الصحيح المسند من دلائل النبوة 8

الصحيح المسند من دلائل النبوة 8

الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 8، الدرس الثامن:من( آيات الأنبياء الدالة على صدقهم ... وليس آيات الأنبياء في شيء من هذا الجنس ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

دلائل صدق الأنبياء وآياتهم

يناقش دلائل صدق الأنبياء وآياتهم المتنوعة، ويفرق بينها وبين المقاييس الكلية. يوضح أن آيات الأنبياء لا يمكن أن تكون مثلها لدى غيرهم.

تمييز آيات الأنبياء عن غيرها

يفرق بين آيات الأنبياء وكرامات الصالحين وأفعال السحرة، موضحًا تفرد آيات الأنبياء في علوها وتميزها عن غيرها.

حكم استخدام الجن وطاعتهم

يناقش حكم استخدام الجن وطاعتهم للإنس، مستشهدًا برأي ابن تيمية الذي يرى أن طاعتهم ليست دليل كرامة أو نبوة.

عاقبة المطاع من الجن والإنس

يتناول عاقبة المطاع من الجن والإنس، موضحًا أن العاقبة تختلف حسب سلوك المطاع بين الحمد والعقاب.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتاب «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال: «آيات الأنبياء الدال على صدقهم» وهو في سياق ذكره لا يزال ما ينقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، قال: «ذكر أن آيات الأنبياء الدال على صدقهم كثيرة متنوعة، وأن النبي الصادق خير الناس، والكاذب على الله شر الناس، وبينهما من الفروق ما لا يحصيه إلا الله، فكيف يشتبه هذا بهذا؟ بل لهذا من دلائل صدقه، ولهذا من دلائل كذبه ما لا يمكن إحصاءه، وكل من خص دليل الصدق بشيء معين فقط فقد غلط». والمعنى: من ظن أن دليل الصدق له معنى واحد فقط، وهو أن يصدق مثلًا في قوله، أو يكون كذلك في فعله، فهذا خطأ؛ لأن دلائل الصدق كثيرة، من مؤيدات كثيرة تدل قولية وفعلية وحالية تدل على صدق هذا الموصوف بالصدق. ومن ذلك: أن الله عز وجل، وهو الحكم العدل، لا يدع من يكذب عليه يستمر في كذبه، وهذا من المؤيدات والدلائل والعلامات التي تدل على صدق الصادق أو كذب الكاذب، وهناك أمور أخرى سيأتي الإشارة إليها. قال رحمه الله: «بل آيات الأنبياء هي من آيات الله هدى، ألا على أمره ونهيه، ووعده ووعيده، وآيات الله كثيرة متنوعة كآيات وجوده، ووحدانيته، وعلمه، وقدرته، وحكمته، ورحمته سبحانه وتعالى، والقرآن مملوء من تفصيل آياته وتصريفها، وضرب الأمثال في ذلك، وهو يسميها آيات وبراهين». وقد ذكرنا الفرق بين الآيات والمقاييس الكلية التي لا تدل إلا على أمر كلي في غير هذا الموضع، والمراد بالمقاييس الكلية يعني مما له أمثال ونظائر بين الناس، فآيات الله أعظم من ذلك. قال: «والوجه الثاني عشر: أن ما يأتي به الساحر والكاهن وأهل الطبائع والصناعات والحيل، وكل من ليس من أتباع الأنبياء لا يكون إلا من مقدور الإنس، وإنما يختلفون في الطريق». فإن الساحر قد يقدر على أن يقتل إنسانًا بالسحر، أو يمرضه، أو يفسد عقله أو حسه وحركته وكلامه، بحيث