شرح مقدمة الموافقات للإمام الشاطبي 1

شرح مقدمة الموافقات للإمام الشاطبي 1

الدرس في شرح مقدمة الموافقات للإمام الشاطبي 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة الدورة وبيان أهمية كتاب الموافقات

يبدأ الشيخ بشرح مقدمة كتاب الموافقات للإمام الشاطبي، ويبرز أهمية الكتاب في علم أصول الفقه ومقاصد الشريعة. يُقدم لمحة عن حياة الإمام الشاطبي وتأليفه للكتاب.

ميزات كتاب الموافقات للإمام الشاطبي

يتميز كتاب الإمام الشاطبي بثلاث أمور رئيسية: اتباع الدليل، محاربة البدعة، والتميز في العلوم الإسلامية. جعل الكتاب متميزا ونفيسا في بابه.

مقدمة الكتاب وبيان مقاصد الشريعة

يبدأ المؤلف مقدمة كتابه بالثناء على الله ورسوله، ويبين أهمية الشريعة ومقاصدها. يمتدح النبي محمداً وصحابته، ويبين أهمية اتباع الشريعة والعمل بها.

ختام الدرس والدعاء بالتوفيق

يختتم المقطع بالدعاء بالتوفيق والسداد ويقرر انتهاء الوقت. يختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم شرح مقدمة كتاب الموافقات للإمام الشاطبي رحمه الله تعالى، شرح فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الأول. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنحمد الله سبحانه وتعالى الذي يسر بهذا المجلس الطيب المبارك، نجتمع فيه لمذاكرة شيء من العلم ينفعنا في ديننا ودنيانا، في هذه الدورة المكثفة المختصرة للجامعة الإسلامية العالمية الثانية. فهذه الدورة الثانية من مقاصدها شهد الهمم في طلب العلم عموما، وفي كذلك الاعتناء بدراسات كتب أهل العلم التي اعتنى بها العلماء في جوانب خاصة من بعض العلوم خصوصا، ومع ما يلحق ذلك من قبول طلاب هذه السنة، وكذلك وجود هذه الإجازة الصيفية، فيستفيد الجميع من حضور مثل هذه الدورة، وكذلك مذاكرة ما يتيسر من العلم ومسائله ومباحثه فيها. ولأن الدورة مختصرة، فهي مفتاح لغيرها، فليست هي غاية ومنتهى، ولكنها وسيلة توصل وتفتح أبوابا من أبواب العلم، وكذلك ترحل طالب العلم مرحلة مرحلة ودرجة درجة، يلتقي بها في سلم العلم ارتقاءا يعينه على أن تتفتح له أبواب العلوم والمعارف، ما يعينه إن شاء الله في مستقبله أن يتوسع، وكذلك يتضلع من العلم النافع والأدب والهدي والسمت الذي يجده في ثنايا كتب أهل العلم، ما يكون بإذن الله له عونا في طريقه العلم والعمل والدعوي. ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد. ثم إن هذه الدورات كذلك تعين طالب العلم على منافع وفوائد أخرى كثيرة، من أهمها أنه يعرف أهمية العلم وضرورته، فضلا عن فضائله، وكذلك عظيم منافعه، فيعرف أن العلم لا يقف عند هذه الدورات، فيقبل على الجامعات والجوامع بدراسة أنواع العلوم التي يدرس فيها، فيتخذ هذه الدورة مفتاحا وسلما للاستزادة والاستمرار في طريق العلم والتضلع من العلم النافع وآدابه وفوائده. وهكذا كذلك التقاه بمن هو أعلم منه، وكذلك بإخوانه وزملائه، يكون سببا في اكتساب أنواع من المهارات والفوائد، وكذلك المنافع التي ترفع من معنويته وحبه ورغبته، وتشحد من همته في طلب العلم النافع، فيكون عونا آخر له في قوته ورغبته في طريق العلم. فيجد من سبقه، ومن استزاد ما يكون له سببا في الاقتداء والاعتساء بالسير بسيرهم، مع ما لا يخفى مما يجده في ثنايا الدروس والمحاضرات والكلمات والفوائد والنصائح، ما يهدب به قلبه ويصلح نفسه ويهدب جوارحه، ويكون عونا له على أبواب كثيرة من أبواب الخير. وبين أيدينا في هذا الدرس جزء من كتاب عظيم من كتب أئمة الإسلام، وهو كتاب الموافقات للإمام العلام المحقق أبي إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي رحمه الله رحمة واسعة. هذا الإمام الذي عرف بإمامته وجلالته، وكذلك تضلعه في أنواع من علوم الإسلام، فهو الذي عرف بصفاء العقيدة، وكذلك اشتهر بحرصه على رفع راية السنة ومحاربة البدعة، وهكذا كذلك تضلعه في علوم الحديث والقرآن، وبل هو من أشهر أئمة القراءات الذين عرفوا بالتميز في هذا الباب. وهكذا كذلك تضلعه في علم الحديث، ولا أدل على ذلك ما كان من تلاميذته الذين هم من مشاهير علماء الإسلام في هذا الباب، كالأخوين أبي يحيى بن عاصم وأبي بكر بن عاصم، وغيرهم من كبار العلماء والأمة من طلابه وملازميه. وتضلعه في الفقه وأصوله، فهذا كذلك باب آخر من أبواب العلم التي تضلع فيها رحمه الله، وصار علما وبل مجددا لعدد من مباحث هذا العلم، فصار أحد أئمة هذا العلم الكبار. وهكذا معرفته وتضلعه في علوم اللغة ولسان العرب، فهو كذلك كان من أحد الأئمة المعروفين المشهورين في جهة بلاده، وهو من أكبر وأشهر علماء بلاد غرناطة والأندلس رحمه الله رحمة واسعة. ومن أشهر كتبه هذا الكتاب الذي بين أيدينا، كتاب الموافقات، الذي جعله رحمه الله تعالى في هذا الكتاب أصلا من الأصول التي يرجع إليها في هذا العلم، علم أصول الفقه، فهو من أخص وأرفع كتب هذا العلم، وخصه رحمه الله في أصول الشريعة ومقاصدها. وقسم هذا الكتاب إلى أقسام، كما سيأتي إن شاء الله للشارح إليه مختصرا، وصار من أشهر وأنفع الكتب التي يرجع إليها في هذا الباب. وله كتب أخرى كثيرة، كالاعتصام والإفادات والإنشادات وفتاوى جمعت له، وغير ذلك مما اشتهر به رحمه الله رحمة واسعة. وهذا الكتاب قسمه رحمه الله تعالى إلى خمسة أقسام، جعل القسم الأول في ثلاثة عشر مقدمة، يصل بها إلى ما بعده من أقسام الكتاب، وكأنه يضع قواعد وآداب ونصائح وتوجيهات وتأصيلات، يجعلها مفتاحا لهذا الكتاب ولهذا العلم، وبها ينتقل إلى الأقسام الأخرى التي ذكرها رحمه الله في كتابه. وسيكون كلامنا على هذا القسم الأول على وجه من الاختصار، وكذلك بما يناسب المقام والزمان، ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد. وأما القسم الثاني، فجعله رحمه الله تعالى في الكلام على الأحكام التكليفية الخمسة المعروفة المشهورة في كتب أصول الفقه، الواجب والمستحب والمحرم والمكروه والمباح، وما يلحق بها من الأحكام الوضعية، أحكام الوضع الخمسة، الأسباب والشروط والموانع والصحة والبطلان، والعزيمة والرخصة. وأما القسم الثالث، وهو المقصود من هذا الكتاب، فجعله رحمه الله تعالى في مقاصد الشريعة، وهو من أنفس وأنفع ما كتب في هذا الباب. فإذا ذكرت هذه القاعدة التي يلبس هذا العلم، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن، وما يتناقله العلماء في هذا الباب، هو هذا الكتاب، كتاب الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى الموافقات، وعلى وجه الخصوص هذا القسم الثالث الذي جعله رحمه الله في هذا المقصد العظيم. وأما القسم الرابع، فجعله كالمتممة والتوضيح وتمهيدا للخاتمة، مع تأصيلات نفيعة وتنبيهات بديعة، لا تكاد تجدها إلا في مثل كتابات هذا الإمام. وذلك لأمور من أهمها وأشهرها، وكذلك أعظمها ثلاثة أمور، أولها أن هذا الإمام رحمه الله رحمة واسعة، عرف واشتهر بين العلماء والأئمة بحرصه على اتباع الدليل، ومنابذته للتقليد رحمه الله رحمة واسعة، وهذا ما جعل كتابه كتابا متميزا ونفيسا في هذا الباب. والأمر الثاني، أنه رحمه الله تعالى اشتهر عنه حرصه على السنة ومحاربته للبدعة وأهلها، ولذلك تجد في كتاباته الكثير من التنبيهات والردود، والتوجيهات والنصائح، وكذلك اللفتات التي تدلك وتعينك على سبيل السنة وطريقها. والأمر