الدرس في شرح خمسون حديثا في العقيدة 19، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش الشيخ مسألة العذر بالجهل في باب العقيدة ويستدل بحديث عائشة رضي الله عنها. يوضح أن الحجة تقوم على من فهم معنى القرآن وأصل الدين.
يفرق بين مسائل العقيدة الخفية التي يعذر فيها بالجهل وأخرى لا يعذر فيها. أصل التوحيد لا يعذر فيه الجهل بينما تفاصيل مسائل العقيدة قد يعذر فيها إذا لم يفهمها الشخص.
يشرح حديثًا نبويًا يبين مصير أطفال المؤمنين يوم القيامة ويورد تفسير الولدان المخلدون في الجنة. يرفض ربط الولدان المخلدون بأطفال المؤمنين ويشير إلى أنهم خدم أهل الجنة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال شيخنا أبو عبد الرحمن -غفر الله لنا وله وللمؤمنين- الحديث التاسع عشر. قال الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه: «حدثني زهير بن حرب، قال: حدثنا جرير عن العلاء بن المسيب، عن فضيل بن عمر، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، قالت: توفي صبي، فقلت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أولا تدري أن الله خلق الجنة وخلق النار، فخلق لهذه أهلا ولهذه أهلا"». الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. المسائل مهمة، فلأهميتها نعيدها. من هذه المسائل: ما حكم من كان في بلد أعجمي فبلغه القرآن، وهو لا يعرف لفظه؟ هل هذا معذور، وغير معذور؟ هذا فيه أنظار. قال الإمام محمد بن عبد الوهاب: لا، نعم، لو فهم معنا القرآن، فقد قامت عليه الحجة فيما يتعلق بأصل الدين، وما هو معلوم من الدين بالضرورة. وأما المسائل الخفية، فإنها تحتاج إلى فهم دقيق. هو من يجيب عما يدندن به بعض التكفيريين الذين لا يرون العذر بالجهل في باب العقيدة. يزعمون أن كل من بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة، فلا يُعذر. فهذا الكلام ليس صحيحًا. وما هو الدليل؟ ها، عند من؟ الحديث. فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يعذر هؤلاء في عقيدة، فدل أن مسائل العقيدة يفرق فيها: هناك مسائل خفية يُعذر فيها بالجهل، وهناك مسائل لا يُعذر فيها بالجهل، بل كل من بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة. وعلى هذا يُحمل ما نُقِل عن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، ويزول الإشكال بكثير من المسائل. وهكذا كذلك من هذه المسائل: أن بعض من يبلغه أمر هذا الدين وأمر العقيدة الصحيحة ربما يُصل في بعض دقائق المسائل، فهل يُعذر مُطلقًا أو لا يُعذر؟ وماذا يكون حال هؤلاء؟ كحال كثير من العامة الذين يُصرون على بعض المسائل التي هي ليست على طريقة أهل التوحيد. فما هو الجواب؟ أصل التوحيد لا يُعذر، ولو قال: لا أدري، لا يُعذر في أصل التوحيد. أما تفاصيل مسائل العقيدة، فإنه يُعذر إذا علم أنه لم يفهمها. إذا علم أنه لم يفهمها. ومر معنا كذلك أن من الناس من يُعْرَض، وأن إعراضه وعدم قبوله وعدم إرادته للفهم يُعد كفرًا. ما مثاله؟ رجل مُعرِض عن العلم، وهو يزعم أنه لم يفهم، فمثل هذا إذا أعراض عن العلم في أصل الدين، فإنه يكفر. ومر معنا كذلك من المسائل: أنه قد يُوجد من اليهود والنصارى أو بعض الكفار من يُعذر، وهو في الكفر. فما مثاله؟ ذكر ابن القيم رحمه الله في طبقات المكلفين في الطبقة الثانية عشرة: أن من هؤلاء -أي من اليهود والنصارى- من يكون له حكم الكافر في الدنيا، ولا يكون له ذلك في الآخرة، بل يمتحن. حديث اليوم قال الإمام مسلم رحمه الله تعالى: «حدثنا زهير بن حرب، قال: حدثنا جرير، عن العلاء بن المسيب، عن فضيل بن عمر، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، قالت: أتي للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بصبي يصلى عليه، فقالت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فقال لها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "وما أدراك؟ فإن الله قد خلق الخلق يوم خلقهم في أصلاب آبائهم، منهم من في الجنة، ومنهم من في النار"». ورواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى مطولًا من طريق ابن بكر بن أبي شيبة، وفيه: أتي بصبي من الأنصار، وذكر الحديث. هذا الحديث تبع لما في الحديث الماضي من مسائل العذر. وفيه -أي في هذا الحديث- بيان أن أطفال المؤمنين لا يحكم على كل واحد منهم بعينه أنه في الجنة، بل إننا نقول: إن أطفال المؤمنين بالجملة هم في الجنة؛ لأن أهل الإيمان بالجنة، وهم تبع لآبائهم هذا بالجملة. وأما بالتعيين، فإننا لا نعلم من يكون في الجنة ومن يكون في النار؛ فإنهم يمتحنون، بدليل هذا الحديث. وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى على هذا في كتاب مجموع الفتاوى في المجلد الرابع، وفي المجلد العاشر. ويدل عليه كذلك ما رواه الإمام مالك في الموطأ بإسناد حسن، بعض أهل العلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أتي إليه بصبي يصلي عليه، فدعا عليه -أي في الصلاة- «اللهم نجِهِ من فتنة القبر». قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وفي هذا دليل على أن أبناء المؤمنين يفتنون في قبورهم ويمتحنون. وتأتي هنا مسألة: وهي أن هذا إذا كان في حق أبناء وأطفال المؤمنين، فماذا نقول عن مثل قول الله جل وعلا: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾؟ فقد جاء في كلام بعض أهل التفسير: أنهم أطفال المؤمنين. أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن ذلك: بأن هذا تفسير ضعيف، وأن الصواب أن هؤلاء خدم أهل الجنة، قوم يخلقهم الله جل وعلا لخدمة أهل الجنة. هذا خلاصة ما يذكر بهذا الحديث، مقتصرًا. وبه نكتفي، والحمد لله رب العالمين.