الدرس الثالث:من( واعلم أن للصلاة أركاناً وواجبات وسنناً ...أن قطع حب الدنيا من القلب أمر صعب وزواله بالكلية عزيز فليقع الاجتهاد في الممكن منه والله الموفق المعين ).
يؤكد الشيخ على أهمية حضور القلب في الصلاة لتحقيق المقصود منها، ويبين أن روح الصلاة تكمن في النية والإخلاص والخشوع وحضور القلب. ينصح بمراقبة الله لتحقيق ذلك.
يُنصح بتدبر معاني الألفاظ والأفعال في الصلاة وقطع الشواغل الظاهرة والابتعاد عن الأمور الباطنة مثل الهموم والتفكير في الدنيا لزيادة حضور القلب.
يتحدث عن كيفية التعامل مع الشواغل أثناء الصلاة، ويشير إلى أهمية قطع مادة الشواغل قبل الدخول في الصلاة، ويؤكد على ضرورة الاجتهاد في قطع حب الدنيا لتحقيق الخشوع.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الحافظ المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه «مختصر منهاج القاصدين»، في سياق ذكره لفضائل الصلاة، قال رحمه الله: «أعلم أن للصلاة أركانًا وواجبات وسننًا، وروحها النية والإخلاص والخشوع وحضور القلب، فإن الصلاة تشتمل على أذكار ومناجاة وأفعال، وما عدم حضور القلب لا يحصل المقصود بالأذكار والمناجاة؛ لأن النطق إذا لم يعرب عما في الضمير - أي القلب - كان بمنزلة الهديان، ككلام النائم والسكران والمجنون؛ لأنه كلام لا يتدبر ما يقول». قال: «وكذلك لا يحصل المقصود من الأفعال؛ لأنه إذا كان المقصود من القيام الخدمة، ومن الركوع والسجود الذل والتعظيم، ولم يكن القلب حاضرًا لم يحصل المقصود؛ فإن الفعل متى خرج عن مقصوده بقي صورة لا اعتبار بها». قال الله تعالى: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ﴾. «والشاهد: إذا كانت اللحوم والدماء خالية من الاحتساب والإخلاص وإرادة وجه الله، فإن تلك الدماء واللحوم غير مقبولة؛ فأراد الله عز وجل أن يكون لها صدق وإخلاص حتى يدخل التقوى إلى القلوب». قال: «والمقصود أن الواصل إلى الله سبحانه وتعالى هو الوصف الذي استولى على القلب حتى حمل على امتثال الأوامر المطلوبة؛ فلا بد من حضور القلب في الصلاة، ولكن سامح الشارع في غفلة تطرأ؛ لأن حضور القلب في أولها ينسحب حكمه على باقيها». «والمعاني التي تتم بها حياة الصلاة كثيرة؛ جعل أولًا هذا المقطع في هذا الفصل لبيان ما ينبغي أن يعتنى به في الصلاة مما يكون به إتقانها وإحسانها». وهذا الكتاب يعالج الأمور المعنوية التي يكون بها تزكية طريق السائر إلى الله عز وجل في أقواله وأفعاله وعبوديته لربه، فهو لا يتكلم عن الأحكام الفقهية، ولكن يتكلم عن ما تكون به كمال هذه الصلاة وحسنها؛ فلهذا قال: «وروحها - أي روح هذه الصلاة - النية والإخلاص والخشوع وحضور القلب». وهذه الأربعة ترجع إلى الأخير؛ فالنية تكون مع حضور القلب، والإخلاص يكون كذلك مع حضور القلب، والخشوع والخشوع كذلك يكون مع حضور القلب. فمن حضر قلبه في الصلاة حصلت له النية في