لا يجامع أو لا يمشي أو لا يتكلم، ونحو ذلك، وهذا كله مما يقدر الإنسان على مثله، لكن بطرق أخرى، يعني الطبيب مثلًا يستطيع أن يقتل بطبه، وأن يمرض بطبه، وأن يفسد عقل إنسان بطبه، وأن يشل حركة أو كلام بطبه. ولا يعني ذلك أنه ساحر، كما لا يعني أن الساحر طبيب، ولا يعني أن أحدهما يستطيع ذلك أن غيره لا يستطيعه بطريق أخرى، بخلاف آيات الأنبياء؛ فإنه لا يقدر على مثلها أحد من الناس. قال: «والجن يطيرون في الهوى، وعلى الماء، ويحملون الأجسام الثقيلة، كما قال العفريت لسليمان: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾»، وهذا الجنس يكون لمن هو دون الإنس والجن من الحيوان، كالطيور والحيتان. والإنس يقدر على جنسه، ولهذا لم يكن هذا الجنس آية لنبي لوجوده لغير الأنبياء، فكثير من الناس تحمله الجن، بل شياطين الجن، وتطير به في الهواء، وتذهب به إلى مكان بعيد، كما كان العفريت يحمل عرش بلقيس من اليمن إلى مكان بعيد، الله أعلم ما دليل ذلك من حيث الوقوع والتكرار. وأما من حيث الإمكان، فقد دل دليل الكتاب، ومعناه في السنة: أنه ممكن. قال: «ونحن نعرف من هؤلاء عددًا كثيرًا، وليس صالحين، بل فيهم كفار ومنافقون وفساق وجهال لا يعرفون الشريعة، والشياطين تحملهم وتطير بهم من مكان إلى مكان، وتحملهم إلى عرفات، فيشهدون عرفات من غير إحرام ولا تلبية ولا طواف بالبيت، وهذا الفعل حرام، والجهال يحسبون أنه من كرامات الصالحين». فتفعله الجن بمن يحب ذلك مكرًا به وخديعة، أو خدمة لمن يستخدمهم من هؤلاء الجهال بالشريعة، وفي الغالب لا تخدم الجن الإنس بمثل ذلك ونظائره إلا بما يكون معه من الكفر الذي يقدم لهم. قال: «وإن كان له زهد وعبادة؛ لأن الجن تلبس على الناس، وكذلك الجن كثيرًا ما يأتون الناس بما يأخذونه من أموال الناس من طعام وشراب ونفقة وماء وغير ذلك، وهو من جنس ما يسرقه الإنسي ويأتي به إلى الإنسي، لكن الجن تأتي بالطعام والشراب في مكان العدم». ولهذا لم يكن مثل هذا آية لنبي، وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يضع يده في الماء فينبع الماء من بين أصابعه، وهذا لا يقدر عليه لا إنس ولا جن، وكذلك الطعام القليل يصير كثيرًا، وهذا لا يقدر عليه لا الجن ولا الإنس. ولم يأت النبي صلى الله عليه وسلم قط بطعام من الغيب ولا شراب، وإنما كان هذا قد يحصل لبعض أصحابه؛ لأنه لو وقع ذلك ربما كان سببًا لإدعاء غير معنى النبوة في حقه عليه الصلاة والسلام. ولكن من حكمة الله عز وجل أن جعل آيات الأنبياء ما ليس فيها مظنة التهمة بغير النبوة، فإن الكاهن كما تقدم، والساحر والمشعود قد يصنع الإتيان بالشيء الغائب. قال رحمه الله تعالى: «وإنما كان هذا يحصل لبعض أصحابه، كما أتى خبيب بن عدي وهو أسير بمكة بقطف من عنب، أو أتي بقطف من عنب». وهذا الجنس ليس من خصائص الأنبياء، ومريم عليها السلام لم تكن نبية، وكانت تؤتى بطعام، فإن هذا قد يكون من حلال، فيكون كرامة يأتي به إما ملك