الدرس في زيارة القبور بين المشروع والممنوع 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
نهى النبي صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام عن زيارة القبور حماية للتوحيد وسدًا لذريعة الشرك. جاء الإذن بزيارة القبور لاحقًا بعد قوة التوحيد في قلوب الناس.
الزيارة المشروعة للقبور تكون لأجل الدعاء للأموات وتذكر الموت وهي خاصة بالرجال، بينما تمنع النساء منها لما قد يترتب عليها من فتن. الزيارة المشروعة لها ضوابط شرعية.
يناقش المقطع بعض الممارسات الخاطئة مثل اتخاذ القبور مساجد وزيارتها بقصد العبادة، ويحذر من الشرك الأكبر والأصغر. كما يتناول بعض الأحكام الفقهية المتعلقة بالمصاحف والمال.
يشير المقطع إلى أهمية كتابة الآثار بطريقة مأمونة وموثقة. ينهي الكلام بهذا القدر ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
يسروا إخوانكم في دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم شرح رسالة "زيارة القبور بين المشروع والممنوع" شرح فضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الأول: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. هذه رسالة بين أيدينا جمعت من مجموع رسائل ومقالات وفتاوى لشيخين فاضلين وعلمين مشهورين، وهما فضيلة شيخنا العلامة الفقيه المحدث عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى، ولفضيلة شيخنا العلامة الفقيه الأصولي محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى. جمعت مجموعة من المقالات والفتاوى والرسائل لما فيها من المعنى المتقارب المفيد في الموضوع في هذه الرسالة التي سميت "زيارة القبور بين المشروع والممنوع". فزيارة القبور في أول الإسلام نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم حماية لحمى التوحيد وسدًا لذريعة الشرك، لما كان الناس في الجاهلية يعبدون الأشجار والأحجار والأوثان والقبور والقباب والتباب والتوابيت وغيرها. جاء الإسلام لينهى عن ذلك كله، ولأن يتوجه الناس لعبادة الله عز وجل وحده وعدم عبادة غيره. وقد أخبرنا الله عز وجل عن بعض تلك الشركيات والوثنيات التي كانت في الجاهلية، حتى أنهم عبدوا قبور بعض الصالحين، كما قال الله عز وجل: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾. جاء عن عبد الله بن عباس وجماعة أن اللات قبر رجل صالح كان يلت السويق -يعني التمر- في الخبز للحجاج فيطعمهم، فلما مات بنوا على قبره وصارت له زيارة وعبادة تعبد من دون الله ومع الله. فلهذا ولغيره نهى النبي صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام عن زيارة القبور لكثرة مظاهر الشرك والوثنية في مقابر الناس في ذلك الزمان. حتى أنه أرسل عليًا كما جاء في صحيح مسلم أن لا يدع قبرًا مشرفًا إلا سواه ولا صورة إلا طمسها. وجدد الصحابة رضي الله عنهم هذا العمل، فكانوا يتفقدون أحوال الناس، فإذا وجدوا الناس تعلقوا بشجرة أو تعلقوا بقبر أو بنوا على قبر هدموا ذلك كله. ففي صحيح مسلم من حديث علي رضي الله عنه وأرضاه أنه في خلافته أرسل رجلًا يقال له أبو الهياج، وكان من عمال علي رضي الله عنه وأرضاه، قال له: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألا تدع قبرًا مشرفًا إلا سويته -يعني مسحته بالأرض- لا تجعل قبورًا مرتفعة حماية لحمى التوحيد وسدًا لذريعة الشرك، ولا صورة إلا طمستها. وجاء من حديث جابر رضي الله عنه الصحيح الذي رواه للسنن أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبنى على القبر، وأن يكتب عليه، وأن يسرج. وفي رواية: أن يجصص ويبنى عليه ويسرج ويحسنه. بعض أهل العلم أصل الحديث صحيح. فهذه الأحاديث وغيرها تدل على أن الإسلام جاء لإغلاق باب ذرائع الشرك، ومن ذلك إزالة كل مظهر من المظاهر التي فيها الفتنة بالقبور. ولذلك كذلك شرع في الإسلام أن صلاة الجنازة لا يكون فيها ركوع ولا سجود حماية لحمى التوحيد وسدًا لذريعة الشرك، حتى لا يقع في قلب أحد وفي نفس أحد أن يركع ويسجد لغير الله. وجاء كذلك في الإسلام حماية لحمى التوحيد وسدًا لذريعة