أولها، والإخلاص والخشوع إلى آخر الصلاة. ثم بدأ يذكر علاقة حضور القلب في هذه الأعمال في الصلاة من أقوال وأفعال، وأن الأقوال والأفعال التي تعبدنا الله بها في الصلاة لها معاني؛ هذه المعاني لا تحصل إذا صار القلب بعيدًا وغافلًا؛ فلهذا ينبغي للمصلي أن يكون حاضر القلب، يحرص على ذلك؛ فحضور القلب من أعظم الأسباب في حسن الصلاة وانتفاع صاحبها بها. ثم بيّن رحمه الله أن الشيء اليسير مما تكون به الغفلة والسرحان من رحمة الله ولطفه بعباده وحكمته وحلمه بخلقه سامحهم فيه؛ فالإنسان ما يسلم من غفلة قد تطرأ عليه في صلاة أو بعض الصلوات؛ فما كان كذلك فهو عفو؛ لكن ينبغي أن يحرص على مجاهدة نفسه بحضور القلب. فإن قال قائل: كيف يكون حضور القلب؟ يكون حضور القلب بأمور، وسيشير إلى ذلك فيما سيذكره إن شاء الله، وذلك على وجه الإجمال: أن يكون عند صاحبه مراقبة؛ ولهذا كان المراقب لله عز وجل في عباداته كلها والصلاة على وجه الخصوص من المحسنين، وهي أعلى مراتب الإحسان، أعلى مراتب هذا الدين. يعني احرص على أن تكون مراقبًا لصلاتك؛ أنك تؤديها لله؛ إذا حرصت على ذلك صار قلبك حاضرًا؛ فأنت تتأمل الأقوال وتتأمل الأفعال بما يكون من مراقبتك لهذه الأقوال والأفعال. أما إذا صرت تؤدي العبادة على وجه العادة؛ فإنك ربما ما تدري هل قرأت الفاتحة أو ما قرأت؟ بل ربما ما تدري هل قرأت سورة بعد الفاتحة أم لا؟ بل أعظم من ذلك ربما لا تدري ماذا قرأ الإمام؛ إذا سئلت ماذا قرأ الإمام ما تدري؛ لزيادة حصول الغفلة وعدم حضور القلب. ثم قال رحمه الله تعالى: «والمعاني التي تتم بها حياة الصلاة كثيرة». قال: «المعنى الأول حضور القلب؛ كما ذكرنا، ومعناه أن يفرغ القلب من غير ما هو ملابس له؛ والملابس كثير؛ قد يكون شيء حسي؛ وقد يكون معنوي؛ وقد يكون حاضر؛ وقد يكون غائب؛ الحسي الحاضر مثل أن ينشغل بالصلاة بطرف ثوبه، بعمامته، بطرف أصابعه؛ لا ينبغي للمصلي أن ينشغل بغير الصلاة؛ أو المعنوي ينشغل بأشياء معنوية مسائل؛ أو كذلك أمور حاضرة أمامه؛ أو غائبة كذلك؛ لا ينبغي أن ينشغل بشيء». قال: «وسبب ذلك الهمة؛ فإنه متى أهمك أمر حضور قلبك ضرورة؛ فلا علاج لإحضاره إلا صرف الهمة إلى الصلاة، وانصراف الهمة يقوى ويضعف بحسب قوة الإيمان بالآخرة واحتقار الدنيا؛ فمتى رأيت قلبك لا يحضر في الصلاة؛ فاعلم أن سببه ضعف الإيمان؛ فاجتهد في تقويته». ومعنى إذا فعلت ذلك - أي أخذت بأسباب تقوية الإيمان - وهي كثيرة؛ منها الاعتناء بالعلم؛ منها قراءة القرآن؛ منها تدبر شيء من السنة؛ منها إجراء الأذكار على اللسان؛ منها ملازمة الصالحين وأهل العلم؛ وغير ذلك مما يكون به قوة الإيمان؛ فإنك ستجد بإذن الله حلاوة الصلاة. وقبل ذلك ما تقدم: أن يستحضر المصلي المراقبة في الصلاة؛ أنه يراقب الله؛ كما أن الله يراقبه؛ فهو معنى سبحانه في كل وقت وحين. قال: «والمعنى الثاني: التفهم لمعنى الكلام؛ فإنه أمر وراء