المحاضرة بعنوان عز الأمة بتمسكها بالكتاب والسنة، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 11 محرم 1440هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
دعوة أهل السنة والجماعة تقوم على التمسك بكتاب الله وسنة رسوله، وهذا التمسك يحقق النجاح والتمكين. تاريخ المسلمين حافل بالفتوحات والآثار الحضارية الباقية.
الإسلام أثر في الحضارة الأوروبية، والابتعاد عنه يؤدي إلى الضعف. العزة الحقيقية تأتي من الالتزام بكتاب الله وسنة رسوله والتحصن بعلم أهل السنة والجماعة.
أهل اليمن مميزون بفضلهم وتمسكهم بسنة النبي. طلب العلم يحتاج إلى الصبر والاستمرار والصدق، وتجربة الشيخ عبد الرحمن خير مثال على ذلك.
الجد والاجتهاد ضروريان في طلب العلم، ولا يمكن نيله براحة الجسد. الشباب يجب أن يستغل وقته في القراءة والتحصيل العلمي.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنحمد الله سبحانه وتعالى حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى. نحمده سبحانه الذي أنعم علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ونخصه سبحانه وتعالى بالحمد والثناء عليه بما هو أهله، على ما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام. وذلك عظيم ما أنعم الله عز وجل به علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. كما نحمده سبحانه الذي يسر لنا بمثل هذا المجلس الطيب المبارك، نجتمع على كتاب الله وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، نجتمع لا لأحساب ولا لأنساب ولا لأعراض ولا أغراض، ولكن نرجو ما عند الله سبحانه وتعالى. وهذه نعمة عظيمة أيها الأحبة، أن يجتمع أهل هذه الدعوة المباركة، أهل هذا الدين، أهل هذا المنهاج، أن يجتمعوا على ما فيه الخير لهم في دينهم ودنياهم. كما أشكر بادئ ذي بدء مشاركة المشايخ الفضلاء والدعاة النبلاء، وكلماتهم النافعة الماتعة المفيدة التي أفادوا ونفعوا بها. نسأل الله عز وجل أن يجزيهم خير الجزاء، وأن ينفعنا بما سمعنا، وأن يجعلها مفتاحًا للخير، مغلاقًا للشر، اللهم آمين. وفي ثنايا ما ذكروا، ذكروا كلمات في الحقيقة، حسب أن أقول: ما أنا إلا طالب علم، أسأل الله عز وجل أن يعينني وكل إخوتي على طريق العلم حتى نلقاه، وأن يجعلنا وإياكم من محبيه ومن العاملين به حتى يتوفانا الله سبحانه وتعالى عليه. وحسب أن أقول ما قال أبو بكر -كما نقل عنه رضي الله عنه وأرضاه-: «اللهم إني أستغفرك مما يقولون، واغفر لي ما لا يعلمون، واجعل لي خيرًا مما يظنون، اللهم آمين». أيها الأحبة، دعوة أهل السنة والجماعة دعوة صافية نقية واضحة، كما قال عنها نبينا عليه الصلاة والسلام: «جئتكم كالبيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك». دعوة هي من كتاب الله إلى كتاب الله، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. دعوة قائمة على ما أحبه الله عز وجل لخلقه، وما أراد الله عز وجل به أن يكون فيه الخير لخلقه. ولن يصلح الخلق إلا ما جاء من خالقهم، وهو القائل سبحانه وتعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:14]، الذي خلق الخلق سبحانه هو وحده الذي يعلم ما يصلحهم، ويعلم ما به خيريتهم. ولذلك كان -ولا