الدرس في شرح الأصول الستة 1، ترجمة المؤلف رحمه الله مع المقدمة . الأصل الأول:إخلاص الدين لله تعالى وحده لا شريك له وبيان ضده وهو الشرك بالله . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
نشأ الشيخ في أسرة متدينة وعلمية وطلب العلم منذ صغره. قام برحلات لطلب العلم في مكة والمدينة والعراق وتأثر بأبرز شيوخه.
ابتدأ الشيخ رسالته بالبسملة وذكر ستة أصول لبيان أهمية التوحيد. استخدم أساليب مختلفة مثل المناظرة والقصة لتوضيح أهمية التوحيد.
أكد الشيخ على إخلاص الدين لله وحده وأوضح أن الشرك هو ضد هذا الأصل. بين خطر الشرك وسوء عاقبته مستنداً إلى القرآن والسنة.
شرح كيف يظهر الشيطان الحقائق معكوسة ويتهم أهل التوحيد بالتقصير. بين أن الأدلة الشرعية تنقسم إلى قسمين: ما يكفي بلوغه، وما يحتاج إلى فهم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه المسمى بالأصول الستة أو الستة الأصول: بسم الله الرحمن الرحيم من أعجب العجاب، أكبر الآيات الدالة على قدرة الملك الغلاب، ستة أصول بينها الله تعالى بيانًا واضحًا للعوام فوق ما يظن الظانون، ثم بعد هذا غلط فيها أذكياء العالم وعقلاء بني آدم إلا أقل القليل. الأصل الأول: إخلاص الدين لله تعالى وحده لا شريك له، وبيان ضده الذي هو الشرك بالله، وكون أكثر القرآن في بيان هذا الأصل من وجوه شتى، بكلام يفهمه أبلد العامة. ثم لما صار على أكثر الأمة ما صار، أظهر لهم الشيطان الإخلاص في صورة تنقص الصالحين والتقصير في حقوقهم، وأظهر لهم الشرك بالله في صورة محبة الصالحين واتباعهم. هذه رسالة أخرى من رسائل الشيخ الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، ونقف وقفة قبل الشروع في الرسالة في شيء من سيرته وترجمته رحمه الله تعالى. هو الشيخ الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ابن سليمان بن علي بن محمد ابن أحمد بن راشد التميمي، منسوب إلى قبيلة بن تميم من قبائل نجد المشهورة. ولد رحمه الله سنة خمس عشرة ومئة وألف في بلدة العيينة الواقعة في شمال الرياض، والتي كانت تسمى قديمًا اليمامة. نشأ الشيخ رحمه الله تعالى على طلب العلم من صغره، فقد كان أبوه عالمًا من علماء نجد، فجده سليمان كان معروفًا بالعلم والقضاء، وعائلته كلها معروفة بالخير والتدين والعلم. فنشأ في أكناف أسرة متدينة على العلم، حتى أنه حفظ القرآن رحمه الله وهو في العاشرة من سنه. وكان ذا ذكاء وحب للعلم رحمه الله من صغره، ويدلك على ذلك كونه حفظ القرآن في هذه السن المبكرة، خصوصًا في مثل ذاك الزمان. ولم يبلغ الاحتلام حتى صار إمامًا في قومه يصلي بالناس، وعند ذلك تزوج رحمه الله تعالى، واجتهد في طلب العلم. درس الفقه الحنبلي والتفسير والحديث وكتب العقائد، وكان للشيخ رحمه الله حب للحديث، فأخذ عن علماء الحديث في زمانه. وتعلق قلبه بالعلماء الذين تجرد علمهم بحب الحديث وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فمال إلى كتب الشيخين: شيخ الإسلام بن تيمية وتلميذه بن القيم، لكثرة ما رأى من انتصارهما لسنة النبي صلى الله عليه وسلم. وكان من حرصه للعلم يجتهد في أخذ العلم عن أكابر علماء أهل زمانه، فرحل إلى مكة وطلب العلم من علماء مكة في ذاك الزمان. وذكر من مشائخه عددًا من العلماء ممن أخذ منهم العلم