الدرس في هكذا حج النبي صلى الله عليه وسلم، محاضرة هكذا حج النبي الجمعة 20 ذو القعدة 1428هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يؤكد الشيخ على أهمية تعلم مناسك الحج واتباع هدي النبي، ويبين أن الحج فرض على المسلمين مرة في العمر لمن استطاع إليه سبيلا. يشير إلى أن الاستطاعة تشمل القدرة المالية والبدنية.
يجب على المسلم الحج إذا استطاع إليه سبيلا، ويمكن للعاجز أن يوكل شخصا آخر للحج عنه. الحج المبرور هو الذي يؤديه المسلم خالصا لوجه الله تعالى، موافقا لسنة النبي.
شرح المواضع التي حددها النبي للإحرام للحج والعمرة، مثل ذي الحليفة والجحفة وقرن ويلملم. هذه المواضع تعتبر حدودا جغرافية يجب على الحجاج الإحرام منها.
يشرح المقطع مواقيت الإحرام ويبين أن أهل مكة يحرمون من مكة نفسها. دخل النبي مكة ونزل من راحلته ثم دخل المسجد الحرام واستلم الحجر الأسود.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، أيها الحاضرون جميعا، إننا نحمد الله جل وعلا حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، نحمده سبحانه على ما أنعم علينا من نعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، وهو القائل سبحانه: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، وهو القائل سبحانه: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾. وإن من أعظم ما أنعم به علينا، ما أنعم علينا من نعمة الإيمان والإسلام، والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك من فضل الله عز وجل علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون هذه النعمة التي ينبغي علينا أن نكفر من شكر الله جل وعلا على توفيق الله سبحانه وتعالى لنا إليها، خصوصا إذا تأملت واستشعرت حال الكثيرين الذين حرموا هذه النعمة في مشارق الأرض ومغاربها. فإنك تعرف خدر فضل الله عز وجل عليه، إذ وفقك سبحانه إلى هذا الخير العظيم، لا بحولك ولا بقوتك ولا بذكائك، ولكن فضل امتنان منه سبحانه وتعالى. وإننا في هذه الليلة، كما سمعتم، على موعد نتذاكر فيه شيئا من أحكام الحج، وكان اختيار بعض إخواننا أن يكون عنوان هذه الكلمة وهذه المذاكرة هكذا: «حج النبي صلى الله عليه وسلم»، خصوصا وأنه يوافق سفر الكثير من الآباء والإخوة والأبناء إلى حج بيت الله الحرام، فناسب أن نتذاكر مثل هذه الأحكام. وخير ما نتذاكر به هو هجر عليه الصلاة والسلام في حجه، وهو الذي يجب على المسلم أن يتتبعه. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «خذوا عني مناسككم»، وفي رواية: «فلتأخذوا عني مناسككم»، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد عام هذا، لعلي لا أحج بعد عام هذا. فأمر عليه الصلاة والسلام أصحابه، والأمر للأمة جميعا، أن تأخذ منه مناسك الحج كما علم عليه الصلاة والسلام؛ لأنه ترجمان القرآن، وهو عليه الصلاة والسلام يفسره ويوضحه ويبينه. والله جل وعلا قد قال فيه: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ﴿٣﴾ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴿٤﴾. وبهذه المناسبة، نعلم أن من هدي نبينا عليه الصلاة والسلام أنه كان يعلم الناس أمور العبادات التي يحتاجونها، ومن ذلك مناسك الحج. ففي الصحيح، في حديث عبد الله بن عمر، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بعد أن أعلم الناس أو أعلموا بخبر حجه في السنة العاشرة، قعد النبي عليه الصلاة والسلام في المسجد يعلم الناس، أي مما أعلمه الله، ومن ذلك أحكام الحج. حتى بوب البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، في كتاب العلم، بابا في طلب العلم في المسجد، وذكر فيه حديث عبد الله بن عمر، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قعد