يزال- دعوة أهل السنة والجماعة هذه الدعوة المباركة التي منبعها كتاب الله، ومنبعها سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا تزال دعوة -بفضل الله- منصورة مؤيدة ناجية عالية، لها الظفر، ولها -بفضل الله سبحانه وتعالى- النجاح، ولها -بفضل الله سبحانه وتعالى- التمكين. من صداق قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما جاء في مستدرك الإمام الحاكم بإسناد صحيح، وحسنه بعض أهل العلم، جاء من حديث ابن عباس، ومعنى من حديث أبي هريرة رضي الله عنهما: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعد أبدًا: كتاب الله وسنتي». وفي السنن عند أبي داود وغيره، من حديث أبي الدرداء عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور». فهذه وصايا نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وعلى هذا سار صحابته رضي الله عنهم وأرضاهم في حياته وبعد مماته، كانوا يحرصون على أن يوافقوا نصوص الكتاب والسنة، وأن يمرروا نصوص الكتاب والسنة في سائر شئون حياتهم. فالعقيدة عقيدة الإسلام والسنة، والعبادة عبادة الإسلام والسنة، والمعاملة معاملة الإسلام والسنة، والأخلاق أخلاق الإسلام والسنة، والمنهاج منهاج الإسلام والسنة، قولًا وعملًا، ظاهرًا وباطنًا، تربيةً وتزكية. مرروا ذلك فطبقوه، فكانوا خير أمة أخرجت للناس. كانوا رعاة إبل وغنم، فجعلهم الله عز وجل رعاة للبشر في فترة يسيرة. كانوا في غاية من البعد والضعف، كانوا يتصارعون يتأكلون يتقاتلون، فعلوا الشيء الكثير مما فيه البعد عن معنى الإنسانية والبشرية. فلما دخلوا في هذا الدين واتبعوا هذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، جعلهم الله عز وجل بعد رعاة الغنم والإبل والبقر رعاة للبشر في فترة يسيرة. كانوا متفرقين متمزقين لا يكاد يجتمع قوم ولا طائفة ولا قبيلة ولا حي، فجمعهم الله عز وجل بهذا الدين، ونصرهم الله عز وجل بهذا الدين. فملكوا ملك أكبر مملكتين في ذلكم الزمان: ملك هرقل وكسرى، في فترة يسيرة. في فترة يسيرة صار لأهل الإسلام ملك مشارق الأرض ومغاربها. لم يعرف التاريخ ولم تعرف البشرية مملكة بلغ ملكها ما بلغ ملك أهل الإسلام. لكنه متى كانت أهل الإسلام على الإسلام والسنة، على ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام، بلغ ملكها ما لم يبلغه ملك أحد من ملوك الأرض في تاريخ البشرية شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا. بلغ شرقًا إلى أقصى وأطراف المشرق إلى جهة الصين، وبلغ غربًا إلى آخر أفريقيا، بل على القول الصحيح: أن أهل الإسلام هم أول من وصل الأمريكيتين. فالأمريكيتان إنما دخلها المسلمون أولًا، وآثار المسلمين لا زالت موجودة إلى يومنا هذا في الأمريكيتين. فلا يغير ولا يكذب علينا أهل التاريخ المزيف. وبلغ ملكهم إلى شمال أوروبا وأطرافها، ولا يزال آثار أهل الإسلام في أوروبا الشرقية وفي أوروبا الغربية وفي شمال أوروبا آثار المسلمين موجودة في مكاتبهم ومساجدهم وكتبهم. رأيتها ورآها غيري كثير، مما يدلك على ما أنعم الله عز وجل به على أهل الإسلام. بلغ هذا الدين أن أقام حضارة لا تعرفها البشرية. وهذه الحضارة التي نعيشها اليوم إنما هي حقيقة ثمرة من ثمرات المسلمين. كنت في أحد الجامعات في ألمانيا في مدينة دوسلدورف، فلقيت بعض الأساتذة فيها، وكانت كلمة لبعض الطلاب المسلمين، وحضر غير المسلمين. فذكر بعض الأساتذة أن أحد الأساتذة في هذه الجامعة العريقة -وكان مدرسًا في أحد الجامعات- أوقف أرضًا للمسلمين، وهو كافر، أوقف أرضًا للمسلمين ليقام فيها مسجد. فتعجبت، فقلت لهم: لماذا أوقف هذا الكافر هذه الأرض للمسلمين؟ قال: لأنه يكرر علينا في دروسه ومحاضراته ويقول: ما ننعم به نحن الشعوب الأوروبية من حضارة، إنه من حضارة أهل الإسلام، إنه من حضارة أهل الإسلام. كنا -قال- غاية في البداوة والغوغاء حتى جاءتنا الحضارة من الأندلس، حتى جاءتنا الحضارة من الأندلس. فقال: لولا حضارة الأندلس والمسلمين لما نعمنا بهذه الحضارة التي نحن فيها. ولكن القوم يغيرون التاريخ، ولكن القوم يغيرون التاريخ. أتدرون هذا البشت الذي يلبسه القضاة في أوروبا وفي أمريكا؟ هذا البشت الذي يلبس هو حقيقة كان بشتًا وعباية يلبسها القضاة في الأندلس. فكان إذا وصل الطالب مرتبة القضاء وتخرج من الجامعة ألبس لباس العلماء، فأعطي العباءة، ووضع على رأسه العمامة. فصارت هذه علامة أن هذا الطالب قد بلغ مرتبة العلماء، أو بلغ مرتبة القضاء. ولا يزال إلى يومنا هذا حتى في عرف الكفار وفي جامعاتهم، إذا تخرج الطالب ألبس هذه العباءة، ولكن غير في شكلها شيئًا يسيرًا. لا يعرفون العباءة ولا الثوب الطويل في لباس الكفار، كلنا يعرف ذلك. فلماذا يلبسون هذا اللباس؟ هذا قليل من كثير مما يدلك على أثر أهل الإسلام حتى على هذه الحضارة المعاصرة. وانظروا وقرأوا وتفكروا بدقة أثر أهل الإسلام في جميع جوانب العلوم المعاصرة. فإن أول من فتح مفاتيحها هم علماء وأهل الإسلام. وأريد بهذا أن أقول: أيها المسلمون، أيها المسلمون، أيها الرعاة، أيها المرعيون، اعلموا أن عزنا بهذا الدين، وأننا متى ما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله. كلمة قالها عمر رضي الله عنه وأرضاه، قالها قبل ألف وأربعمائة سنة، وهكذا نجد أثرها إلى يومنا هذا، وصدق رضي الله عنه وأرضاه: إننا أمة عزنا الله عز وجل بهذا الدين، فمتى ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله. أنت أيها المسؤول، وأنت أيها المدرس، وأنت أيها الأمير والسلطان، وأنت يا أيها الصحفي، وأنت يا أيها الإعلامي، وأنت يا أيها القاضي، وأنت يا أيها التاجر، اعلموا -والنعلم جميعًا- أننا متى ابتغينا العزة في غير الإسلام الحق، في غير الإسلام الصادق الصافي، أذلنا الله سبحانه وتعالى. مهما بلغت وتحصلت من هذه الدنيا الفانية، أو جمعت مما تظن أنه فيه العزة وفيه الشرف وفيه الرفعة وفيه المتعة، فإنه -والله- زائل، وفي الآخرة باقٍ، يسألك الله عنه سبحانه وتعالى. كم كان في هذه الدنيا من الكبراء ومن الرؤساء ومن الزعماء ممن تسلطوا بظلم، أو تسلطوا ببغي وعدوان؟ لم ننس فرعون، ولم ننس قارون، ولم ننس النمرود، ولم ننس غيرهم ممن ذكرهم الله، وسطرهم التاريخ؟ أين هم اليوم؟ هم في مقبرة التاريخ منسيون، لهم تاريخ سوء، ولهم خاتمة سوء، ولهم ذكر السوء في هذه الدنيا، فضلًا عما ينتظرهم بيوم القيامة، فضلًا عما ينتظرهم يوم القيامة. لكن تأمل: أين سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي ملكه الله ما لم يملك ملكًا؟ ومع ذلك يتوسد التراب حتى يؤثر الحصير فيه، فيبكي عمر رضي الله عنه وأرضاه ويقول: «يا رسول الله، أنت هكذا، وأهل كسرى فيما هم فيه». إلى آخر ما قال رضي الله عنه وأرضاه. أين عمر رضي الله عنه وأرضاه؟ أين أبو بكر؟ أين عثمان؟ أين علي؟ أين سائر الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم الذين ملكوا الأمصار، وملكهم الله عز وجل الديار؟ ومع ذلك لم يكن ذلك سببًا في إثمهم، ولم يكن ذلك سببًا في طغيانهم. بل ما أعطاهم ما أعطاهم الله عز وجل به إلا كان سببًا في التوسعة، والسعي على الخلق، إلا كان سببًا في الرحمة والإعانة للخلق، إلا كان سببًا في القرب والتعبد لله سبحانه وتعالى. وهكذا أنت أيها المسلم، تذكر دائمًا أنك مأمور بالالتزام بكتاب الله، وبسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأنك مأمور بالتقيد بما أمرك الله سبحانه وتعالى. فجعل الله عز وجل لك صراطًا مستقيمًا، ودينًا قويمًا، ممتثلًا متمثلًا بما في كتاب الله، وما في سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فمتى استمسكت بأوامر الله، واجتنبت نواهي الله، وصرت على الصراط المستقيم، والدين القويم الذي كان عليه نبيك الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وصحابته من بعده رضي الله عنهم، ومن اتبعهم بإحسان من أئمة الهدى ومصابيح الدجى، ومن اتبعهم بإحسان من الصديقين والشهداء والصالحين، فأنت -بفضل الله سبحانه وتعالى- على الخير الذي يرجوه الله عز وجل لك، وعلى الخير الذي ترجوه. كما قال سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:26]. أحسنت بالدنيا فأبشر بإحسان الله عز وجل لك في هذه الدنيا، وكذلك في الدار الآخرة. وإذا مرت بك أيها المسلم شدة، وإذا مر بك بلاء، فاعلم أن النصر مع الصبر، واعلم أن مع العسر يسرًا. وكما قال ابن عباس رضي الله عنهما فيما روي عنه: «لن يغلب عسر يسرين». فالله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:5-6]. فإن الله عز وجل ذكر العسر معرفًا، وإذا عطف المعرف على المعرف دل أنه واحد، وإذا عطف المنكر على المنكر دل أنه مختلف. فهنا عسر واحد، ويسران. ولن يغلب عسر يسرين -كما يروى عنه رضي الله عنه وأرضاه-. فهكذا كذلك نبشر أنفسنا وإخواننا وآباءنا وأبناءنا: أن الفرج قريب، وأن النصر قريب، وأن اليسر قريب. ولكنه مع الصبر، ولكنه مع الصبر. فالصبر مفتاح الفرج، وفيه الخير. وقد أمر به النبي صلى الله عليه وسلم في مواضع كثيرة في كتابه، بل وربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم في مواضع كثيرة. بل ومن أعظم وأكبر أسباب الحياة الطيبة، قال الله عز وجل: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:1-3]. فإذا كان كذلك، فاصبر، والزم ما علمت من دين الله عز وجل. وإياك إياك أيها المسلم أن تجرك الفتن: فتن الشهوات، أو فتن الشبهات. إياك -سواء كان ذلك بسبب غلبة أهل الشبهة، أو بفتنة أهل الشهوة- فأنت ينبغي أن تلزم ما علمت من دين الله سبحانه وتعالى، وأن تكون من أبعد الناس عن هذه الفتن، وأن تعتصم بكتاب الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتلزم غرز العلماء، وتحرص على أن تتحصن بحصانة العلم. وأن تكون دائمًا وأبدًا في دائرة، وفي كذلك طائفة واجتماع أهل السنة والجماعة. فأنت -بإذن الله سبحانه وتعالى- بهم ومعهم محفوظ من هذه الفتن. لأنك قد تفتن بتغير المتغيرين، وتلون المتلونين، وتخذيل المخذلين، وتلاعب المتلاعبين بدين الله سبحانه وتعالى. أناس ربما كانوا يومًا من الأيام ينادون بالكتاب والسنة، ولأدنى فتنة ولأدنى شهوة غيروا وبدلوا، غيروا وبدلوا. فينبغي أن تحذر من التغيير والتبديل. فقد ذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه يوم القيامة -كما في صحيح مسلم- قد جاء عدد من الصحابة من حديث ثوبان وعمر وجماعة وعبد الله بن عمر: أنه يوم القيامة يذاد أناس عن حوضه عليه الصلاة والسلام، ويعرفهم عليه الصلاة والسلام بأشخاصهم، وأناس آخرون يعرفهم بآثار الوضوء منهم. فيقول: «أصحابي أصحابي». وفي رواية: يقول: «أمتي أمتي». فتقول الملائكة: «إنك لا تدري، إنهم غيروا وبدلوا». فيقول عليه الصلاة والسلام: «سحقًا سحقًا لمن غير وبدل». ولكن أبشركم أيها المسلمون، ويا أهل اليمن خاصة، ويا أهل اليمن خاصة، من وصفهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأهل الحكمة والإيمان. فهو القائل عليه الصلاة والسلام: «الإيمان يمان، والحكمة يمانية». وهو القائل عليه الصلاة والسلام: أنه يكون يوم القيامة في الحوض، ويذود عن أهل اليمن أن يشربوا من الحوض، فهم من أوائل من يشرب من حوض النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. إن دل على شيء، دل على أن أهل اليمن أكثر أهل الإسلام توفيقًا، ولزومًا لسنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وصدق إذ قال: «الإيمان يمان، والحكمة يمانية». قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى: «وما رأيت مثل علماء اليمن أقل الناس جدالًا، وأكثرهم فقهًا، وأكثرهم علمًا». رحمه الله رحمة واسعة. في ذكر صفات أهل العلم، وتفاوت ما هم فيه وما هم عليه. وذكر كلامًا نحو هذا رحمه الله رحمة واسعة. فهنيئًا لمن وفقه الله لأن يلتزم بالكتاب والسنة، وأن يحرص على غرز علماء السنة، وأن يكون في ركب، وفي سير واجتماع أهل السنة. فهو توفيق من الله سبحانه وتعالى. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لما فيه الخير لنا في ديننا، وفي دنيانا، وفي آخرتنا. وأن يجعلنا وإياكم مفاتيح خير، مغالق شر. وأن يحفظنا وإياكم من الفتن ما ظهر منها، وما بطن. وأن يجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، هذه أسئلة أو مجموعة من الأسئلة. لكن إن شاء الله نأخذ ما تيسر منها، وما بقي إن شاء الله يكون له جواب في مجالس لاحقة إن شاء الله تعالى. أولًا، قبل أن أنسى -إن شاء الله تعالى- ستكون دورة مختصرة ابتداء من يوم غد، بعد صلاة الفجر، في كتابين: «السنة» للمزني، وهكذا كذلك «الآداب» للحاكم، رحمهم الله رحمة واسعة، مع تعليق يسير فيما يسر الله عز وجل به. نسأل الله سبحانه وتعالى لنا وللجميع التوفيق والسداد. طيب، هذه مجموعة من الأسئلة -كما قلنا- أنا آخذ ما تيسر منها إن شاء الله. طيب، هذا سائل يقول: ما حكم زراعة الأعضاء البشرية في جسم الإنسان، كزراعة قرنية العين ونحوها؟ اختلف العلماء في حكم زراعة الأعضاء البشرية في جسم الإنسان، والصحيح من أقوال أهل العلم التفصيل في هذا. وهو أنه لا يجوز من مسلم؛ إذ لا يجوز الاعتداء على أعضاء المسلم حيا وميتا. أما حيا؛ لأنه يضره، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار». وأما ميتا؛ لأنه يؤذيه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «كسر عظم الميت ككسره حيا». فكيف بقطع شيء من أعضائه؟ فلا يجوز. وأما من الكافر -سواء بتبرع أو بشراء- إذا لم يكن فيه مفسدة أكبر، ولا ضرر أعظم، فيجوز على القول الصحيح من أقوال أهل العلم. والله تعالى أعلم. هذا سائل يقول: نريد تذكيرًا لنا بشيء عن طلبك للعلم، كنصيحة لطلاب العلم. حقيقةً لست بشيء حتى أجعل قدوة، وفي مشايخنا العظة والعبرة، وكذلك القدوة الحسنة. فهذا شيخنا مقبل رحمه الله رحمة واسعة، قدوة عظيمة في طلب العلم، وفي الصبر على العلم، وفي المثابرة. وهكذا عدد من المشايخ المعاصرين رحمهم الله، وهكذا السابقين كذلك. وسألني قريبًا بعض الإخوة سؤالًا عن سيرة أخينا الشيخ عبد الرحمن رحمه الله، وطلبه للعلم رحمه الله رحمة واسعة. وكنت قد عجزت أن أذكر شيئًا من ذلك. ولعله يناسب الآن أن أذكر شيئًا تذكيرًا بأثره وفضله رحمه الله رحمة واسعة. وهكذا كذلك لعله -وهو أعلم مني وأفضل وأكثر اجتهادًا- رحمه الله رحمة واسعة، فيكون فيه شحذًا للهمم. فطلب العلم أيها الأحبة يحتاج إلى صبر، ويحتاج كذلك إلى استمرار، ويحتاج إلى صدق وإخلاص. هذه ثلاثة أمور إذا وفَّق الله عز وجل طالب العلم لها، أعانه أن يجد ثمرة علمه في الدنيا، ونرجو كذلك أن يكون في الآخرة. وأخينا الشيخ عبد الرحمن رحمه الله رحمة واسعة، قد وفقه الله لهذه الخصال الثلاث، وغيرها كثير. أول طلب علمه رحمه الله رحمة واسعة، كان في سن الرابعة عشر من عمره، توجه إلى المساجد يتعلم القرآن. ثم وفقه الله سبحانه وتعالى لحلق السنة. وكان بعض طلاب شيخنا مقبل رحمه الله قد جاء إلى مدينة عدن، وهم من طلاب شيخنا، ودرس بعض الإخوة، ورجع إلى شيخنا مقبل رحمه الله. فكان طلابهم ممن أخذ الشيء اليسير عندهم من هذا العلم، فأخذ من هذا العلم. وكذلك كنت معه. فكانت هناك دروس في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا دروس أخرى في الحديث، مصطلح علم الحديث: كـ«الباعث الحديث» و«الكفاية في علم الرواية»، وأشياء أخرى. وكان هذا كالطاقة والقوة لطريق طلب العلم؛ إذ علم الحديث من العلوم العظيمة التي تجحد قلب طالب العلم لحب العلم، ولطريق العلم، خصوصًا حين سمعنا وقرأنا كتب الحافظ البغدادي رحمه الله تعالى: كـ«الرحلة في طلب العلم»، وغيرها من الكتب الأخرى. فكانت شحذًا جدًا في طلب العلم. فسبقت الشيخ رحمه الله في ذهاب للشيخ مقبل رحمه الله بخمسة عشر يومًا، ثم تبعني رحمه الله رحمة واسعة بعد خمسة عشر يومًا. وكان رحمه الله غاية في الجد والاجتهاد في حفظ العلم، والحرص على الوقت. كنت أكبر منه سنًا، ولكن أقل منه في الجد والاجتهاد. حفظ القرآن قبلي، وحفظ «رياض الصالحين» قبلي، وحفظ «بلوغ المرام» قبلي، وحفظ «اللؤلؤ والمرجان» قبلي، وحفظ «ألفية العراقي» رحمه الله. وكل هذا كنت أسمعها له، وكنا نتذاكر العلم معًا في أول الطلب