في الحرمين الشريفين مكة والمدينة، ومنهم علماء مختصون بالحديث والرواية فيه، ومنهم أناس عرفوا باتخصصهم في الفقه أو العقيدة. واجتمع للشيخ العلم الكثير، خصوصًا عند وقوفه على علماء أهل الحديث وما يقف عليه من عقائد أهل الحديث، وكذلك أدلتهم سواء في الاعتقاد أو في الفقه أو في غيرها. ومن أبرز شيوخه رحمه الله: الشيخ المحدث محمد حياة السندي، والشيخ عبد الله بن إبراهيم آل سيف، والشيخ علي أفندي الداغستاني من علماء المدينة، والشيخ إسماعيل العجلوني وهو كذلك من علماء المدينة، والشيخ عبد اللطيف العفالقي وهو كذلك من علماء المدينة، والشيخ محمد العفالقي وهو من علماء المدينة. ورحل رحمه الله لطلب العلم عند علماء العراق، فقد كان في العراق في البصرة وما حولها مجموعة من العلماء الذين شاع وذاع صيتهم، فرحل إليهم رحمه الله. فأخذ عن الشيخ محمد المجموعي وهو من علماء البصرة، والشيخ عبد الله بن عبد اللطيف الشافعي، وجماعة من العلماء كثر رحمه الله رحمة واسعة، ورحمهم الله رحمة واسعة. وقد أوتي كما تقدم مع حبه وشدة اجتهاده بتحصيل العلم قوة حافظة وشدة ذكاء، فعان ذلك على قوته العلمية رحمه الله رحمة واسعة. وكان مع ذلك شديد التعظيم لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ويظهر ذلك لمن قرأ في مؤلفاته في العقيدة والفقه، فيجد فيه نفس أهل الحديث وحرصه على معرفة المسألة والانتصار لها بدليلها وحجتها من الكتاب والصحيح من السنة ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. وكان من أمره رحمه الله أنه كما ذكر عن نفسه في مواضع مما ذكر في سيرته يقارن ما يقف عليه من أدلة الكتاب والسنة وما ذكره العلماء، خصوصًا في أبواب العقائد وما عليه حال الكثير من الناس في ذاك الزمان. فيجد المغايرة العظيمة، فدفعه ذلك أن يجتهد في بث العلم ومحاربة تلك الشركيات والخرافات والبدع بما تيسر له وبشيء من التأني والحكمة، ومع ما أوتي من شجاعة وقوة صدع بالحق رحمه الله رحمة واسعة. ومع ما لا يخفى مما كان عليه حال الكثير من الناس، وخصوصًا تسلط الكثير من علماء السوء والضلال على الكثير من الجهات مما كان عليها حكم أكثر بلاد المسلمين. فاجتهد الشيخ رحمه الله في نشر العقيدة الصحيحة وتعليمها، حتى صار له أنصار رحمه الله رحمة واسعة. وكان رحمه الله يرى أن جهده لا يكفي في نشر العقيدة الصحيحة ونصرة الحق الذي يجب أن يكون عليه أهل الإسلام، فاجتهد رحمه الله تعالى في إيصال هذه العقيدة الصحيحة إلى من يتيسر ممن له شأن في المجتمع. لعل الله أن ينصر به أهل التوحيد، ولا يخفى أن من أمثاله يعلمون قولًا وترديدًا ما يردد أهل العلم مما روي: إن الله لينزع بالسلطان ما لا ينزع بالقرآن. وكان من ذلك أن أخذ بدعوة الشيخ رحمه الله بعض من كان من آل ابن معمر الذي كان حاكمًا على منطقة العيينة، ما سقط رأس الشيخ. فأحب دعوته بعض أقارب الحاكم، فعرض تلك الدعوة المباركة على الحاكم ابن معمر، فأحبها فيما أظهر ذلك، وصار يعين الشيخ في نشر دعوته إلى الكتاب والسنة، وكذلك الدعوة إلى التوحيد. حتى بلغ ذلك بعض الحكام من أهل الإحساء، وكان يرسل ببعض الخراج وله كذلك سلطة على أهل العيينة، فأرسل إلى ابن معمر أن يتخلى عن الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، وأن يترك