وإما جني مسلم. وهكذا كذلك قد يكون إنسي سخر الله له أسبابًا لم تسخر لمثله، فقد يبقى الطعام بحكمة الله عز وجل وإرادته النافدة إلى وقت لا يبقى مثله كرامة من الله عز وجل لبعض أوليائه. وقد يكون كذلك العكس يفعله بعض من له صلة بالسحر أو الشعوذة والكهانة والتعلق بالجن. قال رحمه الله تعالى: «وقد يكون حرامًا، فليس كل ما كان من آيات الأنبياء يكون كرامة للصالحين وهؤلاء». وقوله: «قد يكون حرامًا» يعني الإتيان بالطعام في غير وقته، وفي محل عدمه بوجه حرام، مثل فعل بعض السحرة في السرقة، أو كذلك بعض الجن ونحوه. قال: «فليس كل ما كان من آيات الأنبياء يكون كرامة للصالحين، وهؤلاء يسوون بين هذا وهذا، ويقولون الفرق هو دعوى النبوة والتحدي بالمثل، وهذا غلط». فإن آيات الأنبياء عليهم السلام التي دلت على نبوتهم هي أعلى مما يشتركون فيه هم وأتباعهم، مثل الإتيان بالقرآن، ومثل الإخبار بأحوال الأنبياء المتقدمين وأممهم، والإخبار بما يكون يوم القيامة وأشراط الساعة، ومثل إخراج الناقة من الأرض، ومثل قلب العصا حية، وشق البحر، ومثل أن يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله، وتسخير الجن لسليمان، لم يكن مثله لغيره. وإن كان فإنه يكون على وجه لا تكمل فيه المشابهة والمماثلة، فإن الجن قد يخدمون الإنس، لكن يخدمونهم أولًا ليس خدمة مطلقة تامة كاملة كما وقع لسليمان عليه السلام، وثانيًا خدمة بعوض ومقابل من الكفر وما يلحق به من الإفساد، بخلاف ما وقع لسليمان عليه السلام. قال: «لكن من الجن المؤمنين من يعاون المؤمنين، ومن الجن الفساق والكفار من يعاون الفساق كما يعاون الإنس بعضهم بعضًا، ومع ذلك فهذه المعاونة سواء كانت بحق أو بغير حق فهي ليست مماثلة لما كان لسليمان عليه السلام». وهل بهذا جواز استعانة الإنس بالجن؟ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواضع من كتبه يفصل بهذا، وأهل العلم أكثرهم على المنع؛ لأجل ما تفضي به الذريعة لاستعمالهم في السوء والشر والتباس أمرهم على الكثير من الناس، كان القول بالمنع هو الأحوط والأصوب في هذا الباب. قال رحمه الله: «فأما طاعة مثل طاعة سليمان، فهذا لم يكن لغير سليمان عليه السلام، ومحمد صلى الله عليه وسلم أعطي أفضل مما أعطي سليمان عليه السلام؛ فإنه أرسل إلى الجن وأمروا أن يؤمنوا به ويطيعوه، فهو يدعوهم إلى عبادة الله وطاعته، لا يأمرهم بخدمته وقضاء حوائجه كما كان سليمان يأمرهم، ولا يقهرهم بالسحر كما كان سليمان يقهرهم، بل يفعل فيهم كما يفعل في الإنس، فيجاهدهم الجن المؤمنون، ويقيمون الحدود على منافقيهم، فيتصرف فيهم تصرف العبد الرسول، لا تصرف النبي الملك كما كان سليمان يتصرف فيهم». والصالحون من أمته المتبعون له يتبعونه في ما يأمر به الإنس والجن، وآخرون دون هؤلاء قد يستخدمون بعض الجن في مباحات كما يستخدمون بعض الإنس، وقد يكون ذلك مما ينقص دينهم، لا سيما إن كان بسبب غير مباح. وآخرون شر من هؤلاء