رحمه الله رحمة واسعة. وفقه الله للحرص على القراءة في الحديث والفقه، بما يسمع، وما كنا نسمع من نصائح مشايخنا وعلمائنا. لم يصل إلى دماج إلا وقد وفق إلى قراءة «سير العلام» في شرح «عمدة الأحكام». فكنا قد تعاهدنا أن لا نحفظ شيئًا إلا وقرأنا شرحه. وبفضل الله سبحانه وتعالى أتم إيراد «تيسير العلام». ولما أتم حظ «بلوغ المرام»، قرأ كذلك شرح البسام على «بلوغ المرام». وكان حريصًا على القراءة كذلك في كتب الحديث الأخرى. فما وصلنا دماج إلا -ولا زمن الشيخ رحمه الله- إلا وكان عنده الحصيلة الطيبة. فازداد خيرًا بملازمة الشيخ مقبل رحمه الله. وكانت للشيخ دروسًا حضرنا عند كبار الطلبة: كالشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله. وحضرنا درسه بالطحاوية، ودروسه الأخرى في العقيدة. وحضرنا لبعض طلاب الشيخ في اللغة. ثم حضرنا للشيخ مباشرة في «درسي بن عقيل»، وهكذا درسه في «العلل». وسافرت لأسباب إلى المملكة العربية السعودية، فواصلت الطلب عند بعض مشايخنا هناك. وواصل شيخنا وأخينا -واصل الشيخ عبد الرحمن رحمه الله- الطلب عند الشيخ مقبل رحمه الله. وحقيقة كان أكثر جده واجتهاده من مساءلة الشيخ، مع ما كان يقرأ. فكان كثير القراءة، قليل الراحة، أكثر وقته في قراءة الكتب. ومن يقف على مكتبته لا يكاد يمسك دمعة؛ إذ لا يكاد يرى كتابًا إلا وفيه تعليق بخط يده رحمه الله رحمة واسعة. حرص الإخوة، وحرصت معهم على جمع تركة الشيخ العلمية من شروحه. ولما دخلت مكتبة الشيخ رحمه الله، وفتح لي أبناؤه حفظهم الله المكتبة، فتفقدت الكتب. فما وجدت كتابًا إلا وهو تعليق، وما وجدت رفًا إلا وفيه كتاب، ومذكرة، وفيها كتاب بخط يده. ورأيت خزانة -جزاهم الله خيرًا أبناؤه من حرصهم وأمانتهم- لم يفتحوها. فلما فتحت، أهفو جيت بأن فيها كراريس بخط يده في التفسير والحديث والفقه رحمه الله رحمه الله واسعة. فمن أعمر وقته بالحرص على العلم، فهذه ثمرته. ولذلك عرف قدره شيخنا مقبل رحمه الله رحمة واسعة، وحق أن يحيل إليه في الفتوى، وفي النوازل التي كانت ترد، فيتشاور معه رحمه الله على صغر سنه؛ لأن هذا العلم لم يأت من فراغ، وإنما جاء بجد واجتهاد، وحرص، وكذلك استمرار، وصبر، وعدم انشغال، والتفات. وتعلمون ما ابتلي به رحمه الله من أمراض كثيرة، مع أذية أكثر، وبلاء، وتخذيل من الأقربين، فضلًا عن الأبعدين. ومع ذلك هو على ما هو عليه رحمه الله رحمة واسعة. وقد رغبنا أن يمتعنا الله بوجوده، ولكن الخير فيما اختاره الله له، وله لنا، وله. ونسأل الله عز وجل أن يجعل ما قدره الله له خيرًا له في آخرته، وأن يجعل كذلك بذلك ما فيه الخير. والمقصود من هذا أن نعلم أن طلب العلم في الحقيقة يحتاج إلى صبر، وإلى استمرار، وإلى جد واجتهاد، وصدق. قال من قال: «إن العلم لا ينال براحة الجسد». واعلموا أيها الشباب أن شبابكم هذا هو وقت قوتكم. إذا لم تستغلوه قبل أن تهجمكم الشواغل، وتشغلكم العوائل، فإنكم لن تطيقوا طريق العلم، ولن تستطيعوه، ولن تصلوا إلى النبوغ فيه إلا أن يشاء الله. فالوقت الحقيقي والقوة الحقيقية في سن الشباب: أن تجتهد بالقراءة، وأن يكون وقتك في القراءة كثيرًا. أدم النظر في قراءة كتب أهل العلم، اسرد الكتب، اقرأها، انهيها. والله