في المسجد يعلم الناس، أي من العلم، ومن ذلك أحكام الحج. فجاءه رجل فسأل: «ما يلبس المحرم؟» فعلم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما يلبس المحرم، كما سيأتي إن شاء الله. وينبغي أن نعلم أن هذا إن دل على شيء، دل على أن الواجب على المسلم أن لا يقدم على عبادة من العبادات إلا وهو يعتني كيف يؤتي هذه العبادة على الوجه الذي يكون به أداء هذا الواجب، والقرب الذي فرض الله عز وجل في هذه العبادة العظيمة. بل ينبغي أن تكون همته أعلى من ذلك، إذ أن يحرص أن يؤدي هذه العبادة على الوجه الأكمل الذي يحبه ربنا جل وعلا ويرضاه. وأول ذلك أن تعلم، أخي المسلم، أن الله جل وعلا فرض على المسلمين حج بيت الله الحرام مرة في العمر، بعمرة وحج، بعمرة، أو حج، أو عمرة، تعتمر بها إلى بيت الله الحرام، وتحج إلى بيت الله الحرام. فإن أفردت كل واحد منهما، أو جمعتهما في سفرة واحدة، سقط عنك هذا الواجب الذي فرضه الله عز وجل عليه، وهو ركن من أركان الإسلام، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في صحيحين، من حديث عبد الله بن عمر: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان». وهكذا في حديث أبي هريرة في الصحيحين، وفي حديث عبد الله بن عمر، عن أبيه عمر رضي الله تعالى عنه، بصحيح مسلم، أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعلم الناس أمور دينهم، فكان من ذلك أنه سأل، وهو يعلم بما يسأل، قال: «أخبرني على الإسلام»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا». فعلم أن دين الإسلام يقوم على هذه المباني الخمسة، من أقامها قام دينه، ومن لم يقمها لم يقم له دينه، ولم يتم حتى يتمه. ومن حكمة الله ورحمته ورفقه بعباده، أن فرض فريضة الحج على أهل الاستطاعة، كما سمعنا في حديث عبد الله بن عمر المتقدم، بل بقول الله جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. ومعنى الاستطاعة، بكلام أهل العلم، هي الاستطاعة المالية والبدنية. الاستطاعة المالية، بامتلاك ما يوصلك إلى بيت الله الحرام، من زاد وراحلة، ونفقة، أو ما يقوم مقام ذلك، مما يستخدم الناس في زماننا المعاصر. وهكذا كذلك الاستطاعة البدنية، التي تكون بالصحة والقدرة، وعدم الخوف بالطريق، وكل ذلك يدخل في معنى الاستطاعة. فإن كان كذلك، فقد وجب الحج، فإن لم يكن، فإنه لا يجب، أو أنه يجب التوكيل. فإن كان ذلك الحاج الذي استطاع الاستطاعة المالية، ولم يستطع الاستطاعة البدنية، وكان بصحته شيء، فإن كان مرضه مؤقتا غير دائم، فإنه يجب عليه عند البرء أن يحج بيت الله الحرام. فإن لم يكن كذلك، إذ كان مرضه الذي ابتلي به مزمنا، كشيخ كبير، أو رجل زمن بهداء من الأدواء المزمنة التي لا تنفك عن أصحابها غالبا، فمثل هذا يوكل، لما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، من حديث عبد الله بن عباس، أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم: «أن أباها شيخ كبير لا يثبت على الراحلة، أفتحج عنه؟» فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تحج عنه. والحديث أصله بالصحيحين، وهكذا بمعنى حديث برزين العقيل، بإسناد حسن، أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم نحو ذلك، فأمره أن يحج عن أبيه ويعتمر. واستدل به العلماء على أن الحج والعمرة، كل منهما واجب على كل مسلم ومسلمة، بالغ عاقل مستطيع. فإن كان كذلك، فإنه يجب عليه، وإلا وكل، إن كان يستطيع التوكيل، كما سمعنا في هذين الحديثين. وهكذا كذلك، مما ينبغي أن تعلمه، أنه كذلك من سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في حج بيت الله الحرام، أن الله جل وعلا فرض هذه الفريضة على وجه الفورية، لمن