مجالس شهر رمضان للعلامة العثيمين 14

مجالس شهر رمضان للعلامة العثيمين 14

الدرس في مجالس شهر رمضان للعلامة العثيمين 14، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في مفطرات الصوم

يتناول شرح مفطرات الصوم السبعة كما ذكرها شيخ الإسلام محمد بن صالح العثيمين، مع التركيز على الجماع في نهار رمضان وكفارته المغلظة. يوضح الترتيب الواجب في الكفارة بين عتق الرقبة، صيام شهرين متتابعين، وإطعام ستين مسكينًا.

تفصيل مفسدات الصوم ومبطلاته

يشرح مفسدات الصوم مثل الجماع، الإنزال باختيار الصائم، الأكل والشرب، وما كان بمعنى الأكل والشرب مثل حقن الدم والإبر المغذية. كما يوضح أن الإطعام في كفارة الصيام لا يغني عن قضاء اليوم.

أحكام مفطرات الصيام ومفسداته

يتناول مفطرات الصيام مثل إخراج الدم بالحجامة والتبرع بالدم، والتقيؤ عمدًا، وخروج دم الحيض والنفاس، ويشرح أحكام كل منها. كما يبين حكم تناول المفطرات في صوم واجب وتطوع.

خاتمة بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن أدعية متنوعة للتقرب إلى الله تعالى، منها طلب العفو والمغفرة وتيسير الأمور، والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم. يُظهر تعبيرًا عن التضرع والتقوى ورغبة الداعي في نيل الشفاعة والرحمة.

التفريغ النصي الكامل

يصرّ إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم إراءة وتعليقًا على كتاب مجالس شهر رمضان للعلامة المثيمين رحمه الله تعالى، إراءة وتعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الرابع عشر. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في كتابه "مجالس شهر رمضان" المجلس الرابع عشر في مفطرات الصوم. الحمد لله المطلع على ظاهر الأمر ومکنونه، العالم بسر العبد وجهره وظنونه، المتفرد بإنشاء العالم وإبداع فنونه، المدبر لكل منهم في حركته وسكونه، أحسن كل شيء خلق، وفتق الأسماع وشق الحدق، وأحصى عدد ما في الشجر من ورق في أعواده وغصونه، مد الأرض ووضعها، وأوسع السماء ورفعها، وسير النجوم وأطلعها في حندس الليل ودجونه، أنزل القطر وبلل رذاذه فأنقذ به البدر من اليبس، إنقاد هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه؟ أحمده على جوده وإحسانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ألوهيته وسلطانه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله والمؤيد ببرهانه، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر في جميع شأنه، وعلى عمر مقلق كسرى في إيوانه، وعلى عثمان ساهر ليله في قرآنه، وعلى علي قاتل عباد خيبر ومزلزل حصونه، وعلى آله وأصحابه المجتهد كل منهم في طاعة ربه في حركته وسكونه، وسلم تسليمًا. إخواني، قال الله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. ذكر الله في هذه الآية الكريمة فصول مفطرات الصوم، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم في السنة تمام ذلك. والمفطرات سبعة أنواع. الأول: الجماع، وهو إيلاج الذكر في الفرج، وهو أعظمها وأكبرها إثمًا. فمتى جامع الصائم بطل صومه، فرضا كان أو نفلا. ثم إن كان في نهار رمضان والصوم واجبًا عليه، لزمه مع القضاء الكفارة