يستخدمون الجن في أمور محرمة من الظلم والفواحش، فيقتلون نفوسًا بغير حق، ويعينونهم على ما يطلبونه من الفاحشة، كما يحضرون لهم امرأة أو صبيًا أو يجذبونه إليه. وآخرون يستخدمونهم في الكفر، فهذه الأمور ليست من كرامات الصالحين؛ فإن كرامات الصالحين هو ما كان سببه الإيمان والتقوى، لا ما كان سببه الكفر والفسوق والعصيان. وأيضًا فالصالحون السابقون لا يستخدمونهم إلا في طاعة الله ورسوله، ومن هو دونهم ومن هو دون هؤلاء لا يستخدمهم إلا في مباح، وأما استخدامهم في المحرمات فهو حرام، وإن كانوا إنما خدموه لطاعته لله، كما لو خدم الإنس رجلًا صالحًا لطاعته لله، ثم استخدمهم فيما لا يجوز، فهذا بمنزلة من أنعم عليه بطاعته نعمة فصرفها إلى معصية الله، فهو آثم بذلك. وكثير من هؤلاء يسلب تلك النعمة، ثم قد يسلب الطاعة فيصير فاسقًا، ومنهم من يرتد عن دين الإسلام، فطاعة الجن للإنسان ليست أعظم من طاعة الإنس، بل الإنس أجل وأعظم وأفضل، وطاعتهم أنفع إذا كان المطاع من الإنس قد يطاع في طاعة الله فيكون محمودًا مثابًا، وقد يطاع في معصية الله فيكون مذمومًا آثمًا. ويريد رحمه الله أن حصول طاعة الجن للإنس ليست هي علامة على نبوة أو كرامة؛ فإنه يقع في الخير وفي الشر، ومثله طاعة الإنس للإنس، بل طاعة الإنس للإنس أشرف، وهذا يوجد له شواهد حق بين الناس، فلا يستلزم ذلك معنى من معاني الالتباس بنبوة النبي ودلالة ذلك ولا كرامة الولي؛ لأن ذلك قد يقع في خير وقد يقع في شر وقد يقع في مباح على ما تقدم وصفه. ثم ما ذكره من أمر النبي عليه الصلاة والسلام ودعوته للجن والإنس، وهكذا كذلك ما كان من ملك سليمان عليه السلام، فإن ذلك لحكمة منه سبحانه وتعالى، فالله أعلم بما يصلح ويصلح به أمر عباده. فإن من الناس أو من الجن والإنس من لا يصلح معهم إلا الحكم العابد، أو كذلك قل الملك مطلقًا بوصفه حسن أو غير حسن، ومن الناس من لا يكون الأمر معهم كذلك، فلله حكمة في ذلك؛ لأنه قد يقول قائل: لما كان لسليمان الملك، وكان لرسولنا صلى الله عليه وسلم دون ذلك؟ الجواب: لله حكمة فيما يصلح به أمر عباده. قال: «فكذلك المطاع من الجن الذي يطيعه الناس من الإنس قد يكون مطاعًا لصلاحه ودينه، وقد يكون مطاعًا لملكه وقوته، وقد يكون مطاعًا لنفعه لمن يخدمه بالمعاوضة». فكذلك المطاع من الجن لصلاحه أو دينه، وقد يطاع لقوة وملك محمود أو مذموم، ثم الملك إذا سار بالعدل حمد، وإن سار بالظلم فعاقبته مذمومة، وقد يهلكه أعوانه، وهكذا يتسلط الكثير من الجن على من ينتفع بهم، وهذا وجه من أوجه كثيرة يكون بها سد هذا الباب، أي عدم استعمال الإنس للجن وعدم إجازة ذلك. قال: «فكذلك المطاع من الجن إذا ظلمهم أو ظلم الإنس بهم أو بغيرهم كانت عاقبته مذمومة، وقد تقتله الجن أو تسلط عليه من الإنس من يقتله، وكل هذا واقع، نعرف من ذلك من الوقائع ما يطول وصفه، كما نعرف من ذلك وقائع الإنس ما يطول وصفه، وليس آيات الأنبياء في شيء من هذا الجنس».