شرح مقدمة الموافقات للإمام الشاطبي 3

شرح مقدمة الموافقات للإمام الشاطبي 3

الدرس في شرح مقدمة الموافقات للإمام الشاطبي 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في علم أصول الفقه

يبدأ الدرس بشرح المقدمة الثانية لكتاب الموافقات للإمام الشاطبي، حيث يوضح الإمام الشاطبي المقدمات والأدلة المستخدمة في علم أصول الفقه. يشدد على أن هذه المقدمات قطعية وتشمل الأحكام المتصرفة في هذا العلم.

أنواع الأدلة الشرعية والعقلية

يشرح المقطع أنواع الأدلة المستخدمة في العلم الشرعي، ويصنفها إلى عقلية وسمعية. يشدد على ضرورة أن تكون المقدمات المستعملة في هذا العلم قطعية.

أدلة الشريعة على الضروريات الخمس وحجية الإجماع

يوضح المقطع كيف أن الشريعة وضعت لحفظ الضروريات الخمس وأن هذه الأصول مستمدة من مجموع الأدلة. كما يتناول مسألة الإجماع ودرجة حجته، ويفرق بين الإجماع القطعي وغيره.

التفريغ النصي الكامل

يصرّ إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم شرح مقدمة كتاب الموافقات للإمام الشاطبي رحمه الله تعالى، شرح فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الثالث. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فقد مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله في المقدمة الأولى، وعلمنا أن خلاصتها تدور حول معنى أن أصول الدين قطعية. ما خلاصة المقدمة الأولى؟ نعم، هكذا: التفريق بين القطعي والظني، إثبات أن أصول الفقه بالدين قطعية لا ظنية، هذا الذي يريد أن يثبته ويبينه رحمه الله. وخلاصة هذا المبحث قلنا إن كلامه قد اختلف العلماء في فهمه، وفي تصويبه وتخطئته، وعلمنا أن الصحيح أن كلامه صحيح باعتبارات ثلاثة. ما هي هذه الاعتبارات الثلاثة؟ نعم، أن من كلامه يصح إذا أراد به أشياء ثلاثة: الأول أن يكون أراد الكليات، فهي قطعيات لأن أدلتها قطعية، كتاب، سنة، وإجماع دلت على هذه الكليات. الثاني أن تكون قطعية باعتبار أن بعض الظن هو بمعنى القطعي، لأنه احتفت به من القرائن ما يرتقي به إلى القطعي، وهذا كثير في علم أصول الفقه. والثالث، كما ذكره في آخر الكلام، لما قال: بعد أن ذكر الأقوال وأشار إلى أنه يحال أن يكون مرجع أصول هذا العلم إلى غير القطعيات. يعني معناه يشير بهذا إلى الكلام على هذا العلم جملة، عندنا الآن الكلام على كليات كالقواعد الكلية الخمس، مثلا، فهذه أدلتها قطعية، وهو من علم أصول الفقه، أو مسائل كذلك أدلتها ظنية، لكن احتفت بها قرائن تجعلها مثل القطعية. نقرأ إن شاء الله المقدمات الآتية، وهي كالتفصيل للمقدمة الأولى. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى: المقدمة الثانية: «إن المقدمات المستعملة في هذا العلم والأدلة المعتمدة فيه لا تكون إلا قطعية، لأنها لكونها قائمة لم يتهيأ القول في المطالب المفتقرة إليها، وهذا بين. وهي إما عقلية كالراجعة إلى أحكام العقل الثلاثة: الوجوب، والجواز، والاستحالة، وإما عادية، ويتصرف ذلك التصرف أيضا، إذ من العادي ما هو واجب في العادة، أو جائز، ومستحيل. وإما سمعية، واجبها المستفاد من الأخبار المتواترة في اللفظ، بشرط أن تكون قطعية الدلالة، أو من الأخبار المتواترة في المعنى، والمستفاد من الاستقراء في موارد الشريعة». فإذن الأحكام المتصرفة في هذا العلم لا تعدو الثلاثة: الوجوب، والجواز، والاستحالة، ويلاتها ترجع إلى الوجوب، والجواز، والاستحالة. فأما كون الشيء واجبًا أو ليس بواجب، فراجع إلى وقوعه كذلك أو عدم وقوعه كذلك، وكونه صحيحًا أو غير صحيح، راجع إلى ثلاثة أمور. وأما كونه فرضًا، أو مندوبًا، أو مباحًا، أو مكروهًا، وحرامًا، فلا مدخل له في مسائل الأصول