استطاع ذلك. ويدلك على ذلك مبادرة النبي عليه الصلاة والسلام، وأمره أصحابه بالحج. فقد صح عنه من غير وجه، أنه أمر أصحابه رضي الله تعالى عنهم بالحج. بل صح عنه، وذكره شيخنا رحمه الله تعالى في الصحيح المسند، مما ليس بالصحيحين، أنه قال عليه الصلاة والسلام: «حجوا قبل أن لا تحجوا، فإني لا أدري ما يعرض لكم، أو قال: فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له، فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له». فكم من إنسان يمني نفسه بالحج، ثم يبتلى بمرض، أو يتوفاه الله عز وجل، وقد كان مستطيعا يستطيع الحج، فقصر في ذلك الواجب، فكان بذلك قد لحقه ما لحقه، وهو على ذاك التقصير. أو ربما كذلك ذهب عنه ذاك المال، فكم من غني صار فقيرا، كما أن كم من صحيح صار سقيما. وأمر الله جل وعلا يجعله على ما يشاء سبحانه، فينبغي لمن تيسر له أمر الحج أن يعجل بذلك، خصوصا بعد ما يسمع قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، فسمى المتخلف عن الحج كافرا، سماه كافرا، إذ وقع في الكفر. ومن كفر، أي بتركه الحج بعد استطاعته، فإن الله غني عن العالمين. وقد فسر العلماء هذا الكفر، كفرا بين كفرين، بين الكفر الأكبر المخرج من دين الإسلام، إن كان ذلك على وجه الجحود، وكذلك ما كان بمعنى من إهمال وتضييع هذه الفريضة، وهذا الركن من أركان الإسلام. أو أنه على معنى الكفر الأصغر، كفر النعمة، وكفر الفضل من الله جل وعلا، إذ تفضل عليك بنعمة المال، ونعمة الصحة والعافية، فلم تشكر الله جل وعلا على نعمته، إذ لم تؤد هذه الفريضة، وهي يسيرة عليك، فكان هذا معنى آخر من معاني الكفر، كذلك يقع لبعض الناس، بتكاسلهم عن أداء فريضة الحج. وانظروا إلى النبي عليه الصلاة والسلام كيف أدى هذه الفريضة، أدىها معجلا بها. فرض الحج في أصح أقوال أهل العلم في السنة التاسعة، قيل في أواخرها، وقال بعض أهل العلم في السنة العاشرة. وسواء أكان ذلك أو هذا، فإنه عليه الصلاة والسلام بادر بالحج، إذ حج عليه الصلاة والسلام في السنة العاشرة. وفرض على أبعد التقديرين في السنة التاسعة، يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم بادر في العام الذي بعده. وقد أجاب بعض أهل العلم عن تأخره، على تقدير التأخر إن وقع، أنه كان لأجل أن يمهد تخلية البيت من بقايا الجاهلية، إذ أرسل أبا بكر في السنة التاسعة أن يأمر أن لا يطوف بالبيت مشرك، ولا عريان. فقد أمر أن لا يحج مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. وهكذا أمر أبا بكر رضي الله تعالى عنه، وعليا أن يطهرا البيت من المشركين، وآثار المشركين. وهكذا كان به تهيئة في تعليم الوفود الذين وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم في السنة التاسعة، إذ وفد عليه من وفود العرب، من نجد والبحرين، وهكذا من نجران، ومن اليمن، ومن غيرها، وفود كثر، علمهم صلى الله عليه وسلم أحكام الدين. وكان في ذلك كذلك تهيئة أن يستعد الناس للحج، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. فكيف إذا انضاف إلى ذلك، أخي المسلم، أن بهذا الحج، كما سمعت، فوائد دينية، وأخرى دنيوية. ففي هذا الحج فوائد دينية كثيرة، ومن أعظمها أنك تكفر ذنوبك وخطاياك، وذاك من أعظم ما يطمع فيه المسلم. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أنه قال: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه». وصح كذلك عنه رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة». وفسر الحج المبرور، ما كان خالصا صوابا، خالصا لوجه الله، لا رياء فيه ولا سمعة، لا يؤديها العبد على وجه الرياء والسمعة، أو يؤديه العبد على وجه كذلك مسايرة الناس، ومجاملتهم، وغير ذلك من الاعتبارات الدنيوية. ولكنه يؤديه خالصا لوجه الله جل وعلا، وهكذا صوابا، موافقا لسنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإن أداه كذلك، فإنه بإذن الله تعالى يكون حجا مبرورا. فما أكثر الذين يحجون، ولكنهم يحجون رياء وسمعة، أو يحجون مجاملة ومسايرة للناس، حتى يقال: «إنه لامرؤ قد حج»، هذا قصده، وهذا مطلبه، وهذا منتهى، فلم يكن بذلك ممن نال الحج المبرور. وكم من إنسان حج على غير سنة النبي عليه الصلاة والسلام، إما بجهله، تخبط في مناسك الحج، وإما أنه كذلك صار يؤدي ذلك على شيء من أعمال بعض المبتدعين، الذين أحدثوا في دين الله عز وجل، ما لم ينزل الله عز وجل به سلطانا، فإن ذلك كله منافي لمتابعة سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الحج. وهكذا كذلك، إخواني في الله، إن من صفة الحج المبرور، هو الحج الذي لا تصحبه معصية، ولا تتبعه معصية. صاحب الحج المبرور، يتخلى من جميع الحقوق التي عليه، فلا هو متعلق بمظلمة من المظالم. فرب إنسان يأتي بأعمال صالحة كثيرة، ولكنه قد فعل ما يذهب أجر تلك الأعمال الصالحة الكثيرة، وهو المفلس الذي أخبر عنه النبي عليه الصلاة والسلام. يأتي وقد سفك دم هذا، وانتهك عرض هذا، وانتهك مال هذا، فيأتي وقد أخذ من حسناته، فإن فنيت حسناته، ووضع في سيئاته. وهكذا كذلك، من يأتي مع نفس الحج بشيء من الفسوق، فإن ذلك مما يذهب عليه معنى الحج. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». وقال ربنا جل وعلا: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. فلا رفث، أي لا معنى سيء، قولي ولا فعلي. ومن ذلك الجماع، فإنه من محظورات الحج. فإن الجماع من محظورات الحج، وهكذا كذلك مقدماته، بل حتى الخطبة، أن يخطب الرجل الحاج، أو يخطب له، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عثمان، أنه نهى عن ذلك عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك، من علامات الحج المبرور، أن صاحبه يحسن عمله بعد حجه، فإن ذلك برهان أن هذا الحاج قد وفق، وحسن حاله وعمله، بما كان من حجه من بره في حجه. وهكذا كذلك، ينبغي أن تعلم، أخي الحاج، وأخي المسلم، أن الحج المبرور، هو الحج الذي صاحبه يتتبع هذا العلم الذي أدى به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حجه، قولا وفعلا، حسا ومعنا. فإن أناسا ينظرون إلى آحاد أعمال الحج، ويغفلون عن حقيقة هذا الحج. فإن حقيقة الحج، هي تزكية للنفوس، وهي طهرة للقلوب، والظاهر. ظاهر المرء، وباطنه، فإذا كان كذلك، فاستشعر أنك تؤدي عبادة لله جل وعلا، فإذا أديتها، أديتها بخشوع، وأديتها بخضوع، وأديتها بذل، وكذلك محبة، وتعظيم لله رب العالمين. وهكذا أديتها برفق، وسكينة، لم تؤدها وأنت قد اعتديت على الآخرين، بزحام، أو بإيذاء، أو كذلك باعتداء، أو كذلك بوقوع في أنواع من المعاصي، إما بشيء من المعاصي، بما يكون بعينك، أو يكون بيدك، أو يكون كذلك في أمانتك، أو يكون بلسانك، أو يكون برجلك، أو يكون بخلقك، أو أي شيء من ذلك. فإنك إن علمت أنك جئت لله جل وعلا ملبيا، تقول: «لبيك اللهم لبيك»، أي مجيب، إجابة خلف إجابة، مؤكدا إجابتك لله جل وعلا، إذ أمرك بحج بيت الله الحرام، وأنت تركت كل ما تحب، وكل ما تعز وتشتهي لله سبحانه وتعالى، فحرام عليك أن تضيع بعد ذلك، تضيع هذا الذي افتقدت، وهذا الذي بدلت، في شيء من المعاصي، أو المخالفات، يكون سببا في إذهاب معنى هذا الحج عن نفسك. ولهذا، فإننا نمر مرورا مختصرا، في شيء من حجة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ونمر بحديث جابر بن عبد الله، الذي كما قال العلماء، هو أجمع ما روي عن الصحابة رضي الله تعالى عنه، في مناسك الحج، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأصل هذا الحديث، رواه الإمام مسلم في صحيحه. وقد زاد بعض المخرجين بعض الزيادات، جمعها عدد من أهل العلم في مصنفات. فمن هذه الزيادات، زيادات في السنن والمسانيد، وهكذا زيادات في مستخرج أبي نعيم، وغيرها من الكتب الأخرى. وقد جمعها من الأئمة المتأخرين، الشيخ الإمام العلامة محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله، في رسالته النافعة القيمة، المسمى بـ«حجة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم». وأول هذا الحديث، يقول به جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه وأرضاه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم مكث تسع سنين لم يحج»، قال: «حتى كانت السنة العاشرة، حتى كانت السنة العاشرة»، قال: «أذن أمر النبي صلى الله عليه وسلم من يؤذن بالناس بالحج»، أي من يدعوهم إلى الحج، أي من يدعوهم إلى الحج. ويدل عليه ما جاء في الصحيح، في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أنه قام في الناس عليه الصلاة والسلام، فقال: «إن الله فرض عليكم الحج فحجوا، إن الله فرض عليكم الحج فحجوا». فقام رجل فقال: «في كل عام يا رسول الله؟» فأعرض عنه النبي عليه الصلاة والسلام، حتى كررها ثلاثا، أي الرجل، فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقال: «إنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، لو قلت نعم لوجبت، ولكنها مرة»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن فرضية الحج، وأنه مرة واحدة في العمر، وهو ما يدل عليه نص الكتاب. ثم يقول جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه وأرضاه: «وأذكر ألفاظ الحديث إن تيسر، وإلا بمعناه»، وهذا أكثر ما يذكر. ثم ذكر جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أن الناس تهيأوا لذلك، كلهم يطمع أن يحج مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كلهم يطمع أن يحج مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقدموا، أي إلى المدينة، كلهم يرجو أن يتأسى به عليه الصلاة والسلام. ثم قال رضي الله تعالى عنه وأرضاه: «أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خرج من المدينة، وقبل خروجه خطب الناس عليه الصلاة والسلام، وأعلمهم بالمواقيت المكانية للحج». فقال عليه الصلاة والسلام: «مهل مهل أهل المدينة من ذي الحليفة، ومهل الطريق الآخر من الجحفة، ومهل أهل نجد من قرن، ومهل أهل اليمن من يلملم». وجاء بالصحيحين، من حديث عبد الله بن عمر، وبمعنى من حديث عبد الله بن عباس، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، ويهل أهل الشام من الجحفة». وذي الحليفة، موضع معروف اليوم، يسميه بعض العامة بأبيار علي، فيه مسجد الإحرام الذي يحرم منه أهل المدينة، وهو على قدر ربع ساعة تقريبا من المدينة، أي من مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. والجحفة، موضع كان قبل ذلك مسكنا، ثم صار دارا خربة، دعا النبي صلى الله عليه وسلم أن تنتقل الحمى المدينة إليها، وإنها لم تسكن بعد ذلك، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. فصار الناس يتخذون إهلالهم قبل ذلك من موضع يقال له رابغ، وهو الموضع الذي يحرم منه الناس اليوم، موضع يحرم منه الناس، فيه مسجد الإحرام، يسمى رابغ، وهو على طريق أهل الشام، إذا مروا إلى مكة من طريق الساحل، وهو في طريق المدينة إلى مكة، أو إلى جدة من طريق الساحل. والوادي الحليفة، من الطريق المسمى بطريق الهجرة، من الطريق المسمى بطريق الهجرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل من جهته. فالشاهد أن هذه المواضع التي حدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، هي