حضور القلب؛ لأنه ربما كان القلب حاضرا مع اللفظ دون المعنى؛ فينبغي صرف الذهن إلى إدراك المعنى بدفع الخواطر الشاغلة وقطع موادها؛ فإن المواد إذا لم تنقطع لم تنصرف الخواطر عنها». ومعنى أنه يشغل نفسه في كل وقت بما هو فيه؛ فإن كان يقرأ الفاتحة ينشغل بقراءة الفاتحة بالألفاظ والمعاني لهذه الفاتحة؛ فهذا سبب لحضور القلب؛ وإذا كان يقرأ سورة ينشغل بتدبر ألفاظ ومعاني هذه السورة؛ وإذا كان راكعًا ينشغل بتدبر فعل الركوع وأذكار الركوع؛ وهكذا في السجود؛ وهكذا بين السجدتين؛ وهكذا في التشهد حتى يسلم؛ فإذا حرص دائمًا على استحضار الألفاظ ومعاني هذه الألفاظ والأفعال ومعاني هذه الأفعال حصل له بذلك إن شاء الله حضور القلب. قال: «والمواد إما ظاهرة وهي ما يشغل السمع والبصر؛ وإما باطنة وهي أشد؛ كمن تشعبت به الهموم في أودية الدنيا؛ فإنه لا ينحصر فكره في فن واحد؛ ولم يغني غض البصر؛ لأن ما وقع في القلب كاف في الاشتغال به؛ وهذا وهذا ظاهر». أي أن الشواغل التي قد تشغل القلب فتكثر فيه الخواطر وتبعده عن التدبر؛ منها ما هو ظاهر؛ وهو ما قد نقول حسي؛ كان شاغلًا السمع والبصر بما يرى ويسمع. فأنت ربما تسمع صوت إنسان غائب عنك مسافر دخل إلى البيت وأنت تصلي؛ فقلبك يذهب مع سمع السمع يذهب أولًا؛ فيسمع حديث هذا الإنسان ودخوله وسلام الناس له؛ استقبالهم له؛ والقلب يذهب مع السمع؛ حتى ربما ما تدري هل قرأت الفاتحة؟ بعد أن ينتهي الحديث وينتهي السمع ترجع إلى الصلاة؛ وما دريت أين وقفت في الصلاة؟ هذا مثال لما يكون صارفًا من الشواغل إما بالسمع؛ ومثله البصر؛ وهكذا كذلك كما ذكر الأمور الباطنة - يعني المعنوية - من الهموم؛ سواء هموم يعدر بها الإنسان مما لا يسلم منه أحد؛ أو هموم مما لا يعدر به الإنسان إذا صار فيه تعلق؛ وكذلك حرص؛ وفرق بين الأول والثاني. فالأول مثل ما وقع للنبي عليه الصلاة والسلام في قصة ذي اليدين؛ في حديث أبي هريرة في الصحيحين؛ أصاب النبي عليه الصلاة والسلام هم بسبب أشياء كثيرة؛ حتى صلى ركعتين وسلم سهى في صلاة عليه الصلاة والسلام؛ ثم شبك بين أصابعه واتكأ على طرف المنبر على خده يفكر؛ فجاءه ذو اليدين فأخبره أنه قصر في صلاة عليه الصلاة والسلام؛ فسأل أبا بكر ومن معه؛ فقالوا: نعم يا رسول الله؛ الحديث؛ فمثل هذا قد يبتل به الإنسان؛ فإذا وقع بغير إرادته فهو معذور مما قد يمر بالإنسان في حياته من أمور تشغله. وهناك أشياء لا يعدر فيها الإنسان بسبب استرساله فيها وحرصه على الدنيا؛ مثل الإنسان يفكر يريد أن يشتري بيت؛ يريد أن يشتري سيارة؛ أو يريد أن يتزوج زوجة؛ إذا دخل إلى الصلاة يبدأ يفكر إيش من سيارة يشتري؛ الذي رأيته في معرض فلان؛ أو الذي رأيته في معرض فلان؛ الحمراء أو الزرقاء؛ وهكذا؛ إذا أحد ربما يريد يشتري شيء آخر؛ يبدأ الشيطان يدخل له هذه الخواطر والشواغل؛ فمثل هذا ينبغي أن يقطعه الإنسان ولا يسترسل فيه. قال رحمه الله تعالى: «فإنه لا ينحصر فكره في فن واحد؛ ولم يغنه غض البصر؛ يعني حتى لو غلقت بصرك ما دام القلب مشغولًا؛ ما في فائدة من إغلاق البصر؛ لأن الانشغال حصل في القلب؛ ليس في البصر؛ بخلاف ما إذا رأيت شيء يشغل بصرك؛ هل يجوز أن تغض بصرك؟ أو أن تغلق بصرك؟ بعضها للعلم يقول: يجوز؛ إذا صار الشاغل لا ينصرف إلا بإغلاق البصر؛ مثل أن تصلي فترى في أسفل أو في جهة القبلة شيء من الكتابة تشغلك؛ فهنا لا بأس أن تغلق بصرك؛ لأجل لا ينشغل العين؛ فينشغل القلب؛ قال: لأن ما وقع في القلب كاف في الاشتغال به؛ وهذا ظاهر». قال: «وعلاج ذلك إن كان من المواد الظاهرة بقطع ما يشغل السمع والبصر؛ وهو القرب من القبلة؛ والنظر إلى موضع سجودي؛ والاحتراز في الصلاة من المواضع المنقوشة؛ وأن لا يترك عنده ما يشغل حسه؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى بخميصة لها أعلام نزعها؛ وقال: «إنها لهتني آنفا عن صلاتي»؛ قصة بجهم؛ فالشاهد: ما يشغل من الأمور الظاهرة ينبغي قطعه قبل الصلاة؛ فإذا وقع في أثناء الصلاة؛ إن استطاع الإنسان أن ينشغل بالنظر إلى موضع السجود؛ أو إلى القبلة دون أن ينظر إلى ما يشغله؛ أو يسمع إلى ما يسمعه؛ فإنه هو الأفضل والأكمل؛ إن كان لا يستطيع إلا بغض البصر وإغلاقه؛ فكذلك الصحيح أنه يجوز؛ وهو خلاف الأفضل الذي هو الأول؛ كونك تجاهد نفسك وبصرك مفتوح؛ لك أجر أكثر؛ لأنك واضبت على السنة؛ واستمررت على المجاهدة». قال: «وإن كان من المواد الباطنة؛ فطريق علاجه أن يرد النفس قهرًا إلى ما يقرأ في الصلاة؛ ويشغلها به عن غيره؛ ويستعد لذلك قبل الدخول في الصلاة؛ بأن يغضي أشغاله؛ ويكتهي في تفريغ قلبه؛ ويجدد على نفسه ذكر الآخرة وخطر القيام بين يدي الله عز وجل وهو المطلع؛ فإن لم تسكن الأفكار بذلك؛ فليعلم أنه إنما يتفكر فيما أهمه واشتهاه؛ فليترف تلك الشهوات؛ وليقطع تلك العلائق». والإنسان إذا حرص؛ فإنه سيصل إن شاء الله إلى النتيجة التي يحبها؛ أما إذا أهمل الإنسان؛ أهمل دخل بالصلاة وانشغل؛ ودخل بالصلاة وانشغل؛ ودخل بالصلاة وانشغل؛ وترك ذلك؛ فهنا أفسد على نفسه صلاته؛ أما إذا حرص على التصحيح؛ فإنه ربما ينشغل في الصلاة مرة؛ مرتين؛ ثلاث؛ لكنه ما دامه وحريصًا في المرات الآظةن؛ لن يكون قلبه مشغولًا؛ لأنه يستعد بتفريغ قلبه قبل الصلاة؛ إذا كان عنده عمل ينهيه قبل الصلاة. ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام: إذا حضر العشاء وجاء وقت صلاة العشاء؛ فليبدأ بالعشاء؛ وأمر الصائم إذا حضر الطعام؛ أن يبدأ بالطعام؛ وأمر من يريد الخلاء؛ أن يبدأ بالخلاء؛ كل هذا لماذا؟ لقطع الشواغل عن القلب؛ حتى لا يبقى القلب مشغولًا: «ليتني دخلت الحمام؛ ليتني أكلت الطعام؛ ليتني كذا وكذا»؛ ونحو ذلك مما قد يشغل الشيطان قلبك؛ فإذا أنت حرصت على قطع مواد الشواغل المعنوية؛ فإنك بإذن الله ستصل إلى نتيجة تحمد الله عليها. وأما إذا أهملت هذا الباب؛ ولم يكن عندك حرص؛ فإنك بهذا تبطل على نفسك فضلًا عظيمًا في أمر الصلاة. قال: «وعلم أن العلة متى تمكنت لا ينفعها إلا الدواء القوي؛ والعلة إذا قويت جاذبت المصلي؛ وجاذبها إلى أن تنقضي الصلاة في المجاذبة؛ ومثل ذلك كمثل رجل تحت شجرة أراد أن يصفو له فكره؛ وكانت أصوات العصافير تشوش عليه؛ وفي يده خشبة يطيرها بها؛ فما يستقر فكره حتى تعود العصافير؛ فيشتغل بها؛ فقيل له: هذا شيء لا ينقطع؛ فإن أردت الخلاص فاقطع الشجرة؛ فكذلك شجرة الشهوة إذا علت وتفرقت أغصانها؛ إن جذبت إليها الأفكار كجذاب العصافير إلى الأشجار؛ والدباب إلى الأقدار؛ فذهب العمر النفيس في دفع ما لا يندفع؛ وسبب هذه الشهوة التي توجب هذه الأفكار حب الدنيا». قيل لعامر بن عبد قيس رحمه الله: «هل تحدثك نفسك بشيء من أمور الدنيا في الصلاة؟ فقال: لأن تختلف الأسنة في أحب إلي من أن أجد هذا». ومعنى: «لأن» - لأن أقتل وأصاب - أحب إلي من أن ينشغل قلبي بالدنيا؛ ومعنى أن قلبه لم يكن ينشغل بالدنيا في الصلاة. قال: «واعلم أن قطع حب الدنيا من القلب أمر صعب؛ وزواله بالكلية عزيز؛ يعني ليس بالسهل؛ مثل الأرض العزاز - أي الصلبة الشديدة - قال: فليقع الاجتهاد في الممكن منه؛ والله الموفق والمعين». ومعنى هذا الكلام؛ وهذا المثال الذي ضربه: أن الإنسان أحيانًا ينشغل بأشياء يذهب عليه الوقت بغير فائدة؛ لكن الحل الحقيقي الصحيح هو أن يقطع مادة هذه الشواغل. فمثلًا: أنت تعرف نفسك أنك إذا دخلت إلى الصلاة وأنت جائع تنشغل بالطعام؛ إذن لا تدخل إلى الصلاة إلا وأنت شابع؛ كذلك أنت تعلم أنك إذا دخلت إلى الصلاة وأنت تريد الخلاء تبقى مشغولًا؛ إذن لا تدخل إلى الصلاة إلا وأنت قد انتهيت من قضاء حاجتك؛ هذا مثال؛ وكذلك في أمور الدنيا؛ فأنت تعلم أنك إذا دخلت إلى الصلاة وأنت كنت قد انشغلت قبل الصلاة بشيء من أمور الدنيا صرت مشغولًا فيها؛ إذن الحل: لا تجعل شواغل الدنيا قريبة من الصلاة؛ حتى لا تنشغل بها؛ أو حاول أن تكمل أمورك قبل أن تدخل في الصلاة؛ حتى لا تنشغل كذلك بها؛ اقطع مادة الانشغال؛ لأنك لو قلت: سأدخل في الصلاة وسأجاهد نفسي على أن لا أنشغل؛ فهذا في الحقيقة مثل المثال الذي ضربه: الرجل الذي جلس تحت الشجرة؛ وصار يهش العصافير؛ عصافير تذهب وترجع؛ ويهشها وتذهب وترجع؛ وهكذا؛ لو أنت تركت الشاغل؛ فإنك ستدفعه وسيرجع إلى قلبك؛ ستدفعه ويرجع إلى قلبك؛ لأن له مكان في قلبك؛ وله مكان في جسدك؛ فلذلك حاول أن تبعد جسدك من الارتباط. فعند ذلك تجد إن شاء الله العلاج. ثم أشار في الأخير إلى أن إنهاء ذلك بالكلية ليس بالسهل؛ وهو أمر فيه مشقة؛ ومع ذلك يحاول الإنسان قدر المستطاع أن يصل إلى ذلك؛ ولو بالتدرج؛ ولو بدفعي الأشد؛ فمن اجتهد في شيء وفقه الله عز وجل: «والذين جاهدوا فينا لنهديَنهم سبلنا»؛ طيب قد أطلنا؛ فالأسئلة إن شاء الله نتركها إلى وقت لاحق؛ والله تعالى أعلم.