الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 6، الدرس السادس : من : ( 3-نزول القرآن ابتدائي وسببي ... والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
ينقسم نزول القرآن إلى قسمين: ابتدائي وسببي. القسم الابتدائي هو ما نزل بدون سبب يقتضيه، بينما القسم السببي هو ما نزل بسبب معين.
تصنف أسباب نزول الآيات إلى قسمين: ابتدائي وسببي. القسم السببي يتناول الحوادث التي تستدعي بيانًا أو تحذيرًا من الله تعالى.
يصنف القرآن باعتبار السببية إلى قرآن سببي يتضمن جوابًا عن سؤال وقع، وآخر يتنزل لبيان حكم واقعة. يقدم أمثلة من القرآن على ذلك.
يختتم الدرس بذكر أقسام السببي ويعد بالتكميل في الدرس اللاحق. يشير إلى أن هناك أقسامًا أخرى سيتم التطرق إليها لاحقًا.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. محمد بن صالح رديمي، رحمه الله تعالى، قال في كتابه «أصول في التفسير»: نزول القرآن ابتدائي وسببي. ينقسم نزول القرآن إلى قسمين: القسم الأول ابتدائي، وهو ما لم يتقدم نزوله سبب يقتضيه، وهو غالب آيات القرآن، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ الآيات، فإنها نزلت ابتداءً في بيان حال بعض المنافقين. وأما ما اشتهر من أنها نزلت في ثعلبة بن حاطب بقصة طويلة ذكرها كثير من المفسرين وروجها كثير من الوعاظ، فضعيف لا صحة له. أشار الشيخ، رحمه الله تعالى، في هذا الفصل إلى أن نزول القرآن ينقسم إلى قسمين: قسم منه كان له سبب، وهو الذي يسمى بأسباب النزول، وقد ألف فيه العلماء مؤلفات، وقسم منه لا يعلم له سبب، ولو كان معناه يدل على أن له سببًا، لكن لا نعلم له سببًا، فلا يكون من القسم الذي له سبب. ومن باب أولى إذا كان هذا اللفظ أو الآية أو السورة ليس معناها يدل على أن لها سببًا. وأشار رحمه الله بالمثال الذي مثل به في القسم الأول، وهو الابتدائي. وقد اصطلح على ذلك علماء التفسير ومن ألف في أصول التفسير وقواعده، أن قسمًا منه يسمى ابتدائيًا، يعني ليس له سبب معلوم، وقسم يسمى سببيًا، وهو ما علم له سبب. ما علم له سبب فذكر هذه الآية، وهذه الآية عند بعض أهل العلم مما له سبب، لظنهم أن ما روي في هذا الباب صحيح، ولكنه ليس بصحيح، بل ضعيف كما أشار الشيخ رحمه الله تعالى، وكما هو مقرر عندكم في التعليق، إشارة إلى ضعف هذه القصة. وقد ألف بعض العلماء مؤلفًا في ذلك، أي في بيان ضعف هذه القصة، ألفًا جماعة من أهل العلم مؤلفات ببيان ضعف هذه القصة، ويذكرونها كثيرًا في ذكر حال مانعي الزكاة وعاقبة من يمنع الزكاة، ولكنها قصة ضعيفة، وينزه الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن يكون منهم من وقع منه ذلك. فإذا كانت هذه الآية التي ظاهرها ومعناها، وقد ذكر بل قد ذكر بعضها لأنها سبب، هي ليست مما لها سبب على الصحيح، وهي من القسم الابتدائي، فما كان معناه لا يدل على سبب معين من باب أولى، مثل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ إلى آخره، وهذا كذلك أوائل الكثير من السور التي نزلت مولًا ابتدائيًا، يعني لا يعلم له سبب، لا يعلم له سبب، وأنزله الله جل وعلا لحكمة، ومرنا على الكلام على الحكمة من نزول القرآن. قال رحمه الله تعالى: القسم الثاني سببي، وهو ما تقدم نزوله سبب يقتضيه. والسبب إما سؤال يجيب الله عنه، مثل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾، أو حادث وقع يحتاج لبيان وتحذير، مثل: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ الآيتين، نزلتا برجل من المنافقين قال في غزوة تبوك في مجلس: «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنة، ولا أجبن عند اللقاء»، يعني رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن، فجاء الرجل يعتذر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾. والحديث كما أشير عندكم قد جاء عن حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وكذلك جاء عن غيره، وعوه الإمام أحمد، وعوه غيره، وأشار إليه ابن حاتم رحمه الله في تفسيره، ونقله ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره، وهو حديث حسن. ومعنى كلام الشيخ رحمه الله تعالى أن ما له سبب أو ما يسمى بالسبب من أنواعه ما يكون سؤالًا فيجاب عنه. تنضي النظر أن يعلم من السائل، ننتبه لهذا، ليس من شرط السبب الذي يكون جوابًا عن سؤال أن نعرف من السائل، لكن نعرف أن السؤال قد وقع، وليس من شرطه كذلك أن يعلم له سند صحيح في معرفة وقوع هذا السؤال، لماذا؟ لأن ظاهر الآية صريح أن السؤال قد وقع، وأن الجواب عن ذلك السؤال الذي قد وقع، ويكفي بالقرآن حجة في ثبوت هذا الأمر، واضح؟ يعني لا نقول هذا مما يحتاج إلى ذكر سند حتى نعرف أنه وقع السؤال، لا، وجود الجواب مع الإشارة إلى أنه جوابًا عن سؤال يكفي في إثبات أن هذا من القرآن السببي، بخلاف الذي قبله، الذي قبله ليس بصريح من أنه قد وقع شيء يدل على أنه من القرآن السببي. وأما النوع الثاني فهي واقعة تقع ينزل القرآن فيها، مثل هذه الواقعة حين قال بعض من قال من المنافقين، وفيهم وفيهم بعض من ينتسب إلى أهل الإيمان، لأن الله عز وجل قال: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ يعني أثبت لهم الإيمان، فلم يكونوا جميعًا من المنافقين، والصحيح أنه ليس رجلًا واحدًا بل جماعة، ولكن الذي تعلق بناقة النبي صلى الله عليه وسلم رجل واحد، والآية جاءت بصيغة العموم. قال: ثالثًا: أو فعل واقع يحتاج إلى معرفة حكمه، مثل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾، وهذه الآيات كذلك كان لها سبب، فلما جاءت خولة تسأل النبي صلى الله عليه وسلم عما وقع من زوجها، قالت عائشة: «والله إنها لتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بطرف الحجرة، وما أسمع حديثها»، يعني ما تسمع كل الحديث، وإن كانت تسمع بعض الكلمات وهي في طرف الحجرة، فأنزل الله عز وجل هذا القرآن: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ الآيات. وفيه أن سبب نزول هذه الآيات هي قصة الظهار التي وقعت بهذه المرأة مع زوجها، رضي الله عنهم جميعًا أجمعين. فهذه ثلاثة أقسام وأنواع من أنواع السببي، وهناك أشياء أخرى، لكن الشيخ رحمه الله تعالى أراد بهذا الاختصار والاكتفاء بالأهم، وإلا فسيشير في الفصل الذي بعده إلى شيء من ذلك. نستهي بهذا القدر ونكمل في درس اللاحق، والحمد لله رب العالمين.