مناصرته وإلا قطع عليه الخراج وعاداه. وأرسل له من يقاتله، فكما ذكر في السير أن ابن معمر خاف على ملكه، وهكذا ما يتبع ذلك، فطلب من الشيخ أن يخرج من بلدته. فعند ذلك خرج الشيخ رحمه الله، وقيل وذكر في بعض كتب التراجم أنه أمر أن يرسل من يقتل الشيخ، أمره بذلك حاكم الإحساء سليمان بن محمد بن عريعر، وأنه وافق على ذلك خوفًا على حكمه. فأرسل من يقتل الشيخ، ولكنه أصابته ما أصابه من الرعد والخوف، فرجع ولم يصب الشيخ بمكروه. فانتقل الشيخ رحمه الله من هذه البلدة إلى بلدة أخرى، وهكذا استمر رحمه الله رحمة واسعة في الدعوة إلى التعليم، وكذلك التوحيد. وكان استقراره بعد ذلك في منطقة الدرعية، وانتشرت دعوته رحمه الله، خصوصًا حين ناصره بعض من كان في تلك المنطقة من أهل الدرعية ممن يقال لهم آل سويلم. وعند ذلك تعرف على دعوته أمير الدرعية محمد بن سعود، حين رأى إقبال الناس عليه وإظهاره لمعالم الدين ومخالفته لما كان عليه الكثير من الناس في عوائدهم، وكذلك تلك الخرافات والبدع. فأعجب ذلكم الأمير بعلم الشيخ، وكذلك دعوته، فبدأ شيئًا فشيئًا في مناصرته، حتى ما كان بعد ذلك من تأييد للشيخ. فكان من الشيخ رحمه الله أن أخذ على الأمير أن ينصره في دعوة التوحيد وإظهار السنة، وأن يعينه كذلك هو ومن معه فيما يكون من طاعة أهل الإسلام لولاة أمورهم. وعند ذلك حصل ما كان من انتصار دعوة الشيخ وانتشارها، فتمكن الشيخ رحمه الله في دعوته بما أيد من السلطان بعد التأييد بالحجة والبرهان. وهكذا كانت أمور الشيخ من الدعوة إلى التوحيد، وعرض هذه الدعوة على الناس، ومن أبى بعد ذلك يدعى، وإلا كان ما كان مما ذكر من قتال أهل البغي بعد ما كان من إعراضهم. وخصوصًا أن أكثرهم كانوا هم الذين يبغون على الشيخ ودعوته ودولته، وهي دولة صغيرة، لأن تلك الدول والممالك الصغيرة والكبيرة من حول الشيخ كانت أكثرها إن لم تكن كلها قائمة على الخرافة والشرك وما كان بمعناه من الجهل الذي كان عليه حال الكثير من الناس. حتى قيل أن دعوة الشيخ رحمه الله كانت بالحجة والبرهان، وكانت بالسيف والسنان في الدفاع عن دعوة التوحيد. ومن رأى تلك المؤلفات الكثيرة والتي منها ما سيأتي بين أيدينا من هذه الرسالة، يجد ما كان عليه الشيخ رحمه الله من حرصه على بث العلم ودعوة الناس إلى دين الله عز وجل بوسائل عديدة. وفي هذه الرسالة ابتدأ المؤلف رحمه الله الرسالة بالبسملة، وكما تكرر وتقدم في رسائل سابقة كثيرة أن العلماء سلكوا هذا المسلك اقتداء بكتاب الله عز وجل، وهكذا بما ثبت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذ كان يفتتح كتبه عليه الصلاة والسلام بالبسملة، بل هي سنة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كما كذلك تقدم وذكر: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. فصار على هذا نهج العلماء افتتاح كتبهم بالبسملة، وأتبع ذلك رحمه الله بقوله: «من أعجب العجاب، وأكبر الآيات الدالة على قدرة الملك الغلاب» إلى آخره. وفي بعض النسخ مقدمة، وبعضهم قال أنها من بعض النسخ، وأكثر النسخ أنها ابتدئت بهذه المقدمة. وكما تقدم معنا في بعض الرسائل الشيخ رحمه الله قد اجتهد في دعوة أهل زمانه إلى التوحيد والسنة، وتحذيرهم مما هم عليه من الجهل والشرك والخرافة بوسائل كثيرة من وسائل الدعوة