المغلظة، وهي عتق رقبة مؤمنة. فإن لم يجد، فصيام شهرين متتابعين، لا يفطر بينهما إلا لعذر شرعي كأيام العيدين والتشريق، أو لعذر حسي كالمرض والسفر لغير قصد الفطر. فإن أفطر لغير عذر ولو يومًا واحدًا، لزمه استئناف الصيام من جديد ليحصل التتابع. فإن لم يستطع صيام شهرين متتابعين، فإطعام ستين مسكينًا، لكل مسكين نصف صاع، نصف كيلو وعشرة غرامات من البر الجيد. وفي صحيح مسلم أن رجلًا وقع بامرأته في رمضان، فاستفتى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: «هل تجد رقبة؟» قال: لا. قال: «هل تستطيع صيام شهرين؟» يعني متتابعين كما في الروايات الأخرى، قال: لا. قال: «فأطعم ستين مسكينًا». وهو في الصحيحين مطولًا. وفي هذا عدة تنبيهات ينبغي أن ينتبه لها المسلم في هذا الحكم. أولها: أن الجماع في نهار رمضان كبيرة من الكبائر. وثانيها: أن فيه كفارة مغلظة، وتغليظ الكفارة دليل على تغليظ الإثم. ولهذا جعلت الكفارات على قدر الإثم، والعقوبات على قدر الذنب. فترون الزاني المحصن عقوبته ماذا؟ القتل. والزاني غير المحصن عقوبته الجلد، وذلك لأن عقوبة المحصن أعظم من عقوبة غير المحصن. وكذلك ها هنا، فلما كانت هذه المعصية من الكبائر، جعلت فيها هذه الكفارة المغلظة. والتنبيه الثالث: أن هذه الكفارة كما نرى ليست على التخيير، بل على الترتيب، كما صحت به الأدلة في روايات كثيرة في حديث الرجل الذي وقع بامرأته في نهار رمضان، وهو جاء من حديث أبي هريرة وغيره. فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمره في أول الأمر بعتق رقبة، فإن لم يجد فيصوم شهرين متتابعين. وتجد بعض الناس يظن أنه مخير، فينتقل مباشرة إلى الإطعام استسهالًا للإطعام، والأمر ليس سهلًا، بل يجب عليه أن يبدأ بعتق الرقبة إن وجد، فإن لم يجد فالصيام شهرين متتابعين. لا يجوز له أن ينتقل إلى الإطعام إن كان يستطيع الصيام. ثم إذا صام كما ذكر الشيخ رحمه الله، يجب أن يكون صيامًا متتابعًا لا يقطعه إلا لعذر، وهذا العذر حسي كالمرض والسفر لغير التحيل للفطر، أو كذلك عذر شرعي كأيام العيدين والتشريق، أيام التي لا يجوز الصيام فيها. وإلا فالأصل يجب عليه تتابع هذا الصيام. وكذلك التنبيه الذي بعده: أنه ينبغي أن يعلم أن هذه الكفارة جعلها الله عز وجل على هذا النسق، فينبغي كذلك أن يكون كذلك. فإذا كان عنده ما يوجب عدم هذا الترتيب، مثلًا مريض لا يستطيع الصيام، ينتقل وإلا فالأصل فإنه يبقى على هذا الترتيب. ومن ذلك إطعام ستين مسكينًا، النبي صلى الله عليه وسلم أوجب على ذلك الرجل وهو فقير أن يطعم ستين مسكينًا، حتى قال: «والله يا رسول الله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتي». يعني هو أفقر رجل في المدينة، وهو أفقر رجل في المدينة، ومع ذلك النبي عليه الصلاة والسلام أمره أن يطعم ستين مسكينًا. الشاهد: لا يستسهل الإنسان عدم الإطعام لأنه عنده ضعف في ذات اليد، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يعلم أن هذا الرجل من هؤلاء الضعفة، فلا يجوز بل يجب عليه أن يجتهد في إطعام ستين مسكينًا. إذا صار مثل هذا الرجل فعلًا ليس عنده شيء، فإنه كما قال العلماء يبقى في ذمته إلى أن يتيسر له، فإذا أعين من قبل أحد، هل يجوز أن يقبل؟ نعم يجوز. والنبي عليه الصلاة والسلام عانه لما جاء الوسق أعطاه إياه، قال: «أطعم هذا». فقال: «والله ما بين أهل بيت أفقر من أهل بيتي». فعند ذلك استحقه، ليس تحيلًا ولكن لأنه أولى الناس، أهل بيته أولى الناس لفقرهم، فقال: «أطعمه أهلك». وفيه كذلك دليل على جواز رد الكفارة للأقربين إذا كانوا هم أولى، ومثل هذا الزكاة قد يجد الرجل لا يستطيع أن ينفق على أهله كأبنائه وكذلك الأقربين، ولكن تجب عليه زكاة، وهذه الزكاة يسيرة، فهل أهل بيته أولى بها؟ نعم، الصحيح هذا لعدة أحاديث، ومنها هذا الحديث، فبشرط أن لا يستطيع أن ينفق عليهم من أصل المال. والله المستعان. وأما الإطعام نعم، يقضي يوم القضاء، لابد منه، هذا منتهى الكفارة غير القضاء، يعني إذا صام شهرين متتابعين، يصء شهرين متتابعين غير يوم القضاء. وإذا أطعم، يبقى عليه يوم القضاء. نعم. وأما الإطعام: فيطعم ستين مسكينًا كما قلنا، وتكرر في دروس سابقة. في هذا الزمان الأولى أن يطعم بالطعام الجاهز، وما كان بمعناه. قال رحمه الله: الثاني: إن زال المني باختياره، بتقبيل أو لمس أو استمناء أو نحو ذلك، لأن هذا من الشهوة التي لا يكون الصوم إلا باجتنابها، كما جاء في الحديث القدسي: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي». رواه البخاري. فأما التقبيل واللمس بدون إنزال، فلا يفطر، لما في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، ولكنه كان أملككم لإربه». وفي صحيح مسلم: «أن عمر بن أبي سلمة سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أيقبل الصائم؟» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سل هذه». يعني أم سلمة. فأخبرته أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصنع ذلك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له، لكن إن كان الصائم يخشى على نفسه من الإنزال بالتقبيل ونحوه، أو من التدرج بذلك إلى الجماع لعدم قوته على كبح شهوته، فإن التقبيل ونحوه يحرم حينئذ سدًا للذريعة، وصونًا لصيامه عن الفساد». ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم المتوضئ بالمبالغة في الاستنشاق، إلا أن يكون صائمًا، خوفًا من أن يسرع الماء إلى جوفه. أي: في هذا دليل على سد ذرائع البالغ المضمضة والاستنشاق، إلا أن تكون صائمًا، كما سيأتي معنا. وكذلك في قوله: «باختياره»، خرج إذا كان بغير اختياره، مثل المحتلم في نومه، فلا يضره إن حصل منه إنزال بغير اختياره. وكذلك من عنده فرط شهوة، فبعضهم قد ينزل بمجرد الرؤية، مجرد رؤية واحدة، رؤية الفجأة لا تكرار الرؤية. أما من كرر النظر وهو يعلم أن منتهى هذا التكرار هو النظر الحرام أولًا، ثم ثانيًا هو يعلم أن هذا التكرار سيصله إلى الإنزال، فيكون هذا باختياره، ليس بغير اختياره. لكن بعض الناس عنده شبق، فرط شهوة، بمجرد رؤية واحدة ولو رؤية فجأة ينزل، فمثل هذا يعني تبقى الصورة في ذهنه، فلا يستطيع أن يدفعها أو يدافعها، ومع ذلك يعني تؤثر فيه. فمن كان هذا حاله كذلك ليس باختياره، فلا شيء عليه. وأما من كان يفعل ذلك باختياره، فإنه كذلك عليه القضاء. ومن ذلك التقبيل، باشر وقبل ولمس زوجته، وأنزل بسبب ذلك، فهنا