الدرس في كتاب الطب 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يفصل المقطع في مسألة الكراهة في الكي والحجامة كعلاج، ويشير إلى أن الكراهة تتوقف على الحاجة والضرورة. يستشهد بالأحاديث النبوية في هذا السياق.
تناول المقطع شروط الرقى الجائزة والممنوعة، حيث أوضح أن الرقى الجائزة توفرت فيها شروط شرعية. يحذر من مخالفة الشرع في الرقية ويبين أهمية الرجوع إلى أهل العلم.
يناقش المقطع حكم العلاج بالتفل والرقى، ويشدد على ضرورة الرجوع إلى أهل العلم في هذا الباب. يجيز العلاج بالتفل إذا كان برقى جائز ويشترط أن يكون القائل للرقية لا يقول إلا ما لا يخالف الشرع.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. مر معنا ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من مسائل تتعلق بكتاب الطب. ومما ذكره رحمه الله تعالى كذلك قال: «ويكره الاكتواء». وأما كراهية الاكتواء، فبما أشار إليه من حديث عبد الله بن عباس المتقدم في الصحيحين في السبعين ألف الذين أدخلوا الجنة بغير حساب ولا عذاب، ومن وصفهم قال عليه الصلاة والسلام: «ولا يكتوون». فكيف يجمع بينه وبين ما جاء من أحاديث تدل على الحث على العلاج بالكي عند الحاجة إليه، وأن فيه الشفاء؟ وقد أشار إلى ذلك بالشرح، فقال: «أما كون يكره الاكتواء، فلحديث ابن عباس عند البخاري وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية نار، وأنهى أمته عن الكي». وفي لفظ: «وما أحب أن أكتوي». وجاء في بعض الألفاظ ذكر الثلاثة دون ذكر هذه الكراهة، فجمع العلماء بينها بأن ما جاء من أن فيه الشفاء، فعند الحاجة إليه، وأن تركه هو الأفضل إن كان لا يضر، على ما تقدم. فإن كان تركه سببا لإلحاق الضرر، فإنه يكتوي. وهذا على التفصيل المتقدم. فإذا كان الضرر يصل إلى الدين، أو يصل إلى الهلاك، فهنا ما هو الأفضل: ترك الكي أم الكي؟ الكي، بل نقول: يجب الكي إذا تحقق الضرر. نقول: ماذا يجب الكي؟ وفي الصحيحين في قصة سعد بن معاذ لما أصيب في أكحله، فصار الدم يسيل حتى يخرج من خيمته، فكواه النبي صلى الله عليه وسلم في أكحله، لماذا؟ حتى يقف الدم. فهل فعل النبي صلى الله عليه وسلم المكروه؟ الجواب: لا، بل كما قال العلماء: فعل على أقل الأحوال ماذا؟ ها هنا في هذه الحالة الأفضل، إن لم يكن الواجب. إذا علم أن الداء لا يندفع إلا بالكي، فالكي. ومنه حسم يد السارق، السارق تحسم يده بماذا؟ بالزيت الحار، وهو بمعنى الكي، لماذا؟ لأن جرحه لا يحفظه إلا ذلك. فإذا في الكي التفصيل، ليس هو مكروها على الإطلاق. الأصل أن المسلم يتعالج بغير الكي، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «وأنهى أمته عن الكي»، هذا هو الأصل. «وما أحب أن أكتوي»، هذا هو الأصل. فإن اضطر إليه، فإنه يستعمل. وعلى هذا قوله عليه الصلاة والسلام: «الشفاء في ثلاثة»، جمعا بين الأدلة في هذا الباب. وأشار إلى حديث عمران بن حسين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الكي، قال: «فاكتوينا، فما أفلحنا ولأنجحنا». وهذا يحمل على أحد أمرين: إما أنهم اكتووا في غير ضرورة، وإما يحمل على المبالغة في ذنب النفس، وماذا؟ اتهامها، مع أنهم فعلوا المأذون فيه. وهذا هو الظن للصحابة رضي الله عنهم أنهم فعلوا المأذون فيه، ومع ذلك لاموا أنفسهم، فهو مثل قول الله عز وجل: ﴿والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة﴾، يحسنون، ومع ذلك يخافون. وهكذا كذلك أشار إلى حديث جابر في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كوى سعد بن معاذ في أكحله مرتين، وهذا تقدم الجواب عليه، وأننا على العكس نستفيد منه ماذا؟ أنه ليس يدل على أنه مكروه، بل يدل على أنه قد يكون هو الأفضل، قد يكون هو الأفضل. وأما قوله رحمه الله: «يدل على أن النهي للتنزيه لا للتحريم»، فيقال: نعم. وكذلك فيه ما هو زائد عن هذا، وهو أنه قد يكون في بعض المواضع هو الأفضل، أو الواجب. هو الأفضل، أو الواجب. وأشار إلى حديث أنس رضي الله عنه في قصة سعد من زرارة، وقال: «وجه الكراهة أن في ذلك تعذيبا بالنار، ولا يجوز أن يعذب بالنار إلا رب النار». وهو يشير بهذا إلى ما تقدم من أنه إذا لم يحتج إلى الكي، فصار فيه نوع من التعذيب، ولهذا كرهه النبي صلى الله عليه وسلم. وشيء زائد عن هذا، قال العلماء: لأن فيه تشويه للجس، وتغيير له. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم في عدد من الأدلة على إبقاء الأجساد على ما هي عليه. فكل خلق الله حسن. إذا كان هذا في العيب يراد أن يغير، فكيف بالحسن أن يغير؟ فهذا من باب أولى. فلهذا كان الأفضل ترك الكي. وفي حديث ابن عباس المتقدم كذلك ما أتبع هذه المسألة من جواز العلاج بالحجامة، مع ما فيه من العلاج بشرب العسل. وفيه أحاديث. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بالتداوي به. بل قول الله عز وجل: ﴿يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس﴾. فما أنزل الله من داء إلا وأنزل له دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله. ثم ذكر رحمه الله قوله: «ولا بأس بالحجامة». ثم أشار في الشرح إلى حديث جابر في الصحيحين في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن كان في شيء من أدويتكم خيرا، ففي شرطة محجم، وشربة عسل، أو لذعة بنار توافق الداء». «وما أحب أن أكتوي»، وهو الحديث المتقدم بلفظ آخر. وهكذا الحديث الآخر الصحيح في قوله: «كان يحتجم في الأخدعين والكاهل». والأخدعان هذان الطرفان، والكاهل ههنا. قال: «وكان يحتجم لسبع عشرة، وتسع عشرة، وإحدى وعشرين». وبعض أهل العلم يتكلم في الأحاديث التي فيها تحديد وقت الحجامة. وبعضهم يحسنها بمجموع طرقها. وقد ثبت عند أهل الخبرة، كما أشار الإمام ابن القيم رحمه الله في «الزاد» إلى أن هذه الأوقات هي الأنفع. هي الأنفع. والأحاديث مجموع طرقها تحتمل التحسين، ولهذا حسنها جماعة من أهل العلم بمجموع طرقها، شواهد ومتابعات. كالشيخ الألباني رحمه الله. وقد سبقه إلى هذا عدد من أهل العلم. وفي أحاديث الحجامة، وهي كثيرة، فقه كثير فيما يتعلق بمسائل الحجامة. والخلاصة أن الحجامة من أنواع العلاج، وهو من الدواء لبعض الداء. ولهذا صار اليوم من أشهر الطب البديل، أي الطب بغير العقاقير والأدوية المركبة. وقد ذكر أهل المعرفة أن الداء ينقسم إلى قسمين: كما تقدم معنا قبل: داء حسي، وداء معنوي. كما أشار الإمام ابن القيم رحمه الله إلى ذلك في «زاد المعاد». وهو الذي يسميه قدماء الفلاسفة: كما أشار كجيلانوس وغيره من أهل المعرفة بالطب: «أدواء الروح»، أو «الإله». فأما الأول، فعندهم أنه يعالج بالضج من الأرواح الإلهية الطيبة، فهي أرواح خبيثة تعالج بأرواح طيبة. وأما الثاني، وهو ما كان من داء حسي، يكون من أثر الأخلاط الرديئة، والفضلات، والسموم السيئة التي تسبب اختلال هذا الجسد، فتكون الأدواء. فيكون بما يقابله من ماذا؟ الأمور الحسية التي يكون بها الدواء. ثم للناس في علاج هذا الداء الحسي مذهبان، وطريقان. فمنهم من يسلك مذهب، وطريق العلاج بالعلاجات غير المركبة، يعني: الطبيعية. كالنباتات، والأعشاب، والزيوت، والعسل، وشرطة المحجم، والكي، وما كان بمعناه، إذا احتيج إليه. ومنهم من يسلك مسلك استعمال الأمور المركبة. وأشار ابن القيم رحمه الله: أن استعمال الأمور المركبة له ما يظهر للناس من منافع، وله مضار. واستعمال الأمور غير المركبة له منافع، وفيما يظهر للناس مساوئ. هذا معنى كلامه، وخلاصته. فأما محاسن، ومساوئ المركب على وجه الاختصار، فيما أشار إليه: أنه سريع التأثير، ولكنه بطيء العاقبة السيئة، يعني: بسرعة تأتي النتيجة، ولكن له عواقب سيئة فيما بعد، بسبب هذه الأمور المركبة. وهذا معلوم من قديم. وهناك الطب الآخر، وهو الذي لا يستحب استعمال الأمور المركبة، يكون أثره بطيئا، ولكنه محمود العاقبة، محمود العاقبة، يعني: عاقبته محمودة، مأمونة، لا تفضي إلى أدواء أخرى. ولهذا صار الكثير من العقلاء، أهل الطب، يحبون هذا النوع الأول. ومن يسلك مسلك التجارة، والعجلة، يسلك المسلك الآخر. فصار الناس في هذا الزمان ينتقلون إلى ما يسمى بالطب البديل. وكما قلنا: من أشهر الطب البديل استعمال الحجامة. استعمال الحجامة، ولكن بأوصاف، وشروط، وضوابط يكون بها النفع. وأكثر هذه الأوصاف، والشروط، والضوابط معناها إن لم يكن كلها مذكور فيما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في السنة. إذن قوله رحمه الله: «لا بأس بالحجامة»، هو في الحقيقة دون ما جاءت به السنة. بل في السنة ما يدل أنه ماذا؟ يحث عليه، وأنه من العلاجات التي يحرص عليها. فهو قد يكون مستحبا، وقد يكون فوق ذلك إذا علم أنه لا يكون التداوي إلا به. وقوله: «والرقية بما يجوز»، يعني: لا بأس بها، من العين، وغيرها. أشار في الشرح إلى عدد من الأدلة التي تدل على جواز الرقية. ومن ذلك ما جاء في حديث أنس بالصحيح مسلم: «رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرقية من العين، والحمى، والنملة». والمراد بالحمى: السموم من دوات السموم، وبالنملة: القروح تخرج من الجنب، وقيل: غير هذا في تفسيرها. وأشار كذلك إلى حديث عوف بن مالك في صحيح مسلم: «كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟ فقال: اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك». وحديث جابر بن عبد الله كذلك في صحيح مسلم: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الرقى، فجاء آل عمر بن حزم، فقالوا: يا رسول الله، إنها كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب، وإنك نهيت عن الرقى، قال: فعرضوها عليه، فقال: ما أرى بأسا، فمن استطاع منكم أن ينفع أخاه، فليفعل». وهكذا ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مرض، إذا مرض أحد من أهله، نفت عليه بالمعوذات، فلما مرض مرضه الذي مات فيه، جعلت أنفت عليه، وأمسح بيد نفسه، لأنها أعظم بركة من يدي». وقد وردت أحاديث كثيرة في هذا الباب. ومن تأملها، ودقق النظر فيها، خلص إلى أن الرقى تنقسم إلى قسمين: رقى جائزة، ورقى ممنوعة. أما الرقى الجائزة، فهي الرقى التي توفرت فيها شروطها الشرعية. وأما الرقى الممنوعة، فهي الرقى التي تخلفت عنها شروطها الشرعية. وخلاصة ما ذكره العلماء من هذه الشروط: أولها أن تكون هذه الرقى بما