والتعليم. وبطرق مختلفة من طرق كذلك النصح والتوجيه، ومن ذلك هذه الرسالة كما نرى، وهذا يدلك على ما كان عليه الشيخ رحمه الله، وهكذا العلماء، وهكذا ينبغي أن يقتدى بهم طلبة العلم في الاجتهاد على إيجاد الوسائل الكثيرة والأساليب المتنوعة في حدود المأذون فيه والمشروع. فيما يكون فيه دعوة الناس إلى هذا الدين، وكله يدور حول العلم وبثه، وكذلك دعوة الناس إليه. ففي هذه الرسالة كما نرى ذكر أصولًا ستة يبين فيها عظيم منزلة التوحيد وخطر الشرك، وعرض ما دلت عليه الأدلة، وكذلك جاء به هذا الدين من الثوابت والأصول العظيمة. مع مقارنة ذلك بما عليه الناس في واقعهم في زمن الشيخ رحمه الله، وابتداءه رحمه الله بقوله: «من أعجب العجاب، وأكبر الآيات الدالة على قدرة الملك الغلاب». في هذا الأسلوب شد للقاريء والسامع أن ينتبه لما سيأتي ذكره من قوله: «ستة أصول بينها الله تعالى بيانًا واضحًا». وفيه كذلك أن من أسلوب التعليم أحيانًا مباشرة الشروع والدخول في المقصود دون تمهيد ولا توطئة، وهذا أسلوب آخر من أساليب العلم. وقد كان مثل ذلك عند أهل العلم في بعض مؤلفاتهم، وهكذا كذلك تعليمهم، خصوصًا ما يذكر في بعض ما يكتب على سبيل المناظرة أو على سبيل كذلك القصة والحكاية. أو كذلك ما كان على سبيل النظم والشعر ونحوه مما فيه أو من أساليبه الشروع في المقصود مباشرة. وقوله: «ستة أصول» كما تقدم معنا أن هذا يسمى مفهوم العدد عند أهل الأصول، وهو لا يدل على الحصر، ولكنه يدل على زيادة التأكيد والاعتناء لهذا دون غيره. وإلا فالأصول كثيرة، ولكنه كأنه يقول: ستة أصول هي من أهم الأصول التي بينت وذكرت، فينبغي الانتباه لها. والأصول جمع أصل، وهو أساس الشيء القوي الذي لا يقوم غيره عليه إلا به، مثل أساس البيت، فلا يقوم البيت إلا على أساسه وأصله الذي يكون في أسفله. ومثل أصل الشجرة بالنسبة لفروعها وأوراقها، فهو أساس الشيء القوي الذي يقوم عليه غيره. والمراد به ها هنا: ستة أصول، أي مستنبطة ومأخوذة من أدلة الكتاب والسنة، دلت على عظيم منزلة التوحيد، وأهميته وخطر الشرك، وكذلك سوء عاقبته. ولهذا قال: «بينها الله تعالى بيانًا واضحًا للعوام فوق ما يظن الظانون». وقوله: «للعوام» إشارة أن وضوح هذه الأصول الستة جعلها مما لا يخفى أمرها على من ليس عنده أدنى علم، وهم عامة الناس. فهي إذن مما هو معلوم من الدين بالضرورة، وهذا ما لا يفترق فيه العالم والجاهل، المعلوم من الدين بالضرورة من العلم ما لا يفترق فيه العالم والجاهل. ما لا يفترق أو ما لا يختلف فيه العالم والجاهل، فالكل يعلمه. فكل من قرأ القرآن وبلغته سنة النبي عليه الصلاة والسلام، إذا ذكرت له هذه الأصول الستة علمها لشدة وضوحها وبيانها في نصوص الكتاب والسنة. وأكد ذلك بقوله رحمه الله: «فوق ما يظن الظانون»، يعني فوق ما يتصور المتصورون من شدة وضوح وبيان هذه الأصول. حتى أنها لم تخفى على من كان على هذا الجهل من عامة الناس، فإذا كان كذلك، إذن بعد هذا يحق التعجب. وهذا هو قوله في أول هذه الرسالة: «من أعجب العجاب، وأكبر الآيات الدالة على قدرة الملك الغلاب» إلى آخره. قال: «ثم بعد ذلك أو ثم بعد هذا غلط فيها أذكياء العالم وعقلاء بني آدم إلا أقل القليل»، يعني بعد هذا نتعجب كيف يغلط أو تتعجب والخطاب لمن تبلغه الرسالة كيف يغلط