أتعجب من الشباب الذين يضيعون أوقاتهم في القيل والقال، ويحسبون أنفسهم من طلبة العلم. كنا نحتقر أنفسنا حين نجلس مجالس بعض مشايخنا: لا يضيعون الوقت. والله في السيارة يقول لنا بعض مشايخنا: «اقرؤوا علينا في كتاب الفلاني». وفي رحلة الحج مثلًا نكمل كتابًا في ثلاثة مجلدات، أو أربعة مجلدات. وهكذا قراءة السرد التي كان يسلكها بعض المشايخ: تمر على كتب أهل العلم: كـ«زاد المعاد»، و«سلسلة الأسئلة النجدية»، أو «الدرر السنية»، أو غيرها من كتب أهل العلم. فإن سرد كتب أهل العلم: شروح الحديث، شروح الفقه، كتب التفسير، هذه -بعد تحصيل العلوم- هي العلم. العلم لا ينقطع ولا ينتهي. لا تظن أنك يا طالب العلم إذا درست كتب الحديث فانتهيت إلى «تدريب الراوي» أو «توضيح الأفكار»، أو درست كتب اللغة فانتهيت إلى «ابن عقيل» أو «أوضح المسالك»: أنك انتهيت أبدًا. عندك كتب أوسع، وعندك علوم أخرى، وعندك استقراء كتب أهل العلم الذي هو زبدة، وثمرة تحصيل العلم. فإنك حين تمر على كتب أهل العلم: تمر على خير كثير، فتنقح تلك الأقوال، وتستفيد من تلك المباحث، وتمر بك الفوائد الكثيرة. وخصوصًا إذا كنت تعلق في آخر الكتاب، أو في مذكرة جانبية ما يمر بك. فإنك -بإذن الله- ستحصر الخير الكثير. ولهذا قال من قال ممن سبق من الأئمة: «إن العلم لا ينال براحة الجسد». العلم لا ينال براحة الجسد. تتعب، وستجد أثر هذا التعب في مستقبلك. تجهد نفسك لأجل أن تنتفع، وينتفع الناس بك. فالعلم لا ينال براحة الجسد، ولكن بالجد والاجتهاد، والمثابرة، والاستمرار. اجتهد في حفظ المحفوظات التي هي قوتك العلمية. أولها كتاب الله سبحانه وتعالى، ثانيها ما تيسر من سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. تحفظ الأربعين، وتتمتها الخمسين، وتتمتها المئة. وتحفظ «عمدة الأحكام»، و«بلوغ المرام»، و«اللؤلؤ والمرجان». وإن تيسر أن تحفظ من «البخاري» و«مسلم»، وزوائدهما في «السنن» الأربعة، وزوائد السنن. وهكذا تحفظ ما تيسر من المتون العلمية: كـ«ألفية العراقي»، أو «ألفية السيوطي» في الحديث، وألفية كذلك «ابن عقيل»، «ابن مالك» بشرح «ابن عقيل»، أو غيرها من المتون العلمية الأخرى التي تكون سببًا لقوتك العلمية. وهكذا كذلك تقرأ كثيرًا في شروح العلماء المحققين، وتحقيقات الجهابذة الذين يكونون -بإذن الله- في تلك التحقيقات عونًا لك في تدريسك، وفي تعليمك. وإن شاء الله ستجد ما ترجوه في طريقك العلمي. نسأل الله سبحانه وتعالى لنا ولكم التوفيق والسداد. يقول السائل: ذكرت حفظك الله بأن حضارة الإسلام بلغت مبلغًا لم تعرف البشرية مثيلًا على مدى التاريخ. فكيف يجمع بين هذا وبين ما ورد بأنه حكم الدنيا أربع ملوك: إثنان مسلمان، وهما نبي الله سليمان عليه السلام، وذو القرنين. واثنان كافران، وهما بخت نصر، والنمرود؟ لا تعارض بين هذا؛ لأن هذا تناول شيء فوق الشيء الحسي، فوق الشيء الحسي. وهذا خصه الله لهؤلاء، ولم يكن لأحد بعدهم. فسخر الله عز وجل سليمان الريح والجن، وأشياء أخرى لم تسخر لنبينا عليه الصلاة والسلام. وهذا شيء يختلف، فلا تعارض في هذا. ولكن المقصود ما بلغه الإسلام. وقد قال عليه الصلاة والسلام -وقوله الحق-: «أنه لا تقوم الساعة حتى يبلغ الإسلام