الشرك أن لا يصلى والجنازة بين يدي المصلين حماية لحمى التوحيد وسدًا لذريعة الشرك. وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يصلى على الجنازة في المقبرة حماية لحمى التوحيد وسدًا لذريعة الشرك، إلا إذا كانت ليست بين القبور أو قد دفنت. فلما أمنت الفتنة وقوي التوحيد في قلوب الناس وحياتهم، قال لهم: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة". فالإذن بزيارة القبور جاء بعد زمن طويل في المدينة. قال رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، "زيارة القبور بين المشروع والممنوع". الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، أما بعد. فزيارة القبور نوعان: أحدهما مشروع ومطلوب لأجل الدعاء للأموات والترحم عليهم، لأن الميت ضعيف فقير يحتاج لدعاء. ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم إذا دفن الميت أن يستغفر له، قال: "فإنه الآن يسأل". وأمر إذا زار المسلم القبور يقول ويدعو: "أنتم السابقون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" ويستغفر ويدعو لهم. ولأجل تذكر الموت والإعداد للآخرة، كما جاء في الحديث لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة". وقد مر معنا الحديث الصحيح: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة". قال: وكان يزورها صلى الله عليه وسلم، وهكذا أصحابه رضي الله عنهم. وهذا النوع للرجال خاصة لا للنساء. أما النساء فلا يشرع لهن زيارة القبور، بل يجب نهيهن عن ذلك، لأنه قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن زائرات القبور من النساء. ولأن زيارتهن للقبور قد يحصل بها فتن لهن أو بهن مع قلة الصبر وكثرة الجزع الذي يغلب عليهن. وجاءت أحاديث كثيرة على الصحيح في النهي عن زيارة القبور للنساء، لأن النساء ضعيفات عاطفيات، فسيفتتن بزيارة القبور ويفتن غيرهن. فلذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم النساء عن زيارة القبور. وهكذا لا يشرع لهن اتباع الجنائز إلى المقبرة لما سبق ولما جاء في حديث أم عطية رضي الله عنها قالت: "نهينا عن اتباع الجنائز ولم يُعزم علينا". فدل ذلك على أنهن ممنوعات من اتباع الجنائز إلى المقبرة. والأصل في النهي التحريم لقول الله سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. وقد صح النهي عن النبيَ عليه وسلم في عدة أحاديث. أما الصلاة على الميت فمشروعة للرجال والنساء كما صحت بذلك الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة رضي الله عنهم في ذلك. النوع الثاني بدعي، وهو زيارة القبور لدعاء أهلها والاستغاثة بهم أو للذبح لهم أو للنذر لهم. وهذا منكر وشرك أكبر، فهي بدعة شركية. بدعة لأنها محدثة من المحدثات في الدين، لم تكن في زمن النبي عليه الصلاة والسلام وصحابته رضوان الله عليهم أجمعين. وشرك لأنها فيها عبادة غير الله، والاستغاثة عبادة والذبح عبادة والنذر عبادة والدعاء عبادة، وكل هذا لا يجوز أن يطلب إلا من الله، ولا يوهب إلا إلى الله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له. قال: نسأل الله العافية. ويلتحق بذلك أن يزورها للدعاء عندها والصلاة عندها والقراءة عندها، وهذا بدعة غير مشروع ومن وسائل الشرك. وكل وسيلة تفضي إلى الشرك الأكبر فهو على الصحيح من أقوال أهل العلم من الشرك الأصغر. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التمائم، وقال: "إن التمائم والتيولة شرك". مع أن بعض من يعلق التميمة لا يعتقد بها، لكن لأنها وسيلة إلى الاعتقاد بأنها تنفع وتضر صارت شركًا. فصارت في الحقيقة ثلاثة أنواع: نوع مشروع، ونوع شركي، ونوع بدعي. النوع الأول مشروع، وهو أن يزورها للدعاء لأهلها أو لتذكر الآخرة. النوع الثاني أن تزار للقراءة عندها أو للصلاة عندها أو للذبح عندها، فهذا بدعة من وسائل الشرك. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد، ولعن من فعل ذلك. فدل على أن فاعل ذلك فعل الشرك الأصغر وفعل المنكر الكبير، لأنه جعلها مكانًا للعبادة، ولا يشرع عندها العبادة. فاتخاذ القبور مساجد يكون بأربع صور: أن يبنى المسجد على القبر، مثل ما يفعل النصارى واليهود ومن ضل من أهل الكتاب. أو يؤتى بالقبر إلى المسجد. أو تجعل في قبلة المصلين، يزجد إليها يركع فيجعل بينها وبين القلة أو بجانب القبلة. أو تفعل أي عبادة عندها، ولو كانت العبادة لله، كون أن الناس يعتقدون أن العبادة عند القبر أفضل من العبادة عند غير القبر، هذا يعتبر من اتخاذ القبور مساجد. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وبين أنه من فعل اليهود والنصارى ومن ضل من أهل الكتاب. فمن يأتي ليقرأ القرآن عند القبر ويعتقد أن قراءة القرآن عند القبر أفضل من غيره، فقد وقع في النهي الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم. فهو بين الشرك الأكبر والأصغر. متى الأكبر؟ إذا اعتقد أن هذا الميت ينفعه أو يدفع عنه الضر بهذه العبادة. ومتى الأصغر؟ إذا اعتقد أن هذا الفعل سبب يقرب إلى الله، والله عز وجل لم يجعله سببًا، بل هو على العكس ذريعة للغلو في هذه القبور والافتتان بها. النوع الثالث: أن يزورها للذبح للميت والتقرب إليه بذلك، أو لدعاء الميت من دون الله، أو لطلب المدد منه أو الغوث أو النصر، فهذا شرك أكبر نسأل الله العافية. فيجب الحذر من هذه الزيارات المبتدعة، ولا فرق بين كون المدعو نبيًا أو صالحًا أو غيرهما. ويدخل في ذلك ما يفعله بعض الجهال عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم من دعائه والاستغاثة به، أو عند قبر الحسين أو البدوي أو الشيخ عبد القادر الجيلاني أو غيرهم. والله المستعان. وكل هذا كما أشار رحمه الله يعد من الشرك الأكبر الذي حذر منه الإسلام أشد التحذير. إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. هذه مجموعة من الأسئلة يجيب عليها ما تأثر منها مما يناسب المقام، ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد. يقول السائل: هل يجب الغسل على من غسل ميتًا أو شارك في غسله؟ والصحيح أن الحديث لم يصح في هذا الباب: "من غسل ميتًا فليغتسل". وفي رواية: "من حمله فليتوضأ". هذا لم يصح. وبعض أهل العلم يحسنه. فمن فعل ذلك من باب الأفضل والأحوط لا بأس، لكن الصحيح لم يصح. يقول: ما حكم الاتكاء على الطاولة التي فيها المصاحف الموجودة في المساجد والاستفادة أو الاستناد عليها؟ إذا كان الاتكاء باليد أو نحو ذلك مما ليس فيه امتهان فلا بأس. أما الاتكاء بأن يجعل رجليه إلى المصاحف فهذا حرام ومناف لتعظيم حرمات الله سبحانه وتعالى. أو كذلك يتكئ بأن يجعل ظهره إلى المصاحف فهذا خطأ، والواجب تعظيم حرمات الله وكتاب الله سبحانه وتعالى. يقول: امرأة طُلقت وهي مرضع والدورة الشهرية لا تأتيها من الشهر الأول ثم الثاني فجاءت الدورة فهل تكمل الشهر الثالث أم تبدأ العدة بالحيض؟ العبرة بالحيض، تنظر كم مرة جاءتها الحيض. فإذا هي مرضع وتأخر الحيض فتنتظر حتى ولو أكثر من سنة. والله عز وجل قال: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ والقرء هو الحيض، القول الصحيح من أقوال أهل العلم. يقول: من كان عنده ذهب ولم يبلغ النصاب فهل يكمل بالنقود التي يملكها النصاب؟ الصحيح من أقوال أهل العلم أن الذهب والفضة كل منهما جنس، ولا يجوز إكمال نصاب الآخر بأحدهما. وهكذا على القول الصحيح من أقوال أهل العلم العملات الورقية جنس، لكن العملات الورقية باختلاف أنواعها كلها جنس واحد. يقول: انتشر في وسائل التواصل الاجتماعي من يبيع البضاعة ويصورها ويري المشتري البضاعة فيحجزها ويشتريها، ثم عند التسليم يجد حجمها صغير أو اللون مختلف أو نحو ذلك، فيريد إرجاعها فيأبى البائع. فتحصل الشحناء والبغضاء، فما النصيحة؟ النصيحة لمن جرب وقع في مثل ذلك ألا يفعل ولا يشتري حتى يراها مباشرة. ولهذا أكرر وأقول: الشراء من الإنترنت أو الشبكة ينبغي أن يحذر منه بمحاذير، من أهمها أن يكون من جهة موثوقة ومجربة. والأمر الثاني أن لا يكون فيه محذور شرعي. والأمر الثالث أن يكون بطريقة كذلك مأمونة موثقة. طيب نكتب بهذا القدر إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.