مواضع يحرم منها الحاج، فإذا وصل إليها، لم يتجاوزها، إذا كان يريد الحج والعمرة، إلا وهو محرم. كما قال عليه الصلاة والسلام: «هن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، ممن أراد الحج والعمرة». فإذا علمت ذلك، علمت أن إحرام من أراد الحج، ممن كان مسكنه خارج هذه المواقيت، فهو من هذه المواقيت، أو ما وازاها من هذه المواقيت، أو ما وازاها. فأهل اليمن، هم بعيدون من مكة، فإذا مروا من طريق الساحل، فإنهم سيمرون بيلملم. ويلملم، موضع كان يسير فيه الركبان من قديم، وهو في طرف واد. ولما صارت الطريق اليوم ليست على الطريق، في مكان من قبل، صار الناس يحرمون من موضع يقال له السعدية. ثم لما صارت الطريق اليوم على هذا الذي عليه الناس اليوم، جعل مسجد الميقات، وهو موضع يوازي السعدية، وقبله قليلا، فصار موضع إحرام الناس. فالشاهد، من أتى من تلك الجهات، أراد الحج أو العمرة، فيحرم من هذا الموضع. فإن أتى من طريق التهائم، فمر بالطائف، فإنه سيحرم من إحرام أهل نجد، من موضع إحرام أهل نجد، وهو الذي سماه النبي عليه الصلاة والسلام «قرن المنازل». واليوم بنية موضع لإحرام الناس، في مسجد الميقات، لأهل نجد وما حولها. ومن مر منها، وهو المسمى اليوم بالسيل الكبير، المسمى بالسيل الكبير، وهو فيه موضع خاص لتهيئة المعتمرين والحجاج للإحرام، وهو المسمى بميقات السيل الكبير، فإن الناس يحرمون منه. وهكذا كذلك، فأهل المدينة يحرمون من ذي الحليفة. فهذه أربعة مواضع حول مكة. ومن أتى من جهة أخرى، فإنه يمر بما يوازيها. ولهذا صح أن عمر رضي الله تعالى عنه وقت لأهل العراق «ذات عرق»، و«ذات عرق» هي أرض في بادية بين نجد وتهامة، كما قال أهل العلم، هي أرض في بادية بين نجد وتهامة، وهي توازي قرن المنازل، وهي توازي قرن المنازل. فإذا من أتى من أي جهة من الجهات، يريد الحج والعمرة، فمر بهذه المواقيت، أو ما يوازيها، فإنه عليه أن يحرم من ذلك الموضع. فإن كان دون هذه المواقيت، كأهل جدة، وأهل الجموم، وأهل وادي فاطمة، وغيرها من المواضع التي هي دون هذه المواقيت، فإنه يحرم من محله. قال عليه الصلاة والسلام: «ومن كان دون ذلك، فمن حيث أنشأ»، حتى أهل مكة، من مكة. يعني حتى أن أهل مكة يحرمون من مكة. فمن كان دون المواقيت، أي إلى جهة مكة، فإنه يحرم من مكانه، كما سمعت. وبه تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس، فعلمهم أحكام الحج. وجاء في الصحيحين، أن ذلك كان في المسجد، كما سمعت قبل ذلك. وبه نعلم أنه ينبغي أن يبرز العلماء والدعاة، وطلبة العلم، لتعليم الناس أحكام الحج، وتكرير مسائل الحج؛ لأن تكرار ذلك للناس، سبب لإتقانهم لهذه العبادة. ومع ذلك التكرار، ومع ذلك الإيضاح، فإنه لا يسلم الكثير من الحجاج من الخلل والنقص. لكن ينبغي للناس جميعا أن يعتنوا بالتعليم والتعلم، اقتداء بسنة النبي عليه الصلاة والسلام. ثم قال جابر بن عبد الله: «حتى إذا كان أربع أو خمس بقينا من ذي القعدة»، ويريد بذلك أنهم حتى إذا كانوا في السادس والعشرين من ذي القعدة، خرج النبي صلى الله عليه وسلم للحج. وهذا هو الأكثر الذي روي عن النبي عليه الصلاة والسلام. وفي حديث جابر، رواه بالشكل على أربع، أو غير ذلك. والصواب أنه على أربع، بقينا، يعني في السادس والعشرين من ذي القعدة، خرج النبي صلى الله عليه وسلم بالحج. حتى وصل بذي الحليفة، يقول جابر بن عبد الله: «فنظرت بين يدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مد بصري»، يعني والناس يمشون. قال: «وعن يمينه مثل ذلك، وعن شماله مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، كلهم يرجو أن يأتم به، ويأخذ نسكه منه عليه الصلاة والسلام». قال: «والقرآن ينزل، ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعلمه ويفسره»، أي يفسره للناس، على حسب ما ينزل عليه من أحكام الحج. فلما أتى بذي الحليفة عليه الصلاة والسلام، نزل بها، ونزل الناس. فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر الصديق، وهي زوجة أبي بكر الصديق، أحد زوجاته رضي الله تعالى عنهم جميعا وأرضاهم. فأرسلت إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسأله: «ماذا تصنع؟» فأمرها أن تغتسل، وأن تستثفر. ومعنى أن تتحفظ، وتمنع نزول الدم بعد أن تغتسل، وتهل بالحج مع الناس، وتهل بالحج مع الناس. واستدل العلماء بهذه الجملة، على أنه يستحب للحاج والمعتمر، إذا أتى موضع الإحرام، أن يغتسل لأجل الإحرام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أسماء بنت عميس، وهي لا تستفيد من الغسل، فهي نفساء، ومع ذلك أمرها أن تغتسل، فدل ذلك على استحبابه للمحرم. ثم أهل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو على راحلته، مستقبل القبلة، يقول: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك». ويقول جابر بن عبد الله: «قال فأهل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالحج، مفردا، ليس يعلمون إلا ذلك». هذا فيما علم جابر بن عبد الله. وإلا فقد روت عائشة رضي الله تعالى عنها، كما جاء بالصحيح، أن من الناس من أهل بالحج، وأن منهم من أهل بعمرة، أي مع الحج، قارنا منهم من أهل بحج، ومنهم من أهل بعمرة. ويفسره أنه قارن، أنهم ما كانوا يعلمون عمرة مفردين بها، متمتعين بها إلى الحج، كما سيأتي من حديث جابر بن عبد الله. فانطلق، وانطلق الصحابة رضي الله تعالى عنهم مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهم يسيرون بين التكبير والتسبيح، إذا صعدوا أو نزلوا، وبين التلبية، إن لم يكونوا كذلك. حتى إذا وصلوا موضعا يقال له «سرف»، وهو موضع قبل مكة بعشرة أميال، حاضت عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها. فسألت النبي صلى الله عليه وسلم: «ماذا تصنع؟» فأخبرها أن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم، وأنها تصنع ما يصنع الحاج، غير أنها لا تطوف بالبيت، غير أنها لا تطوف بالبيت. قال: «فأتينا مكة، ودخلناها ضحى»، كما أخبر جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه وأرضاه، في أربع من ذي الحجة، لأربع خلون من ذي الحجة، يعني في اليوم الرابع من ذي الحجة. ومعنى أنهم ساروا مع النبي عليه الصلاة والسلام من المدينة إلى مكة، قرابة ثمانية أيام، أو سبعة أيام، يمشون، منهم الراكب، ومنهم الماشي على قدمه، كما أخبر جابر بن عبد الله، وغيره من الصحابة. وبه تعرف علو همة الصحابة رضي الله تعالى عنهم، في أداء فريضة الحج. فقد خرجوا مع النبي، كما قال جابر في أول الحديث، معه النساء والصبيان، خرجوا إلى الحج معه، النساء والصبيان. ومنهم الراكب، ومنهم الماشي، هكذا أخبر رضي الله عنه وأرضاه. ويمشون، كمن ليس يمشون ساعة، ولا ساعتين، ولا عشر، ولا عشرين، ولا ثلاثين، ولكن مشوا سبعة أيام، أو ثمانية أيام، وهم بين مكة، بين المدينة ومكة، حتى وصلوا مكة. فكيف بمن تيسر له الحج، بوسائل النقل المعاصرة الحديثة، المريحة، التي فيها من وسائل الراحة والرفاهية، ما لم يخطر ببال أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم؟ فإنه يمضي المسلم أن يحمد الله على تيسير نعمة، وأن يبادر بأداء هذه الفريضة، بعد تيسر السبل إليها. وهكذا أخبر جابر بن عبد الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل إلى مكة، وأنه أول ما بدأ، أن نزل من راحلته، ثم دخل إلى المسجد الحرام، فاستلم الحجر الأسود. وجاء في حديث عبد الله بن عمر، في ذكر شيء من صفة عمرة النبي صلى الله