عليه القضاء. لا يقول: أنا ما قصدت الإنزال، صح ما قصدت الإنزال، لكن قصدت سببًا أوصلك إلى الإنزال، فعليك القضاء. نعم. الثالث: الأكل أو الشرب، وهو إيصال الطعام والشراب إلى الجوف من طريق الفم أو الأنف، أيًا كان نوع المأكول أو المشروب، لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. والسعوط في الأنف كالأكل والشرب. والسعوط: يعني ما يدخل من جهة الأنف، يسمى سعوطًا. وكان يستخدم كثيرًا للدواء. قال رحمه الله: أما الإنزال بالاحتلام أو بالتفكير المجرد عن العمل، فلا يفطر، لأن الاحتلام بغير اختيار الصائم، وأما التفكير فمعفو عنه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم». متفق عليه. وهذا الكلام كما قال رحمه الله: إلا من علم من نفسه أنه سينزل بهذا التفكير، يجلس يسرح في خيالات وصور ماضية وأفعال سابقة، ويتخيل ويتخيل ويتخيل، وهو يعرف أن نهاية هذا التخيل إيش؟ إنزال. فهو إذن يسترسل فيما يوقعه في الإنزال، إذن أنزل بفعله أم بغير فعله؟ بفعله، بفعله وباختياره وبقصده، أراد أن يصل إلى هذا. فمن كان هذا حاله، فقد فعل فعلًا وهو تأثير التفكير على الجسد حتى حصل منه الإنزال. وأما إذا باشر بيد أو غيرها من الاحتكاك، فهذا من باب أولى. الرابع: ما كان بمعنى الأكل والشرب، وهو شيئان: أحدهما: حقن الدم في الصائم، مثل أن يصاب بنزيف فيحقن به دم، فيفطر بذلك، لأن الدم هو غاية الغذاء بالطعام والشراب، وقد حصل ذلك بحقن الدم فيه. نعم، لأن الدم يحمل الطعام والشراب، الدم يحمل الطعام والشراب، فيهو يقوم مقام الطعام والشراب. والمراد بالحقن: الحقن الذي يكون به ماذا؟ الإطعام، يعني معنى الطعام والشراب. أما الحقن اليسير الذي يكون بمعنى الدواء، فهذا لا يفطر. قال: الشيء الثاني: الإبر المغذية التي يكتفى بها عن الأكل والشرب. قال: هذا ما كنت أراه من قبل، ثم ظهر لي أن حقن الدم لا يفطر، لأنه ليس أكلًا ولا شربًا ولا بمعناهما، والأصل بقاء صحة الصوم حتى يتبين فساده، ومن القواعد المقررة أن اليقين لا يزول بالشك. هذا تراجع من الشيخ رحمه الله تعالى. وكثير من أهل العلم يرون أن الدم فيه معنى الطعام والشراب، والظاهر هذا: الدم فيه معنى الطعام والشراب، لأنه يحمل الطعام والشراب. والله أعلم. ولذلك يبقى من يحقن بالدم ساعات يتحمل عدم الطعام والشراب، لأنه دخل فيه دم مليء بالطعام والشراب، فهو يغنيه. قال: الشيء الثاني: الإبر المغذية التي يكتفى بها عن الأكل والشرب، فإذا تناولها أفطر، لأنها وإن لم تكن أكلًا وشربًا حقيقة، فإنها بمعناهما، فثبت لها حكمهما. فأما الإبر غير المغذية، فإنها غير مفطرة، سواء تناولها عن طريق العضلات أو عن طريق العروق، حتى ولو وجد حرارتها في حلقه، فإنها لا تفطر، لأنها ليست أكلًا ولا شربًا ولا بمعناهما، فلا يثبت لها حكمهما. ولا عبر بوجود الطعم في الحلق في غير الأكل والشرب. ولذا قال فقهاؤنا: لو لطخ بطن قدمه بحنظل -والحنظل معروف- فوجد طعمه في حلقه، لم يفطر. وهذا مجرب، إذا وضع الحنظل، وأحيانًا يضع الناس الصبر أو ما كان بمعناه في الجلد، الجلد يمتص هذا الشيء، فيجد طعمه أحيانًا الإنسان في لسانه، فهذا لا يضره، لأنه لم يدخل من طريق الأكل والشرب ولا