الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 91، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ عبد الله بن عمر الآيات التي تدل على توحيد الله وتبطل الشرك، مؤكدًا أن التوحيد هو الهدى والشرك هو الضلال. يُفصّل معنى الآيات ويبين دلالتها على وجوب توحيد الله.
يتناول الرد على شبهة حول شك الرسول في معرفة المهتدين، ويبين أن القرآن يوضح أن أهل التوحيد على الهدى وأهل الشرك على الضلال. يستشهد بآيات تؤكد أن الرسول يتبع ما يوحى إليه.
يتناول مسألة معرفة الرسول بالمغيبات ويوضح أن الله استأثر بعلم الغيب. يبرز أمثلة على إخبار النبي بأحداث مستقبلية تحققت، ويشير إلى أخبار عن معجزات النبي.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. الشيخ: لسلامتين يا رحمه الله، في كتاب الجواب الصحيح بدل دين المسيح، قال: وأما قولهم: مع تشككه فيما أتى به، فمن الكذب البين؛ فإنه تعالى قال: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإن أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم﴾. فإنه لما دعاهم إلى التوحيد، وبين أن ما يدعونه من دون الله لا يملك مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا هو شريك، ولا هو ظهير، ولا ينفع شفيع إلا بإذنه، نفى بذلك جميع وجوه الشرك؛ فإنما يشرك به إما أن يكون له ملك أو شريك في الملك، أو يكون معينا، فإذا انتفت الثلاثة لم يبق إلا الشفاعة التي هي دعاء لك ومسألة، وتلك لا تنفع عنده إلا لمن أذن له. ثم ذكر بعد هذا أنه لا رازق يرزق من السماء والأرض إلا الله، دل بهذا وهذا على التوحيد، كما في قوله: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون﴾. فلما ذكر ما دل على وجوب توحيده، وبيان أن أهل التوحيد هم على الهدى، وأن أهل الشرك على الضلال، قال: ﴿وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين﴾، يقول: إن أحد الفريقين -أهل التوحيد الذين لا يعبدون إلا الله- على هدى، أو في ضلال مبين. وهذا من الإنصاف في الخطاب الذي كل من سمعه من ولي وعدو، قال لمن خاطب به: قد أنصفك صاحبك، كما يقول العادل الذي ظهر عدله للظالم الذي ظهر ظلمه: الظالم إما أنا وإما أنت، لا للشك في الأمر الظاهر، ولكن لبيان أن أحدنا ظالم ظاهر الظلم، وهو أنت؛ لأنا، فإنه إذا قيل: أهل التوحيد الذين يعبدون الله على هدى، أو في ضلال مبين، وأهل الشرك الذين يعبدون ما لا يضر ولا ينفع على هدى، أو في ضلال مبين، تبين أن أهل التوحيد على الهدى، وأهل الشرك على الضلال. وهذا مما يعلمه جميع الملل من المسلمين واليهود والنصارى يعلمون أن أهل التوحيد على الهدى، وأهل الشرك على الضلال. وفي القرآن في بيان مثل هذا ما لا يحصى إلا بكلفة، بل قطب القرآن وسائر الكتب ومدارها على عبادة الله وحده. فكيف يقال: إن الرسول كان يشك هل المهتدي هم أهل التوحيد أم أهل الشرك؟ وهل يقول هذا إلا من هو في غاية الجهل والعناد؟ ثم الآية خطاب للمشركين، ليست خطابا للنصارى خصوصا. قال: وأما قوله تعالى: ﴿قل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم﴾، فرفض الآية: ﴿قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن اتبع إلا ما يوحى إليه وما أنا إلا نذير مبين﴾، وهذا بعد قوله: ﴿أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم﴾. ونظير هذا قوله: ﴿قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن اتبع إلا ما يوحى إليه قل لا يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون﴾، وهذا قاله نوح عليه السلام أول الرسل، وأمر محمد صلى الله عليه وسلم -آخر الرسل- أن يقوله. ومثل قوله: ﴿قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا﴾. وهذا ونحوه يتضمن اعترافه بأنه عبد الله ورسول من الله، لا يتعدى حد الرسالة، ولا يدعي المشاركة في الألوهية كما ادعته النصارى في المسيح. ولهذا قال تعالى: ﴿ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كان يأكلان الطعام﴾، فتبين أنه لا يتعدى حد الرسالة، وهو كقوله تعالى: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم﴾. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم -وفي الحديث المتفق على صحته-: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد»، فقول: عبد الله ورسوله. وقال تعالى: ﴿قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم﴾، يقول: لست أول من أرسل أو ادعى الرسالة، بل قد تقدم قبلي رسل، وما أدري ما يفعل بي ولا بكم، إن أتبع إلا ما يوحى إلي، وما أنا إلا نذير مبين، يقول: لا أدعي علم الغيب، إن أتبع إلا ما يوحى إلي، وما أنا إلا نذير مبين، أنذركم بما أمرني الله أن أنذركم به، لا أقول لكم عندي خزائن الله، ولا أعلم الغيب، ولا أقول إني ملك. وهذا من كمال صدقه وعدله وعبوديته لله وطاعته، وتمييز ما يستحقه الخالق وحده مما يستحقه العبد؛ فإن العلم بعواقب الأمور على وجه التفصيل مما استأثر الله بعلمه، فلا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل. وليس من شرط الرسول أن يعلم كل ما يكون. وقوله تعالى: ﴿وما أدري ما يفعل بي ولا بكم﴾، نفي لعلمه بجميع ما يفعل به وبهم، وهذا لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى. وهذا لا ينفي أن يكون عالما بأنه سعيد من أهل الجنة، وإن لم يدري تفاصيل ما يجري له في الدنيا من المحن والأعمال، وما يتجدد له من الشراء، وما يكرم به في الآخرة من أصناف النعيم؛ فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقول الله تعالى: أعدت لعباد الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». وأيضا هذا مأثور عن غيره من أنبياء عليهم السلام. ولا من شرط النبي أن يعلم حال المخاطبين: من يؤمن به، ومن يكفر، وتفصيل ما يصيرون إليه. هذا إن قيل: إنه لم يعلم بعد هذه الآية ما نفي فيها. وإن قيل: إنه أعلم بذلك، فمعلوم أن الله لم يعلمه بكل شيء جملة، بل أعلمه بالأمور شيئا بعد شيء. وقد قال له بعد ذلك: ﴿إن فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيمة وينصرك الله نصرا عزيزا﴾. وقال تعالى: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا﴾. وفي القرآن والأحاديث عنه صلى الله عليه وسلم من الإخبار بما سيكون في الدنيا وفي الآخرة أضعاف أضعاف ما يولد عن الأنبياء قبله، حتى أنه ينبئ عن الشيء الذي يكون بعد ما يبين من السنين خبرا أكمل من خبر من عاين ذلك. كقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «لتقوم الساعة حتى تقاتل الترك صغار الأعين ذلف الأنوف حمر الخدود ينتعلون الشعر، كأن وجوههم المجان المطرقة». فمن رأى هؤلاء الترك الذين قاتلهم المسلمون من حين خرج جنكس خان ملكهم الأكبر وأولاده وأولاد أولاده، مثله لاكو وغيره من ملوك الترك الكفار الذي قاتلهم المسلمون، لم يحسن أن يصفهم بأحسن من هذه الصفة. وقد أخبر بهذا قبل ظهوره بأكثر من ستمائة سنة. قوله صلى الله عليه وسلم: «لتقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرة». وهذه النار ظهرت سنة خمس وخمسين وستمائة بأرض الحجاز، فكانت تحرق الحجر ولا تنضج اللحم، ورأى أهل بصرة أعناق الجمال من ضوء تلك النار، وكانت منذرة بما يكون بعدها؛ ففي سنة ست وخمسين وستمائة دخل لاكو ملك الكفار ببغداد، وقتل فيها مقتلة عظيمة مشهورة. وسيأتي -إن شاء الله- بعض أخبار أنه شاهد الناس وقوعها كما أخبرنا عند ذكرنا معجزاته. بسم الله الرحمن الرحيم، هذان الفصلان تتمة لما سبق، وهما ظاهران، وسبق التنبيه على بعض هذا المعنى، فنكتفي بهذا والله تعالى.