من حيث هي أصول. فمن أدخلها فيها فمن باب خلط بعض العلوم ببعض. بسم الله الرحمن الرحيم، أفاد رحمه الله تعالى في هذه المقدمة تفصيلًا لما سبق ذكره في المقدمة الأولى، لما ذكر في المقدمة الأولى أن أصول الفقه قطعية، وكما قلنا: أراد بذلك أحد المعاني الثلاثة، فكمل وأتم بشيء من التفصيل. فقال رحمه الله: «إن المقدمات المستعملة في هذا العلم والأدلة المعتمدة فيه لا تكون إلا قطعية»، وهو تأكيد لما سبق، وهو يريد أحد تلك الأمور الثلاثة التي سبق: إما ما كان من مقدمات وأصول أريد بها الكليات في هذا العلم، أو أغلب ما في هذا العلم من الظن الراجح للمرجوح، والذي احتفت به قرائن فهو يلحق كذلك بالقطعيات. قال: «وكلها تنتهي بإفادة العلم اليقين أو القطع». أما العقلية، فالأدلة العقلية هي التي يقتضي النظر التام فيها العلم بالمدلولات، وهي ما لا يختلف فيها العقلاء، لأن من العقلية ما يختلف فيه العقلاء، ليس هذا المقصود، وإنما المقصود ما لم يختلف ولن يختلف فيه العقلاء، فهذا هو العقل الذي يفيد القطع. وهو الذي عرفه بعض العلماء بقولهم: «الذي يقتضي النظر التام فيها العلم بالمدلولات». فما كان كذلك فهو قطعي، ومنه هذه الأحكام الثلاثة التي أشار إليها: الوجوب، والجواز، والاستحالة. فمن العقل، مثلا، وجوب احتراق ما لمسته النار، وكذلك استحالة، مثلا، عدم بلل ما وضع في الماء، فهذا بالجملة عقلي، فلا يختلف فيه العقل، لا يختلف فيه العقل. ثم قال: «إما سمعية، وهذا الثالث، وأجلها المستفاد من الأخبار المتواترة في اللفظ، بشرط أن تكون قطعية الدلالة، أو من الأخبار المتواترة في المعنى، أو المستفاد من الاستقراء في موارد الشريعة». قسمها ثلاثة أقسام، فيدخل فيها الظني الذي احتفت به القرائن، فهو يكون بمعنى القطعي. فإذا تأملنا كلامه، وعلمنا أنه ليس فيه خلاف وأنه صحيح، نعم. تفضل، قال رحمه الله: المقدمة الثالثة: «الأدلة العقلية تستعمل في هذا العلم لما تستعمل مركبة على الأدلة السمعية، أو معينة في طريقها، أو محققة لمناطها، أو ما أشبه ذلك، لا مستقلة بالدلالة، لأن النظر فيها نظر في أمر شرعي، والعقل ليس بشارع، وهذا مغفول في كلامه. فإذا كان كذلك اعتمد بالقصد الأول الأدلة الشرعية. ويوجد القطع فيها على استعمال المشهور معدوم، أو في غاية المدن، أعني في أحد الدلتين، أعني في أحد الدلتين». ثم ذكر رحمه الله الأدلة السمعية، وقال: «فإنها إن كانت من أخبار الآحاد، فعذب إفادتها القطع ظاهر. وإن كانت متواترة، فإفادتها القطع موقوفة على مقدمات جميعها، وغالبها ظني، والموقوف على الظني لا بد أن يكون ظنيًا». ثم ذكر بعض المقدمات التي يحتاج إليها إثبات دلالتها على القطع. ثم قال: «وإنما الأدلة المعتبرة هنا المستقرى من جملة أدلة ضمنية تضافرت على معنى واحد، حتى أفادت فيه القطع. فإن للاجتماع من القوة ما ليس للتفرق، وللعقدة أفادت تواتر القطع، وهذا نوع منه». فإذا حصل من استقراء أدلة مسألة ما يفيد العلم فيها، فهو الدليل المعتبر. ومثله العلم بشجاعة علي رضي الله عنه، ووجود حاتم الطائي، ونحو ذلك. ومن هذا الطريق ثبت وجوب القواعد الخمس للصلاة، والزكاة، وغيرهما قطعًا. وإلا فلو استدل مستدل على وجوب الصلاة بقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، وما أشبه ذلك، لكان بالاستدلال، ومجرده نظر من حيث هو. لكن حقق بذلك من الأدلة الخارجية، والحكومات المترتبة، ما صار به وجوب الصلاة ضروريًا في الدين، لا يشك فيه إلا شاك في أصل الدين. ومن هنا يعتمد الناس في الدلالة على وجوب الصلاة، ودلالة الإجماع، لأنه قطعي مقطوع به، لاتفاق هذه الشواهد. ثم قال: «سائر الملل على أن الشريعة وضعت المحافظة على الضروريات