بمعنى الأكل والشرب. بل إذا دخل من طريق الفم وليس هو أكل وشرب، فهو لا يفطر، كذلك مثل أجهزة الفحص ونحوها، أو وضع في الفم ولم يدخل إلى المعدة، ولكن أخذته العروق من الفم، وليس فيه معنى الأكل والشرب، مثل حبة أصحاب القلب، أصحاب القلب يضعون حبتهم تحت اللسان، ليست فيها معنى الأكل والشرب، وهي لا تذهب إلى المعدة، وإنما تمتصها العروق في الفم، فهذه الحبة أولًا هي ضرورية لأصحاب هذا المرض، وثانيًا ليست فيها معنى الطعام والشراب، ولا تدخل من مدخل الطعام والشراب، فالصحيح -والمسألة فيها خلاف- أنها لا تفطر. والله أعلم. قال رحمه الله تعالى: وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رسالة "حقيقة الصيام": ليس في الأدلة ما يقتضي أن المفطر الذي جعله الله ورسوله صلى الله عليه وسلم مفطرًا هو ما كان واصلًا إلى دماغ أو بدن، أو ما كان داخلًا من منفذ، أو واصلًا إلى جوف، ونحو ذلك من المعاني التي يجعلها أصحاب هذه الأقاويل هي مناط الحكم عند الله ورسوله. وهو كما قال رحمه الله، ولكن العبرة بما قام مقام الطعام والشراب. قال: وما دخل كذلك من طريق الطعام والشراب أو غيره، وصار يقوم مقام الطعام والشراب. قال: وإذا لم يكن دليل على تعليق الله ورسوله الحكم على هذا الوصف، كان قول القائل: إن الله ورسوله إنما جعل هذا مفطرًا لهذا، قولًا بلا علم. انتهى كلامه رحمه الله. وهو كما قال رحمه الله، هذا ظاهر. الخامس: إخراج الدم بالحجامة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أفطر الحاجم والمحجوم». رواه أحمد وأبو داود من حديث شداد بن أوس. قال البخاري: ليس في الباب أصح منه. وهذا مذهب الإمام أحمد وأكثر فقهاء الحديث. وفي معنى إخراج الدم بالحجامة، وعلى هذا فلا يجوز للصائم صومًا واجبًا أن يتبرع بإخراج دمه الكثير الذي يؤثر على البدن تأثير الحجامة، إلا أن يوجد مضطر له، لا تندفع الضرورة إلا به، ولا ضرر على الصائم بسحب الدم منه، فيجوز للضرورة، ويفطر ذلك اليوم ويقضي. يعني على القول بأن الحجامة تفطر. والصحيح -والمسألة فيها خلاف- أن الحجامة لا تفطر، فهي لا تفطر الصائم. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه احتجم وهو صائم، وهو محرم. وهذه الأحاديث كثير من أهل الحديث يضعفونها، ومن صححها حملها أنها إذا أفضت إلى الفطر، فالحاجم بضعفه، والحاجم بدخول الحجامة إلى فمه، والمحجوم بضعفه. وأما خروج الدم بالرعاف أو السعال أو الباسور أو قلع السن أو شق الجرح أو تحليل الدم أو غرز الإبرة ونحوها، فلا يفطر، لأنه ليس بحجامة ولا بمعناها، إذ لا يؤثر في البدن كتأثير الحجامة. وهذا ظاهر. الحمد لله. السادس: التقيؤ عمدًا، وهو إخراج ما في المعدة من طعام أو شراب عن طريق الفم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدًا فليقض». رواه الخمسة إلى النسائي، وصححه الحاكم. ومعنى "ذرعه": غلبه. ويفطر إذا تعمد القيء، إما بالفعل كعصر بطنه، أو غمز حلقه، أو بالشم مثل أن يشم شيئًا ليقيء به، أو بالنظر كأن يتعمد النظر إلى شيء ليقيء به، فيفطر بذلك كله. أما إذا حصل القيء بدون سبب منه، فإنه لا يضره. وإذا راجت معدته، لم يلزمه منع القيء، لأن ذلك يضره، ولكن يتركه، فلا يحاول