في هذا أو في هذه الأصول. أذكياء العالم وعقلاء بني آدم، ويريد بذلك من جمع له علم كثير، وصار مشتهرًا بالأمور العقلية حتى اشتهر بالذكاء وقوة العقل. وهذه في الحقيقة عند أهل المعرفة بالدين ليست صفة مدح، بل هي صفة الذم، لأن المدح ليس بإعمال العقل على حساب الشرع، وإنما المدح بإخضاع العقل للنقل، أي الشرع. وفي هذا لمحة وإشارة من الشيخ رحمه الله أن الذكاء وحده لا يكفي في معرفة الحق إذا لم يكن معه تسليم، وهكذا كذلك أن الانشغال بالأمور العقلية لا يكفي في معرفة الحق إذا لم يكن معه اتباع وبحث عن الحق بدليل وبرهانه. وبه يزول الإشكال والعجب، إذ أن هؤلاء أهملوا نصوص الكتاب والسنة، وانشغلوا بالفلسفة والأمور العقلية حتى كانوا أذكياء في هذا الباب، ولكنهم في غاية الجهل والبعد عن دين الله سبحانه وتعالى الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. وزاد الأمر غموضًا عندهم، وكذلك التباسًا ما كان عليه حال الكثير من الناس من البعد عن هذا الحق. فصارت الكثرة ميزان، وهكذا كذلك غلبت التعصب والتقليد، وغير ذلك من الأمور المعيقة والحائلة عن معرفة هذه الأصول والوقوف عليها عن قرب. ثم قال رحمه الله: «الأصل الأول»، وقوله: «إلا أقل القليل» يعني من من وفق لهذا الحق فهم قليل، بل أقل القليل. وهذه إشارة منه رحمه الله إلا أن أهل الحق في كل زمان ومكان ليسوا قليلًا فحسب، بل هم أقل القليل كما وصفوا في أدلة الكتاب والسنة. «وقليل من عبادي الشكور»، وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين»، والطائفة وصف للقلة. وهكذا: «وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة»، والواحدة من ثلاث وسبعين كذلك قليل. قال رحمه الله: «الأصل الأول»، أي من الأصول التي سبقت الإشارة إلى معناها. قال: «إخلاص الدين لله تعالى وحده لا شريك له، وبيان ضده الذي هو الشرك بالله»، هذا هو الأصل الأول الذي بين بيانًا واضحًا في نصوص الكتاب والسنة. فوق ما يظنه الظانون حتى لم يخفى على كل من عرف القرآن ووقف على السنة أن هذا من أعظم ما دعى إليه ديننا: إخلاص الدين لله تعالى وحده لا شريك له. وبيان ضده الذي هو الشرك بالله، من قرأ القرآن لم يخف عليه هذا الأصل أبدًا، فهذا مما هو معلوم من الدين بالضرورة. ولو أنكره أحد لكان كافرًا بالله، لأنه أنكر شيئًا معلومًا من الدين بالضرورة. وقوله: «وكون أكثر القرآن في بيان هذا الأصل من وجوه شتى، بكلام يفهمه أبلد العامة»، معناه زيادة توضيح وبيان من الشيخ رحمه الله. وتأكيد لما سبق أن هذا الأصل قد بين في القرآن فضلًا عن السنة التي تفسر القرآن وتوضحه وتبينه وتشرحه. فهي أكثر بين في القرآن، ووضحها من وجوه شتى، ومعنى من وجوه شتى: يعني بأساليب مختلفة. فمثلًا تارة يذكر بأنه مفتتح دعوة الرسل عليه الصلاة والسلام، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَد بَعَثنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسولًا أَنِ اعبُدُوا اللَّهَ وَاجتَنِبُوا الطّاغوتَ﴾. وكما ذكر الله عز وجل عن عدد من أنبيائه ورسله حين أرسلهم إلى أممهم يقولون: «اعبدوا الله ما لكم من إله غيره»، وغير ذلك من الآيات التي هي بهذا المعنى. هذا وجه وأسلوب يفهم منه كل من قرأ القرآن أن كان من مفتتح دعوة الرسل عليه الصلاة