحيح. فبهذا المعنى يوجه توجه هذه العبارة، ولكن المتبادر إلى الذهن أن هذه العبارة فيها شيء من الإطلاق، وهذا الإطلاق ليس بصحيح. فالأفضل أن يعبر بعبارة أسلم. فالفقير أو الافتقار إلى الله لا ينافيه الامتلاك، لكن الامتلاك لا ينافي الافتقار إلى الله. وهكذا كذلك لا ينافي الافتقار إلى الله كون العبد قد اتصف بشيء من الصفات. فالخروج عن أحكام الصفات ممكن أن يعبر بأنه ألا ينسب لنفسه صفة، فصفة أي تنافي انقياده وعبودية لله. فمهما كان للعبد من قدرة، وقدرته تابعة لقدرة الله سبحانه وتعالى، ولن تكون خارجة عنه. قال رحمه الله: وقال أبو حفص: «لا يصح لأحد الفقر حتى يكون العطاء أحب إليه أو أحب إليه من الأخذ». وليس السخاء أن يعطي الواجد المعدم، وإنما السخاء أن يعطي المعدم الواجد. وهذه كذلك العبارة من صفات فيها صفة من صفات المفتقر إلى الله سبحانه وتعالى، وذلك أنه يعطي وهو معدم. فهذه صفة الجود الحقيقي، ليس الجود الحقيقي أن تكون غنيًا فتعطي، ولكن الجود الحقيقي أنك تعطي ولو كنت ذا فاق. كما أخبر الله عز وجل عن صفتي هؤلاء: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾. حتى ولو كانت بهم خصاصة، فهم لا يمتنعون عن الإنفاق. بل هم ينفقون مع هذا الوصف. فهذا هو إعطاء المعدم الواجد، هذا من كمال الافتقار إلى الله سبحانه وتعالى. ومعناه أن ليس في قلبه تعلق بالدنيا، فهو ينفق يريد ما عند الله، حتى ولو كان هو ليس بغني. لأن الغنى الحقيقي غنى النفس، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس». فإذا كانت النفس غنية، فهي تنفق ولو كان الواقع هو الفقر. ولأنه يريد ما عند الله، ولذلك قد يعطي الفقير حسًا مع غناه معنى، وهو المفتقر إلى الله، من هو أغنى منه، ولا يبالي ولا يبخل ولا يحسد. لأنه يريد ما عند الله، ويترك ما عند الناس للناس بينهم وبين الله سبحانه وتعالى. فمثلًا إنسان سائل متسول، هو أغنى ممن يسأله، هذا السائل المتسول وهو غني، إظهاره للفقر بسبب فقر نفسه، وإلا عنده ما يغنيه، ومع ذلك لا يشبع، فهو يسأل. فيأتي لمن يريد ما عند الله ينفق، يعطيه. وربما يرى من حال الذي أمامه أنه لا يستحق، ولكن أعطاه لأجل أولًا لا يرد سائلًا، ولأنه يريد ما عند الله سبحانه وتعالى، ووكل سؤاله بينه وبين الله. وإن كان في الأصل أن الإنسان لا شك يعطي من هو أولى من هذا الواجد إذا وجد، وإذا لم يجد فلا بأس أن يعطي هذا، ويكله إلى ظاهره. فهو لا يعرف الباطن. قال: وقال بعضهم: «الفقير الذي لا يرى لنفسه حاجة إلى شيء من الأشياء سوى ربه». تعالى تبارك وتعالى. والمعنى: الفقير الذي حاجته دائمًا إلى الله سبحانه وتعالى، سواء من الجمادات أو غيرها من المخلوقات. قال: وسئل سهل بن عبد الله: «متى يستريح الفقير؟» فقال: «إذا لم ير لنفسه غير الوقت الذي هو فيه». والمعنى: راحة الفقير بأن يتفرغ لله عز وجل، ولا يرى لنفسه حق، ولا يرى لنفسه حق. فهو في كل وقت حين ينظر كيف يتقرب إلى ربه ومولاه، فهو دائم الافتقار إلى الله سبحانه وتعالى. ولأنه كذلك لا يدري، فأي لحظة يبهته الموت. قال: وقال أبو بكر بن طاهر: «من حكم الفقير أن لا يكون له رغبة، وإن كان لابد فلا تجاوز رغبته كفايته». هو المعنى أن الفقير الذي تم افتقاره إلى الله تنكسر رغباته، وإذا وجدت له رغبة فهي بحسب الكفاية التي تكفيه. وهذا كما جاء في الحديث: أن حياة المؤمن في هذه الدنيا كفاف، ما يكفيه ويمضي به في دار الممر لا دار المستقر. فالإنسان يأخذ من الدنيا كفايته، لا كل رغبته. فرغبات الإنسان لو أطلقت لتعب في تحصيلها، ولضاع عليه وقته في هذه الدنيا في جمع تلك الرغبات. ولكن يأخذ كفايته أو حاجته، عبارة أدق: يأخذ حاجته بما يعينه أن يمر بها، ويد العليا خير من اليد السفلى. قال: وسئل بعضهم عن الفقير الصادق، فقال: «الذي لا يملك ولا يملك». أما لا يملك، فكما تقدم، يعني الملك الذي ينافي الافتقار إلى الله سبحانه وتعالى. وأما الملك الذي لا ينافي، بل يعين العبد أن يلزم الطاعة وأن يبتعد عن المعصية وأن يستغني عن الخلق، فهذا الملك ممدوح. وهذا الملك ممدوح. ولهذا حتى الشرع حث على الزواج وعلى كذلك النسل، وكل هذا بضوابط شرعية، وحث على البيت الواسع، كل هذا بضوابط شرعية. وهذا لا ينافي الافتقار إلى الله. وأما قوله: «ولا يملك»، والمعنى: لا يرضى لنفسه أن يكون معبودًا لغير الله. لا يرضى لنفسه أن يكون معبودًا لغير الله. وكيف يمكن للإنسان أن يملك بالتذلل لغير الله والطمع فيه؟ فهذا الذي تذلل للملك ولمرؤوسه لرئيسه ومن فوقه، تذلل الافتقار إليه، فجعل نفسه مملوكًا له، مملوكًا له. وعند ذلك يضعف، فيقدم هذه العبودية على عبودية الله سبحانه وتعالى. فكثير من الناس هو عبد لغير الله، كما جاء في الحديث: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة». وهل العبودية تنحصر في هذه المحسوسات؟ لا، قد يكون العبد معبودًا كذلك لما لوظيفته، معبودًا لمنصبه، معبودًا لسيده في عمله، وغير ذلك من معنى العبودية. فكما فسرنا «عبد الدينار» و«عبد الدرهم»، فكذلك «عبد الوظيفة» و«عبد المنصب» و«عبد الكرسي» و«عبد الرئيس» و«عبد الملك» و«عبد كذا وكذا» من الموجودات والمخلوقات في الدنيا. فهذا هو معنى قوله: «ولا يملك». قال: وقال ذنون: «دوام الفقر إلى الله تعالى مع التخليق أحب إلي من دوام الصفاء مع العجب». والمعنى: كون العبد منكسرًا لله سبحانه وتعالى ببعض تقصيره، خير له من أن يكون صافٍ من النواقص، لكنه مغرور بنفسه. مغرور بنفسه. يعني إنسان سلم من الذنوب والمعاصي، فلا يرى لنفسه نقصًا، فهو مغرور، ويرى الناس كلهم دونه. ولهذا هذا الغرور قد يصل إلى أن لا يكون عنده افتقار حقيقي إلى الله، بل يرى أن عبوديته لله كرامة من الله إليه، كرامة من الله إليه. لماذا؟ لشرفه ولفضله ولغير ذلك من معاني العجب والغرور التي رسخت في قلبه. هل هذا الافتقار ينفع؟ لا، هذا يضر. وهذا يضر. وغالب هؤلاء لا يوفقون لخاتمة حسنة، لأن الله عز وجل الغني، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي عن الله عز وجل: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من أشرك معي فيه غيري تركته وشركه». والشرك قد يكون بالخلق، وقد يكون كذلك بماذا؟ بالنفس. فما كان بالخلق فهو الرياء، وما كان بالنفس فهو ماذا؟ العجب. وما كان بالنفس فهو العجب. فهذا المعجب والمغرور والمراء، افتقاره غير صادق. وأما المفتقر والفقير الحقيقي، هو الذي عنده دوام الافتقار إلى الله مع وجود التقصير، سواء التقصير موجود حقيقة، بأن كما قيل: يتعثر ويقوم، يتعثر ويقوم، ولكنه سرعان ما يرجع إلى الله سبحانه وتعالى. وعلى هذا الحديث: «خير كل ابن آدم خطأ، وخير الخطائين التوابون». وقد يكون من الصنف الثاني الذين هم محسنون، ومع ذلك ماذا يخشون على أنفسهم؟ كما قال الله عز وجل عن أمثال هؤلاء: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾. فهم أحسنوا وصدقوا وتصدقوا، ومع ذلك يخشون أن لا يقبل منهم، وأن لا يكونوا قد أحسنوا. وهذا لكمال صدقهم. فإذن أهل هذا القسم الافتقار الحقيقي، قسمين: قسم خلطوا، ولكنهم يراجعون ويستغفرون، فافتقارهم يكون ماذا أفضل من غيرهم؟ والقسم الآخر، وهؤلاء هذا الخلق يوجب لهم انكسار أكثر وافتقار أكثر إلى الله سبحانه وتعالى. كما قال ابن القيم رحمه الله في بعض كتبه الأخرى: «رب ذنب يكون سببًا في دخول الجنة وإكمال العبودية». لماذا؟ لأن حسرة هذا الذنب لا تزال بهذا التائب تكسره وتوجب له كما قيل: علة من غير مرض، وانكسار من غير علة ومرض. وهذا يورث له دوام الافتقار إلى الله. والقسم الثاني كما يتقدم: الذين أحسنوا ومع ذلك لا يرون لأنفسهم فضلًا، بل يرون التقصير في أنفسهم. بخلاف من عنده شيء من الصفاء، واغتر بهذا الصفاء، واغتر بهذا الصفاء، فافتقاره لا يتم. والله أعلم.