القيء ولا منعه. والمسألة فيها خلاف، والصحيح لعدم صحة الحديث مرفوعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن القيء لا يفطر، لا عمدًا ولا غير عمد. ولكن لا ينبغي للإنسان أن يفعله، لأنه يضر ويتعب الصائم. ومن صحح الحديث ولم يقل بأنه يفطر، حمله على أنه يضعف الصائم، مثل ما سبق في الحجامة. والمسألة فيها خلاف، وتقدم معنا قريبًا بدروس سابقة بشيء من التفصيل مع الكلام على الحجامة. السابع: خروج دم الحيض والنفاس، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في المرأة: «أليس إذا حاضت لم تصلي ولم تصم؟» فمترأت دم الحيض أو النفاس، فسد صومها، سواء في أول النهار أم في آخره، ولو قبل الغروب بلحظة. وإن حست بانتقال الدم ولم يبرز إلا بعد الغروب، فصومها صحيح. فالعبرة بخروج الدم. فما تحس به المرأة من بدايات خروج الدم، عصر البطن والإرهاق والصداع والتغير النفسي، وكذلك إحساسها بخروج شيء ولكن لم يخرج شيء، كل هذا لا يفطرها. وإنما الذي يفطر هو نزول الدم. فإذا رأت الدم المعتاد المعروف بصفاته دم الحيض أو النفاس، فإنها تكون بهذا مفطرة. وبالنسبة للنفاس: ليس من شرط دم النفاس أن يكون في وقت الولادة، قد يسبق وقت الولادة بيوم أو يومين. فما خرج من دم في أيام الولادة المتوقعة والمترقبة، فهو من دم النفاس، ولو لم يأت ولادة بعده، فهو من دم النفاس، ما دام كذلك. وإذا كان وصفه كذلك، وصف دم النفاس، وهو يشبه دم الحيض. أما إذا كان الدم ليس وصفه وصف دم النفاس، ليس له رائحة، وكذلك فاتح ليس غليظ غامق، ونحو ذلك من الصفات المعروفة عند النساء، فيغلب أنه عرق. فقد تحمل المرأة شيء ثقيل أو تبذل جهد أو تجد ضربة في بطن أو نحو ذلك، أو تعمل حركة خاطئة، يكون سببًا في نزول الدم، لأن الجنين يجرح، الجنين بالحركة الخاطئة، الحمل الثقيل وغير ذلك قد يجرح بعض الأماكن، فيكون سببًا في خروج الدم، ويكون دم فساد وليس دم نفاس. ويحرم على الصائم تناول هذه المفطرات إن كان صومه واجبًا، كصوم رمضان والكفارات والنذر، إلا أن يكون له عذر يبيح الفطر، كسفر ومرض ونحوهما، لأن من تلبس بواجب لزمه إتمامه إلا لعذر صحيح. ثم إن من تناولها في نهار رمضان لغير عذر، وجب عليه الإمساك بقية اليوم والقضاء. وإلا لزمه القضاء دون الإمساك. وهذا ظاهر، يجب الإمساك، وإلا يجب القضاء دون الإمساك، كما سبق الكلام عليه. أما إن كان صومه تطوعًا، فإنه يجوز له الفطر ولو بدون عذر، لكن الأولى الإتمام. قال: إخواني، حافظوا على الطاعات، وجانبوا المعاصي والمحرمات، وابتهلوا إلى فاطر الأرض والسماوات، وتعرضوا لنفحات وجوده، فإنه جزيل الهبات. واعلموا أنه ليس لكم من دنياكم إلا ما أمضيتموه في طاعة مولاكم، فالغنيمة الغنيمة قبل فوات الأوان، والمرابحة المرابحة قبل حلول الخسران. اللهم وفقنا لاغتنام الأوقات، وشغلها بالأعمال الصالحات. اللهم جد علينا بالفضل والإحسان، وعاملنا بالعفو والغفران. اللهم يسرنا لليسرى، وجنبنا العسرى، واغفر لنا في الآخرة والأولى. اللهم ارزقنا شفاعة نبينا، وأوردنا حوضه، واسقنا منه شربة لا نضمأ بعدها أبدًا، يا رب العالمين. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم آمين. إلى هنا -شاء الله-.