والسلام الدعوة إلى التوحيد والنهي عن الشرك. وجه آخر: أن الله عز وجل بين عظم منزلة التوحيد في الدين وخطر الشرك، فضرب الله عز وجل الأمثال العظيمة للتوحيد، وضرب الأمثال السيئة الخبيثة التي تجل وتوضح خطر الشرك وسوء عاقبته. كما قال الله عز وجل في حق التوحيد: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾. هذا مثل ضربه للتوحيد، وضرب سبحانه وتعالى مثلًا للشرك بأمثلة كثيرة، فضرب مثل الشرك وحال أهله كحال المتعلق بخيط العنكبوت. وضرب مثل الشرك وحال أهله كالذي يهوي من مكان علي إلى واد سحيق، وضرب مثل الشرك وأهله كالذي تتخطفه الطير من السماء وهو يهوي من المكان العلي إلى المكان السحيق. وغير ذلك من الأمثلة الكثيرة التي فيها وجه آخر لبيان عظمة التوحيد وخطر الشرك. ومن الأوجه كذلك ما بين من حال أهل التوحيد في الدنيا وحالهم في الآخرة، وحال أهل الشرك في الدنيا وحالهم في الآخرة. كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. وهذا كذلك وجه آخر في بيان عاقبة وحال أهل التوحيد في الدنيا وحالهم في الآخرة. وهكذا قول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. وهكذا قول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾. وغير ذلك من الآيات قبلها وبعدها، وغيرها من الآيات التي هي في هذا الباب. ومن ذلك في مقابل هذا حال أهل الشرك وسوء عاقبته، فقد ذكر الله عز وجل أن من خطر الشرك أنه يحبط العمل على صاحبه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ومن خطر الشرك أن الله لا يغفر لصاحبه هذا الذنب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. ومن ذلك أن صاحبه تحرم عليه الجنة ويخلد في النار: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. وغير ذلك من الآيات الكثيرة التي تدل على هذا الوجه، وهكذا كذلك من هذه الأوجه سد الذرائع الموصلة إلى الشرك. سد الذرائع الموصلة والمفضية إلى الشرك، وحماية التوحيد بقطع الوسائل التي تنافي التوحيد، وهذا له نظائر كثيرة كذلك في القرآن. من ذلك ما أخبرنا الله عز وجل عن قصة قوم نوح، وكيف أنهم عبدوا غير الله بسبب تلك التصاوير التي صنعوها، وذلك ما التعظيم والغلو في الصالحين. وأنه كذلك ليس هذا في أهل الشرك من أهل الأوثان، بل حتى في أهل الكتاب، فعبد اليهود عزيرًا، وعبد النصارى المسيح. ولهذا قال الله عز وجل في آيات: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾. وهكذا كذلك ما ذكر الله عز وجل من قصة أصحاب الكهف، وكيف أنهم أرادوا أن يتخذوا عليهم مسجدًا، وهذا على وجه الذنب لا على وجه الإقرار. وغير ذلك مما ذكر في قصة عيسى عليه الصلاة والسلام مع قومه، وهكذا ما ذكر الله عز وجل عن بني إسرائيل مع موسى في عبادة ذلكم الصنم الذي صنع من ذهب العجل الذي له خوار. وهكذا ما ذكر الله عز وجل كذلك في مواضع مما هو حول هذا المعنى. فهذا وجه آخر وهو يتبين به كذلك معنى هذا الأصل: إخلاص الدين لله تعالى وحده لا شريك له، وبيان ضده الذي هو الشرك بالله. فالأوجه كثيرة، ولكن الشيخ رحمه الله اكتفى بهذه الإشارة ليدلل أن ذلك قد بين بيانًا واضحًا فوق ما يظن الظانون. وقوله رحمه الله: «بوجوه من وجوه شتى، بكلام يفهمه أبلد العامة»، معناه أن من قرأه فهمه، وفي هذا دليل كذلك على