الخمس: وهي الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل، وعلمها عند الأمة فالضروري، ولو لم يثبت لنا ذلك بدليل معين، ولا استدل لنا أصل معين ممتاز يرد إليه، بل علمت ملائمتها للشريعة بمجموع أدلتها، لا تنحصر في باب أدلة، لا تنحصر بمجموعة أدلة عندك، أدلتها أدلة لا تنحصر في باب واحد». ولو استندت ولو استندت إلى شيء معين، لرجع عادة إلى تعيينه، وأن يرجع أهل الإجماع إليه، وليس كذلك، لأن كل واحد منها بفراد يضمنه. ولأنه كما لا يتعين في التواتر المعنوي، أو غيره، أن يكون المفيد لعلمي خبر واحد دون سائر الأخبار، كذلك لا يتعين هنا الاكتفاء بجميع الأدلة في إفادة القطع، على فرض الانفراد. فنحن إذا نظرنا في الصلاة، فجاء فيها الأمر بالصلاة على وجوه، وجاء مدح المتصفين بإقامتها، من التاركين لها، وإثابة المكلفين على فعلها، وإقامتها قيامًا وقعودًا على جنوبهم، وقتال من تركها، وعاند في تركها، إلى غير ذلك مما في هذا المعنى. وكذلك النفس: نهي عن قتلها، وجعل قتله موجبًا للقصاص، متوعدًا عليه من كبائر الذنوب المقرونة بالشرك، كما كانت الصلاة محرمة بالإيمان، ووجبت الزكاة، والمواسات، والقيام على من لا يقدر على إصلاح نفسه، وقيمت الحكام، والقضاء، والملوك لذلك، ورتبت الأجناد لقتال مضايق أخو النفس. فعلمنا يقينًا وجوب الصلاة، وتحريم القتل، وهكذا سائر الأدلة في قواعد الشريعة. وبهذا امتازت الأصول من الفروع، إذ كانت الفروع مصندة إلى أحد الأدلة، وإلى مأخذ معين. بخلاف الأصول، فإنها مأخوذة من استقراء جملة الأدلة، بأدلة لا من أحدها على الخصوص. قال: «فصل، وينبني على هذه المقدمة معنى آخر، وهو أن كل أصل شرعي لم يخل له نص معين، وكان ملائمًا لتصرفات الشرع، ومعفوظًا من أدلته، وهو صحيح. فإنه إذا كان ذلك الأصل قد صار بمجموعة أدلته مقطوعًا به، لأن الأدلة لا يلزم أن تدل على القطع بالفعل من فرادها، بل من مجموع غيرها إليها، كما تقدم. لأن ذلك كلامه تعذر، ويدخل تحت هذا الاستدلال المرسل الذي اعتمده مالك، والشافعي، فإنه وإن لم يخل له قرينة أصل معين، فقد شهد له أصل كلي». والأصل الكلي إذا كان قطعيا، قد يساوي الأصل المعين، وقد يربو عليه بحسب قوة الأصل المعين، وضعفه. كما أنه قد يكون مرضوضًا في بعض المسائل. ومسائل الأصول المعين المتعلق في باب ترقيه، وكذلك أصل الصحيح على رأي مالك، ينبني على هذا الأصل. قال: «فصل، وقد أدى عدم الإجماع على هذا الأصل، وما قبله، إلى أن ذهل بعض الأصوليين إلى أن كون الإجماع قطعيًا قرينة لا قطعي، إذ لم يجد في أحد أدل من فرادها ما يفيد القطع. فأدى ذلك إلى مخالفة ما قبله من الأمة، ومن بعده. وما أدى أيضا لقوم آخرين، ولا تبقى السنة بذاتها يخضها في الأخذ بأمور عادية، الاستدلال بالإجماع، وكذلك مسائل أخرى غير الإجماع، عرض فيها الإشكال، فالتعويل فيها أنها ظنية، وهي قطعية بحسب أن التقرير للإستدلال، وهو ظاهر إن شاء الله». وهنا يشير إلى الخلاف في الإجماع، وكما تقدم كذلك الخلاف في القياس. والصحيح أن الإجماع الصحيح المعتبر بشروطه، وضوابطه، هو من القطعي. لا نشك في ذلك، ولا يقع في ذلك أدنى ريبة. ومن خالف بهذا، فهو أحد رجلين: إما خالف باعتبار نظره إلى بعض الإجماع الذي لم يتوفر فيه شروط الإجماع، وهذا لا نشك أنه لا يصلح أن نقول إنه قطعي. وأما القطعي، فلا شك أنه تحتف به الأدلة العقلية، والأدلة الشرعية، والأدلة العادية. مثاله حكم النجاسة بالماء إذا تغيرت أحد أوصافه الثلاثة. هل فيه نص صحيح صريح؟ ما فيه نص صحيح صريح، لكن استدل العلماء بأدلة ضعيفة، معناها صحيح، أدلة صحيحة، مدلولها غير صريح. صلى الله وسلم على أبينا محمد، وآله، وصحبه وسلم.