أذن به من أسماء الله، وصفاته، وكلامه، وما صح عن رسوله صلى الله عليه وسلم، وما كان بمعناه، مما يؤذن فيه. وعلى هذا يحمل ما جاء: «اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك». وهكذا الأحاديث الأخرى. وكذلك ما جاء في حديث أبي سعيد عند نزول المعوذات: «اكتفوا بها عما سواها». وأحاديث كثيرة في الباب. والشرط الثاني: أن يكون باللسان العربي، وما يعلم معناه. وما يعلم معناه، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حين علم بعض أصحابه دعاء هو فيه معنى الرقية، فقال له: «وبنبيك الذي أرسلت»، فقال: «ورسولك الذي أرسلت»، فقال: «لا، ولكن قل: وبرسولك الذي أرسلت». استدل العلماء بهذا: أن هذه الأدعية، وما كان بمعناها، التي بمعنى الرقى، لأن الرقية تستعمل لمعنيين: لدفع ضر قد وقع، ولمنع ضر قد يقع. فأذكار الصباح، والمساء من الرقى، وأذكار النوم، والاستيقاظ من الرقى، وأذكار الدخول، والخروج من المنزل من الرقى، وأذكار أكل الطعام، وشرب الشراب من الرقى. وهكذا قراءة القرآن من الرقى. وهذه الرقى تنفع لدفع الدائين المذكورين سابقا جميعا، على الصحيح من أقوال أهل العلم، سواء بعد وقوعه، أو قبل وقوعه، يعني: الحسي، والمعنوي. ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين﴾. والشرط الثالث، ومما ينبني عليه في معنى الشرط الثاني، قبل أن ننتقل إلى الشرط الثالث: أنه لا يجوز أن تستعمل هذه الأدعية بغير اللغة العربية. فلو رقى إنسان آخر بلغة أعجمية، فذكر معنى الدعاء، نقول: لا يجوز هذا، ولم يستفد هذا الذي رقيته، لأن هذا الباب توقيفي. وهكذا كذلك إذا خلط المأذون فيه بما لا يفهم معناه، كما يفعل السحرة، والكهنة حين يخلطون القرآن ببعض الرسوم، والأرقام، والحروف التي هي نوع من أنواع الشعوذة، والكهانة، والاستعانة بالجن. إذ فيه تحريف للقرآن، ومعاني يكون بها جلب الجن، فيلتبس هذا على بعض العوام، يقولون: «إنما كتب آية الكرسي». فإذا نظرت فيما كتب، تجد أنه خلط آية الكرسي بأشياء أخرى. وأحيانا ينكس القرآن، وكم قد ذكر العلماء، ووجدوا ذلك، وأوضحوا حال هؤلاء السحرة، والمشعوذين، والكهنة، ونحوهم. فتجد في بعض تلك التمائم قرآن منكس، أو قرآن مخلوط برسوم، وحروف، وأرقام غير مفهومة المعنى. وهذا من الرقى الممنوعة. وأما الثالث من شروط الرقى المأذون فيها الجائزة: أن يعتمد الراقي، والمرقي على الله، فلا يعتمد الراقي على غير الله، ولا يتعلق حتى المرقي حتى بالراقي. وأشار ابن القيم رحمه الله في «زاد المعاد» أن من أعظم أسباب علاج الأدواء المعنوية: تحقق الكمال في العلاج من جهتين: من جهة المريض، ومن جهة المعالج. وجهة المريض من أمرين: من جانبين اثنين. وجهة المعالج من جهة جانبين اثنين كذلك. فالمصروع الذي صرع، أو من أصيب بهذا الداء المعنوي، لا يتحقق علاجه حتى تقوى نفسه، ويكمل، ويصح، ويصدق توجهه إلى ربه، وخالقه سبحانه وتعالى، هذا أولا. وثانيا: أن يكون عنده من التعوذ الصحيح ما يتحقق معه ما يريده لسلامة قلبه، ولسانه، وجوارحه. وهكذا كذلك يقال في المعالج: لا بد أن تكون عنده من القوة التي يكون بها عظيم ثقته، وتعلقه بربه، وخالقه ما يوصله إلى علاج هذا المصروع. كما أنه ثانيا يحتاج إلى التعوذ الصحيح، يعني: بما جاءت به الشريعة على أكمل أوجهها. وهكذا كذلك ما لا يخالف الشريعة من التجارب الصحيحة، ما يتحقق معه العلاج في ظاهر، وباطن هذا المريض. ومن