صحة قول من قال من أهل العلم: أن الأدلة تنقسم إلى قسمين. قسم منها بلوغها يكفي في قيام حجتها، وهي ما كان معلومًا من الدين بالضرورة، وما لا يختلف فيه العام وغيره في فهمها. ومنها ما لا يكفي بلوغها لقيام حجتها، بل يحتاج بعد البلوغ إلى الفهم، يحتاج بعد البلوغ إلى الإدراك. وهذا ظاهر من كلام المؤلف ها هنا، وله نظائر في كتبه ومؤلفاته رحمه الله. ومن باب أولى أن يفهم أن المؤلف لا يقول أبدًا بعدم الإعذار بالجهل في باب التوحيد، ومن قال عليه مثل ذلك فقد أخطأ رحمه الله. أما إن قصد أن من بلغه القرآن فيما هو معلوم من الدين بالضرورة فلا عذر له، ولا الدعاء للجهل، فهذا صحيح. فلا يمكن لأحد أن يقول: أنا ما أعلم، وقد قرأ القرآن وبلغه القرآن: أنا ما أعلم أن توحيد الله من أعظم الأصول في هذا الدين، وأن النهي عن الشرك من أعظم الأصول في هذا الدين. أبدًا لا يمكن أن يدعي أحد الجهل في هذا، ولو قاله أحد لم يقبل منه، بل كل من بلغه القرآن، بلغته الحجج في هذا الأصول. فإذا نفرق بين ما هو معلوم من الدين بالضرورة، فلا عذر بالدعاء الجهل فيه، إذ من بلغه القرآن قامت عليه الحجة. ومن لم يبلغه القرآن ولم يقف على العلم، فقد يكون معذورًا بالجهل كحال الكفار، ومن كان مثل أولئك. فإذا كان كذلك، فمن باب أولى ما كان من الحجة يحتاج إلى فهم وإلى إدراك، وعلى هذا قول المحققين من أهل العلم. وقوله: «ثم لما صار على أكثر الأمة ما صار»، يعني من البعد عن الدين والجهل به والغفلة والإعراض عنه. «أظهر لهم الشيطان الإخلاص في صورة التنقص الصالحين»، يعني انقلبت الحقائق، فصار الذي يدعو إلى التوحيد ويحذر من الشرك يسمى أنه منتقص للصالحين. مثل ما يقول عباد عيسى عليه الصلاة والسلام مع من يدعوهم إلى التوحيد في عدم الغلو فيه وعبادته مع الله سبحانه وتعالى. ومثل من يقول من اليهود من من يعبد عزيرًا إذا نُهي عن الشرك أنهم يتنقصون عزيرًا، وأنهم أعداء الصالحين والرسل والأنبياء. ومثله كذلك في حق نبينا عليه الصلاة والسلام، وكما قيل: «ما أشبه الليلة بالبارحة»، فما كان بالأمس يقال بحق اليهود والنصارى. وما يقال كذلك في حق من عبد بعض الصالحين من أهل الأوثان، كمن عبد اللات وغيره، فالدعي فيهم انتقاص الصالحين وأعداء الصالحين. صار كذلك من يحذر من الشرك في زمان المؤلف، وإلى زمان هذا يدعى أنه من أعداء الصالحين، ومن كذلك ماذا غير محبي الأنبياء. حتى أن بعضهم ربما إذا قيل له: حتى فيما دون ذلك المولد بدعة، يقول: «أنت عدو النبي صلى الله عليه وسلم». وصار هذا في قلوب الكثير من الجهلة ممن يسمع من أهل الباطل، وهذا هو قوله: «أظهر لهم الشيطان»، أي شيطان الجن وشيطان الإنس. شيطان الجن بما يقذفه في قلوب ماذا أوليائه، فهو يخوف أهل الشرك وأهل الجهل، وأما أهل التوحيد فهم قد سلموا منه. فيقذف في قلوبهم مثل هذه الشبه، وأما شيطان الإنس فبما يكون من شبهه التي يبثها في أتباعه، وهم علماء السوء والضلال. حتى اشتهر هذا، فصار الكثير منهم يتهم أهل التوحيد بأنهم لا يحبون النبي صلى الله عليه وسلم، وأنهم لا يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم. وأنهم لا يحبون الصالحين، ولا يحترمونهم، وهذا خطأ، وإنما أهل التوحيد يحذرون مما حذر منه الكتاب والسنة. ويأمرون بما أمر به الكتاب والسنة.