الثالث والأخير، وكما قلنا هي ثلاث أمور مختصرة، أن هذا الإمام عرف بأمور جعلته يتميز في كتاباته، وذلك أنه متبحر في العلوم الإسلامية، فهو من أشهر العلماء الذين تبحروا في علوم القرآن وعلوم الحديث والعقيدة والفقه وأصوله واللغة وغيرها من العلوم الأخرى. وينضاف مع ذلك أنه لم يكن مقلدا، فإن الناس في التأليف سلكوا ثلاثة مسالك، فمنهم من سلك مسلك التقليد، فلا تكاد تجد كتاباته إلا كأنها نسخ ولصق، كأنه كما قيل: خذ هنا وضع هنا، وقل مؤلفه أنا. وللأسف أكثر المؤلفين في هذا العصر من هذا الصنف، ويوجد مثلهم في الأصناف من مثل هذا الصنف في العصور السابقة، ولذلك ألف كثير من العلماء في السرقات العلمية، ما يدلك على هذا. وأما القسم الثاني، فهو يجمع ويذكر الأقوال، ولكنه يدور كما قيل في أيقونة وقوقعة لا يتجاسر الخروج منها، وهي قوقعة التقليد، فلا يكاد يخرج عن أقوال أئمته ومشايخه وأهل مذهبه، سواء أكان ذلك في باب الاعتقاد أو كان ذلك في أبواب الفقه أو حتى كان ذلك في أبواب العلوم الأخرى. فتجد الأشعري على سبيل المثال لا يكاد مهما كتب أن يخرج عن أشعريته وعن مذاهب أئمته، وهكذا كذلك في باب الفقه على سبيل المثال، الحنفي تجده إذا كتب مهما تبحر في النقولات وذكر العلل والمسائل، فإنه لا يتجاسر أن يخرج عن قول أئمته وأهل مذهبه. يكون متبحرا في نقل الأقوال، وربما كذلك في نقل ما ورد عليها من الردود وغير ذلك، لكنه يتكلف وتعسف الانتصار لأقوال مذهبه وأئمته، ما يظهر به التقليد الذي عليه صنف كبير من الناس، بل حتى في العلوم الأخرى، علوم الآلة، تجد في اللغة على سبيل المثال مذهب ومسلك البصريين ومسلك الكوفيين، تجده جليا في كتابات بعض أئمة هذا الفن، ما يظهر لك هذا المسلك. وقليل هم الصنف الثالث، والذي منهم هذا الإمام، وهو الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى، من جمع الله له بين معرفة العلوم والأقوال ونقدها، ومعرفة الراجح والمرجوح منها، ثم الترجيح بشيء من التحرر واتباع الدليل والحرص على سبيل السنة وأئمتها وأهلها سلفا وخلفا. ومع ذلك فإنه كما قيل: كل جواد وله كبوة، وما من عالم إلا وله هفوة، فلا يسلم أحد من خطأ وزلل قد يقع، ولا يكمل أحد من أن يكون عنده شيء من التقصير وغير ذلك مما هو وصف بني آدم، مهما بلغ من العلم والكمال، فإنه لا يزال من البشر الذين يصيبون ويخطئون ويحسنون ويذنبون، ولكن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فهناك مقل ومستكثر. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا ويصلح حالنا وحوال المسلمين. وأما القسم الرابع، فكما قلنا جعله في الأدلة وما يتعلق بها من مباحث، مباحث الكتاب والسنة، مصادرها وما يلحق بها من أمور ومسائل. والقسم الخامس والأخير، جعله رحمه الله في أحكام الاجتهاد والتقليد، وهو كذلك من أنفس ما كتب في هذا الباب. وفي ثنايا الكتاب أشياء كثيرة مفيدة ونافعة، لا يستغني عنها المنتهي فضلا عن المبتدي، ولهذا صار هذا الكتاب من أنفس الكتب التي ينبغي أن يحرص عليها في هذا الباب. ولهذا اختاروا عدد من أهل العلم في عدد من الدورات العلمية، لأجل أنها تفتح أبوابا من العلوم والآداب، وكذلك منافع، وتنبيهات لا يستغني عنها المنتهي فضلا عن المبتدي. ونسأل الله سبحانه وتعالى للجميع التوفيق والسداد. وأما الكتاب، فقد جعله رحمه الله تعالى كما قلنا في خمسة أقسام، وسنأخذ القسم الأول منه، وهو ما يتعلق بالمقدمات، وهي ثلاثة عشر مقدمة، نأخذ ما تيسر منها على وجه الاختصار والاقتصار. ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد. وننتبه أنه توجد عدة نسخ لهذا الكتاب، وهناك من النسخ ما لم يتم فيه التحقيق والمقابلة، ولا كذلك التخريج والمراجعة، فتكثر فيه الأخطاء. وهناك من النسخ ما حصلت به شيء من العناية والمراقبة والمراجعة، فكانت يعني أضبط من غيرها. ولذلك اخترنا هذه النسخة التي طبعت، وربما بعض الإخوة الحاضرون معنا عندهم نسخ أخرى، فينتبه أن النسخة المعتمدة في القراءة ستكون هي النسخة التي أخرجت بعناية الشيخ مشهور بن حسن سلمان، وذلك لأنها تعتبر أشهر النسخ المعتن بها المطبوعة. ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد. طيب نبدأ بمقدمة الكتاب، والمقدمة طويلة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الحمد لله الذي أنقذنا بنور العلم من ظلمات الجهالة، وهدانا بالاستفسار به عن الوقوع في عماية الظلالة، ونصب لنا من شريعة محمد صلى الله عليه وسلم أعلى علم وأوضح دلالة، وكان ذلك أفضل ما من به من النعم الجزيلة والمنح الجليلة. قال: وأحال خبط العشواء وتجري عقولنا في اقتناص مصالحنا على غير السواء، لضعفها عن حمل هذه الأعباء، ومشاركة عاجلات الأهواء. ولا أدل على ذلك ما كان عليه العرب قبل الإسلام من الجاهلية الجهلاء، في عقائدهم وفي معاملاتهم وسلوكياتهم، وفي عباداتهم، وفي سائر ما كانوا عليه. وبعد أن جاء الله بهذا الدين، وما فيه من منافع هذا الشرع الحكيم، ارتقى أهل هذا الدين أعلى الدرجات، وحصل لهم من أنواع الأنوار، كما ذكر رحمه الله ما حصل لهم به الرفعة في الدنيا، وهكذا إن شاء الله في الدار الآخرة. قال رحمه الله تعالى: ومشاركة عاجلات الأهواء على ميدان النفس التي هي بين المنقلبين، مدار الأسوأ، فنضع السموم على الأدواء مواضع الدواء، طالبين للشفاء، كالقابض على الماء، ولازلنا نسبح بينهما أو نسبح بينهما في بحر الوهم، فنهيم ونسرح من جهلنا بالدليل في ليل بهيم. ونستنجي القياس العقيم، ونمعن من معاني التمادي في الغواية، ونمشي كبابا على الوجوه، ونظن أن نمشي على الصراط المستقيم، حتى ظهر محظو الإجبار في عين الأقدار، وارتبعت حقيقة أيدي للقرار إلى الواحد القهار. وتوجهت إلينا أطماع أهل الافتقار، لما صح من ألسنة الأحوال، صدق الإقرار، وثبت في مكتسبات الأفعال حكم الطرار. فتداركنا الرب الكريم بلطفه العظيم، ومن علينا البر الرحيم بعطفه العميم، إذ لم نستطع من دونه حيلة، ولم نهتدي بأنفسنا سبلا، بأن جعل العذر مقبولا، والعفو عن الزلات قبل بعثة الرسالات مأمولا. فقال سبحانه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، فبعث الأنبياء عليهم السلام بالأمم، كل بلسان قومه من عرب أو عجم، ليبين لهم طريق الحق من باطل. وهذا من براعة استهلال رحمه الله، ليشير إلى مقصد هذا الكتاب، إذ مقصده أن يلفت الانتباه إلى مقاصد الشريعة العظيمة التي فيها يعرف حكم هذه الشريعة مجملة ومفصلة. قال رحمه الله تعالى: ويأخذ بحجزهم عن موارد جهنم، وخصنا معشر الآخرين السابقين بتمام نعمه ومسك خاتمهم، محمد بن عبد الله، الذي هو النعمة المزدا والرحمة المهداة والحكمة البالغة الأمية، والنخبة الطاهرة الهاشمية. أرسله إلينا شاهدا وبشرى ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه، وسراجا منيرا، وأنزل عليه كتابه العربي المبين، الفارق بين الشك واليقين، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ووضع بيانه الشافي وإضاحه الكافي في كفه، وطيبه بطيب ثنائه، وعرفه بعرفه، إذ جعل أخلاقه وشمائله جملة نعته وكل وصفه. فصار عليه السلام مبينا بقوله وإقراره وفعله وكفه، لهذه الشريعة. قال: فوضح النهار لذي العينين، وتبين الرشد من الغي شمسا من غير سحاب ولا غين. قال: فنحمده سبحانه، والحمد نعمة منه مستفادة، ونشكر له، والشكر أول الزيادة. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، خالق الخلق أجمعين، وباسط الرزق للمطيعين والعاصين، بسطا يقتضيه العدل والإحسان والفضل والامتنان، جارياً على حكم الضمان. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. وقال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾. كل ذلك ليتفرغوا لأداء الأمانة التي عرضت عليهم عرضا، فلما تحملوها على حكم الجزاء حملوها فرضاً. ويا ليتهم اقتصروا على الإشفاق والإباية، وتأملوا في البداية خطر النهاية، لكنهم لم يخطر لهم خطرها على بال، كما خطر للسماوات والأرض والجبال، فلذلك سمي الإنسان ظلوما جهولا، وكان أمر الله مفعولا. فدل على هذه الجملة المستبينة، شاهد قوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾. قال: فسبحان من أجرى الأمور بحكمته وتقديره على وفق علمه وقضائه ومقاديره، لتقوم الحجة على العباد فيما يعملون، لا يسألون عما يفعلون وهم يسألون. ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، الصادق الأمين، المبعوث رحمة للعالمين، بملة حنيفية، وشرعة الحاكمين بها حفية، ينطق بلسان التيسير بيانها، ويعرف أن الرفق خاصيتها، والسماح شأنها. فهي تحمل الجماء الغفير، ضعيفا وقويا، وتهدي الكافة، فهيما وغبيا، وتدعوهم بنداء مشترك، دانيا وقصيا، وترفق بجميع المكلفين، مطيعا وعاصيا، وتقودهم بحزائمهم، منقادا وأبيا. وتسوي بينهم بحكم العدل، شريفا ودنيئا، وتبوي وحاملها في الدنيا والآخرة مكانا عليا، وتدرج النبوة بين جنبيه، وإن لم يكن نبيا، وتلبس المتصف فيها ملبسا سنيا، حتى يكون لله وليا. فما أغنى من والاها، وإن كان فقيرا، وما أفقر من عاداها، وإن كان غنيا. ويريد بذلك العلم وميراث النبوة، فإنها هي التي تجعل من الإنسان هذه الرشعة إذا أخذها وعمل بها. قال رحمه الله: فلم يزل عليه السلام يدعو بها وإليها، ويبث للثقلين ما لديها، ويناظل ببراهينها عليها، ويحمي بقواطعها جانبيها، بالغ الغاية في البيان، بقوله بلسان حاله ومقاله: أنا النذير العريان. وعلى آله وأصحابه، الذين عرفوا مقاصد الشريعة، فحصلوها، وأسسوا قواعدها وأصولها، وأصلوها، وجالت أفكارهم في آياتها، وأعملوا الجد في تحقيق مبادئها وغاياتها، وعنوا بذلك باطرح الآمال، وشفعوا العلم بإصلاح الأعمال، وسابقوا إلى الخيرات فسبقوا، وسارعوا إلى الصالحات فما لحقوا. إلى أن طلع في آفاق بصائرهم شمس الفرقان، وأشرق في قلوبهم نور الإيقان، فظهرت ينابيع الحكم منها على اللسان، فهم أهل الإسلام والإيمان والإحسان. وكيف لا وقد كانوا أول من قرع ذلك الباب، فصاروا خاصة الخاصة، ولباب اللباب، ونجوما يهتدى بأنوارهم، أولو الألباب. رضي الله عنهم، وعن الذين خلفوهم، قدوة للمقتديين، وأسوة للمهتدين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، أيها الباحث عن حقائق أعلى العلوم، الطالب لأسنى نتائج الحلوم، المتعطش إلى أحلى موارد الفهم، الحائم حول حمى ظاهر مرسوم، طمعا في إدراك باطنه المرقوم. قال: فإنه قد آن لك أن تصغي إلى ما وافق هواك هواه، وأن تطارح الشجاة من ملك مثلك شجاة، وتعود إذ شاركته في جواه محل نجواه، حتى يبث إليك شكواه، لتجري معه في هذا الطريق من حيث جرى، وتسري في غبشه الممتزج ضوئه بالظلمة، كما سرى. وعند الصباح تحمد إن شاء الله عاقبة السرى. نترك الباقي من المقدمة إن شاء الله في الدرس اللاحق، ثم ندخل في المقدمات مختصرة. ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد. ونقف إلى هنا لانتهاء الوقت. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.