هنا قال العلماء: قد يتخلف الدواء، أو العلاج بسبب تخلف أحد هذه الجوانب الأربعة، بسبب تخلف أحد هذه الجوانب الأربعة. إما أن يعتمد هذا المريض على غير الله، فهذا يؤخر العلاج، كأن يكون عنده شيء من الشرك، أو يكون عنده من الخوف الشركي من الجن، ومن كان بمعنى هؤلاء. وهكذا كذلك يقال: إذا تعلق بالراقي لا بالله سبحانه وتعالى. وهنا يقال: يعتمد على الله. وقد يكون التخلف في عدم تحقيق التعوذ الصحيح، مثل أن تكون رقى فيها شيء من البدع، وما يخالف الشرع، إما في ألفاظها، وإما في كيفيتها. وهذا ما سيأتي التنبيه عليه. الشرط الرابع: أن لا تكون على كيفية تخالف الشرع. ومن ذلك أن بعض الناس قد يخترع كيفيات فيها بدع، ومعاني الخرافة، ومع ما فيها من التكلف. فمثل هذا من التعوذ غير الصحيح. مثل ما يفعل بعض الناس من تعليق ما هو بمعنى التميمة، أو كذلك ما يحصل فيه المبالغة في قضية الماء المقري، وغيره، حتى ربما رشوا جدران البيت، ورشوا على الطريق، وغير ذلك مما فيه كيفيات مخالفة للشرع. ومنه ما نص عليه العلماء: تقييد أعداد معينة، ولو للشيء المأذون فيه المشروع. يقرأ هذا 77 مرة، وهذا 99 مرة، وهذا كذا، وكذا مرة. يصير بعض هؤلاء الرقاة بجهلهم كأنهم متفلسفة يتفلسفون في العلاج بالرقى، ويقسمون تقسيمات، ويضعون أرقام ما عرفها العلماء، ولا ذكرت حتى في كتب أهل العلم. وهكذا كذلك استعمال بعض الأمور الحسية التي قد يكون بها الضرر، ولو كان بعض أهل العلم استعمله على وجه منضبط، توسع فيه بعض الناس. مثل الضرب، والخنق، واستعمال الكهرباء. وتفلسف بعضهم، فصار يستعمل المغذيات المقرؤة، والحقن، والإبر المقرؤة، وأمور عبارة عن تخريص، وخوب فيما لا يؤذن به، لا من جهة الشرع، ولا حتى من جهة أهل الطب. وكم قد هلك من المرضى على أيدي أمثال هؤلاء. على أيدي أمثال هؤلاء. فأمثال هؤلاء ضامنون يضمنون ما أتلفوا، وما أفسدوا. ربما واحد عنده ضغط، ويعطيه قربة مغذية مقرؤة فيها الملح، فيكون سببا في هلاكه. أو العكس: أحد عنده سكر، ويعطيه قربة مغذية مقرؤة كما زعم فيها سكر. وهكذا مما فيه ما ينافي الشرع بعمومات أدلته. الشرط الخامس: أن لا يكون ذلك عند من هو مظنة الشرك. فلا يجوز طلب الرقية، أو العلاج عند كاهن، ولا عراف، ومن باب أولى: السحرة، ونحوهم، للأدلة الواردة في هذا الباب. «من أتى كاهنا، أو عرافا، لم تقبل له صلاة أربعين ليلة». وفي الحديث الآخر: «فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد». هذا خلاصة ما يذكر في هذا الباب. وهناك أشياء، وتفاصيل كثيرة، لكن لعلنا نكتفي بهذه الإشارات التي تغني عن الكثير. وقد مر معنا في دروس سابقة في بعض دروس العقيدة، والتوحيد ما يتعلق بهذه المسائل مما توسع فيه بعض الناس على وجه يكون به الإضرار بالدين، وبالدنيا. والواجب الرجوع إلى أهل العلم في هذا الباب. ومما كذلك ينبني عليه: تفرغ بعض الناس للتعيش بالرقية، هو من البدع العصرية التي نبه عليها الكثير من العلماء. فلذلك ينبغي أن يعلم الناس أن يرقوا أنفسهم. فإن شاء الله تزول الكثير من هذه المفاسد. ومن استطاع أن ينفع أخاه، فلينفعه بغير هذه العيادات التي صار يتسلط عليها المرتزقة، وضعفة الأنفس، فيتعيشون بها. فاختلط على الناس أمر المشعوذ، والكاهن، والعراف، والسحرة، بمن يرقي صحيحا بالقرآن، والسنة. بل صار بعضهم، وإن كان يرقي بالقرآن، والسنة، لكن قصده الدنيا، بالتجارة بالماء المقروء، والعسل المقروء، والزيت المقروء، وكل شيء مقروء، وغير ذلك من المعاني الأخرى. والله تعالى أعلم. طيب هذا سؤال، يقول: هل يجوز ضرب المريض في الرقية؟ سمعت مرة شيخنا الشيخ عبد العزيز مباز رحمه الله يمنع من ذلك، ويقول: «وإن كان ثبت عن بعض أهل العلم، لكن لا نرى ذلك، لما قد أثمر من الفساد، والضرر بالناس». يعني: لأن بعض الناس توسعوا في هذا الباب، حتى ألحقوا بالناس الضرر، ألحقوا بالناس الضرر. ولهذا صار عدد من أهل العلم يمنعون منه، سدا لذريعة الإفساد في عدم إحسان استخدام مثل هذه المعاني. وما نقل عن شيخ الإسلام، أو غيره من الإذن بمثل هذا، فيحمل أنه إذا كان من إنسان خبير، عنده معرفة، وعرف من دينه، وعلمه، وخبرته أنه أهل لهذا. أما اليوم، فقد تسلط على هذا الباب الكثير من الجهلة، والسفهاء، ومن لا دين عنده، ولا خبرة. فكان سببا في الإضرار بالناس. وأعظم من هذا أنهم توسعوا في هذا الباب أشياء هي أعظم ضررا من الضرب. كان من ينقل عنه الضرب يضرب ضرب من يقصد العلاج، ويختار المكان المناسب، والوقت المناسب، والكيفية المناسبة. أما اليوم، بعضهم يضرب ضرب من يريد أن يقتل. وكم مات من إنسان بهذا الضرب. وبعضهم خنق، وبعضهم بالكهرباء، وعجائب في هذا الباب. ففتوى الشيخ عبد العزيز مباز رحمه الله في المنع من هذا الباب، من باب سد الذرائع المفضية إلى الإفساد، لسوء استخدام الناس لهذا الباب، وعدم انضباطه. ولأجل هذا أفتى غير واحد من أهل العلم بعدم جواز فتح ما يسمى بالعيادات التي ترقي. وكذلك إغلاق باب التفرق، والتعيش بهذا. وإن كان لهم فتاوى يجيزون فيها أخذ الأجرة، فضلا عما هو دون ذلك، بالقرآن، إذا كان بغير شرط، كما في حديث أبي سعيد في قصة اللذيغ. لكن لما صار الأمر يتسع، ولا ينضبط، كان درء المفاسد أولى من جلب المصالح. ودرء أعظم المفسدتين بأخف المفسدتين. ولا شك أن من رأى حال الناس اليوم، ووقوعهم في قبضة السحرة، والكهنة، وغير ذلك من أهل الجهل، والتعيش بالدنيا بالدين على حساب الدنيا، يعلم أن ما أفتوا به صحيح. كم نمر بقرى، ونجد العيادات علاج المس الشيطاني بالوحي القرآني، وغير ذلك. وهذا سائل يسأل: ما حكم كسب الحجام؟ وهل يجوز أن يجعل مالا محددا لكل حجم؟ صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «كسب الحجام خبيث». وقد مر معنا، فيحمل كما تقدم على معاني: منها أن يكون ذلك لأجل التعيش، وكذلك يشترطه، فلا يجوز. وأما إذا كان لا يشترط، ولذلك لا يعتمد عليه اعتمادا كليا، وينوي إصلاح حال الناس بخبرته، فأخذ الأجرة عليه جائز بغير شرط. ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أعطى الحجام أجرة، وأوفى. أعطاه، وأوفى. وهذا يدل على جواز الإعطاء، مع كراهة الاشتراط. والمعنى الآخر كذلك: أن استعمال هذه المهنة قد تضر بصاحبها، خصوصا وأن الحجامة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كانت بالمص بالقرن، يمصون بالقرن. ومص الدم بالقرن مظنة مباشرة الدم الخبيث لجسد الآخذ، أو لمن يمص لسانه، أو غير ذلك. ولهذا كثيرا ما يصاب الحجامون بالأدواء بسبب الدم، إذا كان صاحب المختبر المختبري تنتقل إليه بعض الأمراض الخطيرة، وهو لا يباشر الدم بماذا؟ بفمه، يباشرها بيده، ومع ذلك تنتقل أمراض خطيرة بسبب مباشرة الدم، لأن الدم يحمل الخبث، وهو خبيث حسا، ومعنى. وكم من إنسان، أو من الناس عرفناهم بأشخاص معينين أصيبوا بأدواء خطيرة، مثل داء الكبد، وغيره من الأمراض، بسبب أنه كان مختبريا، انتقل إليه فيروس الكبد بسبب عمله في المختبر، وهو لم يشعر. فكيف بمهنة الحجام؟ إذن مهنة خطيرة قد تضر به. وهذا معنى من معاني «كسب الحجام خبيث». ويقول: ما هو الروحاني؟ هكذا كلمة غير واضحة، كأنها: الروحاني هلوى من الملائكة، كما يقولون: من يستخدمهم في الطب. وإذا كان من الملائكة، فيجوز أن تدخل الملائكة في جسد الإنسان. هذه عبارات يقولها بعض من يعالج بالرقى، ولا أعرف لها أصلا. وكما قلت: بعضهم يتوسع في هذا الباب، فيأتي بأشياء ما ندري من أين أتوا بها. حتى بعضهم يقول: يجعل بعض أجساد من كان مريض سابقا محل خروج الجن، محل انتقال، يخرجوا من هنا، ويدخلوا هنا، ثم يحرقوا هنا. ولا نعرف هذا عن أحد من أهل العلم. المهم كما قلنا: ينبغي في هذا الباب أن يرجع إلى أهل العلم، ويترك الرجوع إلى الكثير من هؤلاء الذين توسعوا بجهل، فوقعوا في محاذير كثيرة. طيب لهنا، والله تعالى أعلم. العلاج بالتفل إذا كان برقى جائز، هو مثل الرقية. نعم. أما ما يزعم أن أهل البيت معين فيهم تفلة يتوارثون بغير رقى، أو بعبارات يقولونها لا يعرفون معناها، فهذا يترك. وقد أشار شيخ الإسلام مرة معنا في دروس سابقة إلى أن أكثر هذا يكون فيه ما هو شبهة، فضلا عن الحرام. فبعضهم يتوارثون ألفاظا يقولونها، فيها استغاثات بالجن، وغيرهم. وأما ما كان من إنسان علم بالتجربة أنه بإذن الله يقع الشفاء على يده، ولا يقول إلا ما لا يخالف الشرع من الأذكار الشرعية، فهذا جائز إن شاء الله. «من استطاع أن ينفع أخاه، فليفعل». ويقع الشفاء. هذا لعله مثل قول معاوية بن الحكم السلمي حين أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا رسول الله، ومنا أناس يتطيرون»، قال: «ذلكم شيء يجد أحدكم في نفسه، فلا يصد أنكم»، يعني: أمور نفسية. فكون التفلة بدون أي شيء يجد الإنسان بها العلاج، هذا لعله أمور نفسية. وقد أشار إلى نحو هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في قضية تخصيص بعض الناس برقى بعض الحيات، وعدم التضرر من الحيات، فقال: «هذا يحمل على أحد أمرين: إما أنه يستعين بالجن، وإما أنه يستعمل من الحيات من لدغها لا يضر». فسواء تفل هذا الإنسان، أو لم يتفل، سيتألم المريض قليلا، ثم يزول أثرها. مثل قرصة النملة، قرصة النملة. فلو جاء إنسان، فتفل في موضع قرصة النملة بدون أن يرقي أي رقية، وجاء الإنسان، وقال: «ما شاء الله»، لا يوجد أثر قرصة النملة، وذهب أثر قرصة النملة. يقال له: «لو لم يتفل فلان، سيذهب». أو «لم يتفل، سيذهب». ومثل هذا قال بمعنى شيخ الإسلام في بعض هؤلاء: «أنهم لهذا يخصون أنواعا من الحيات، أنواعا من الحيات». وهذا مثل وموجود في زماننا هذا. تجد بعض الناس يقولون: «فلان، وأبناؤه، أو الأسرة الفلانية مشهورة بالتفلة من العقارب، أو الحيات، أو كذا». فإذا حقق: ليس كل الحيات، وليس كل العقارب، وإنما عقارب نوع خاص، وحيات نوع خاص، وهي التي لا تقتل، هي التي لا تقتل. فإذا بالتفلة، فإذا بالتفلة، وبغير التفلة سينجو هذا الملدوغ. فلهذا لا يفعل ذلك. ولكن من كان يرقي، فبالرقى هذا هو الأفضل، والأكمل. وبعض الناس يقول: «نحن جربنا، وجدنا أن فلان حقيقة بإذن الله يجعل الله عز وجل على يديه نفعا». فيقال: «علموه أن يقول الرقى حتى يسد هذا الباب، ولا يحصل التعلق بالأشخاص». نعم. حماية لحمة التوحيد، وسدا لذريعة الشرك. طيب لهنا، والله تعالى أعلم.