الدرس في كتاب الطهارة 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
مر الإمام الشوكاني بمراحل علمية متعددة أثرت على مؤلفاته، خاصة في الاعتقاد والأسماء والصفات. بدايته كانت مختلفة عن نهايته بسبب قلة اطلاعه الأولي على كتب السنة.
تناول المقطع شرح الدرر البهية وسبب تأليفه، حيث اعتذر المؤلف أولاً ثم بدأ في الشرح مبيناً أهمية الكتاب ومحتواه ومنهجه في التعليق.
يشرح المقطع أحكام المياه في الطهارة، مبيناً أن الماء طاهر ومطهر إلا إذا تغيرت أوصافه، وأنه لا يصح التطهر به إذا خالطته مواد طاهرة ونزع منه اسم الماء.
الماء المستعمل في الطهارة يظل يسمى ماء، والشرع أجاز الطهارة به، وسيتم توضيح ذلك في المسائل القادمة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فبين أيدينا كتاب الدرار المضية شرح الدرر البهية في المسائل الفقهية لشيخ الإسلام محمد بن علي بن عبد الله الشوكاني، رحمه الله تعالى، إمام عصره وفريد دهره في زمنه. رحمه الله تعالى، هذا الإمام الذي أنار الله عز وجل بعد فضل الله سبحانه وتعالى بجهوده العلمية الكثيرة السنة في بلاد أطبق عليها التشيع وأهلها. وقد انتفع الناس بكتاباته ورسائله، وكذلك مؤلفاته في زمانه وبعد زمانه، رحمه الله شيئًا كثيرًا. ففتح الله عز وجل عليه بما كان من تحقيقاته التي دعا فيها إلى طريق السنة، وعرف كذلك بما عليه سلف الأمة عقيدة وعبادة وخلقًا وسلوكًا، رحمه الله رحمة واسعة. ولا يزال الناس إلى زماننا هذا يستفيدون ويستنيرون من مؤلفاته الكثيرة المتنوعة في الفنون العديدة، رحمه الله رحمة واسعة التي أفاد وأجاد فيها، سواء أكان ما كتب في باب الاعتقاد أو ما كتب كذلك في باب الفقه ورسوله أو الحديث، وكذلك علومه أو غير ذلك من التحقيقات والمؤلفات الكثيرة التي لا يزال الناس ينتفعون منها وبها إلى زماننا هذا، رحمه الله تعالى رحمة واسعة. فهو أحد أئمة الأعلام الذين عرفوا بالدعوة إلى السنة وما كان عليه سلف الأمة، خصوصًا في هذه البلاد اليمنية، رحمه الله رحمة واسعة. وكما مر معنا في بعض رسائله وكتبه المتقدمة نفسُه، رحمه الله، على السلف السني رحمه الله في جوانب كثيرة من مؤلفاته. وهذا الأثر يظهر في كثير ممن ألف بعده ممن استفاد وأفاد وأحال إلى كتبه، رحمه الله رحمة واسعة، كغيره من علماء وأئمة السنة، رحمه الله رحمة واسعة. ومع إمامته وجلالته وعظيم باعه في دعوته إلى السنة وأهلها وما كان عليه سلف الأمة، إلا أنه من باب الأمانة والبيان كذلك كغيره من العلماء الذين يصيبون أو يخطئون. وقد يقع منهم خطأ مع صوابهم الكثير. وكما قيل: لكل جواد كبوة، ولكل عالم هفوة. ومن باب التنبيه والتحقيق والتوضيح، ننبه بثلاثة تنبيهات لطالب العلم فيما يتعلق بمؤلفات وسيرة هذا الإمام الجليل، رحمه الله رحمة واسعة. أول هذه التنبيهات أن الإمام الشوكاني رحمه الله مر بمراحل علمية في حياته العلمية. فمثلًا في باب الاعتقاد مر بمراحل لم يكن في أول أمره على وضوح ما كان عليه أهل السنة والجماعة في باب الاعتقاد، وخصوصًا باب الأسماء والصفات، بمثل ما كان عليه في آخر أمره. لأنه كغيره من العلماء ينضج علمهم بمرور الزمن، ولأنه لم يتيسر له كغيره من العلماء كتب السنة وعلمائها وأئمتها في بداية طلبه وتأليفه وتدريسه مثل ما تيسر له بعد ذلك. ولذلك نجد الفرق في مؤلفاته التي ألفها في أول حياته، ككتابه التفسير المسمى بفتح القدير، فإنه ذكر في تفسيره رحمه الله في بعض المواضع أو عدة مواضع فيما يتعلق بمباحث الأسماء والصفات ما هو ليس على طريقة أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات. وهكذا بعض المواضع التي أخذت عليه رحمه الله في تفسيره ذلك. ويُعذر في هذا بثلاثة أمور وهي من أهم الأمور. أولها أنه ينقل كثيرًا عن غيره من المفسرين، وكثر من ألف في التفسير وعنده التأويل والتحريف، خصوصًا في مباحث الصفات، كالقرطبي رحمه الله وغيره من الأئمة. والشوكاني رحمه الله اعتمد على كتاب القرطبي كثيرًا أو أخذ ونقل منه ومن غيره كثيرًا، فهذا عذر يجعله سببًا في وجود مثل ذلك في كتبه. والأمر الثاني وهو الأهم أن هذا من أول ما ألف أو من أوائل ما ألف رحمه الله في كتاباته ولفاته. وكما قلنا مر الشوكاني رحمه الله بمراحل، وكان في أول أمره لم يكن على التمييز على ما كان عليه في آخر أمره. ويؤكد ذلك ويدل عليه كتابه الذي ألفه في آخر حياته المسمى التحف في مذاهب السلف، فإن هذا الكتاب من أحسن كتبه في باب الاعتقاد، خصوصًا في باب الأسماء والصفات. وهو مع كونه من أحسن كتبه وأفضلها إلا أن الكتاب عليه بعض الملاحظات اليسيرة التي لا تضر بعقيدته ومنهجه في باب الأسماء والصفات وباب الاعتقاد بالجملة. نبه عليها العلماء وهي مواضع يسيرة، ولكن بالجملة من يرى كتابه التحف يرى الفرق الكبير والبون الواسع بينه وبين ما كتبه رحمه الله في كتابه فتح القدير في التفسير. والأمر الثالث أنه رحمه الله لم يتيسر له في أول أمره كتب أهل السنة والجماعة والعلماء وأئمتها، خصوصًا كتب الاعتقاد مثل ما تيسر له في آخر أمره. ولهذا نجد في مؤلفاته الأخيرة ينقل كثيرًا عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وبه وبتلميذه الإمام ابن القيم رحمه الله استطاع أن يصل إلى كتب وعلماء كتب علماء أئمة السنة في الاعتقاد. ولذلك ذكر في بعض المواضع رحمه الله أنه بحث عن تلك الكتب حتى وصل إلى بعضها رحمه الله رحمة واسعة، ككتاب السنة لعبد الله بن أحمد، وهكذا السنة للخلال، والرد على الجهمية لإمام أحمد، والرد على الجهمية للدارمي، وغيرها من كتب السنة المعروفة عن العلماء وأئمة. وهكذا كذلك كتب علماء وأئمة السنة الذين اعتنوا بباب الاعتقاد في هذا الباب. ومن قرأ في كتب هذا الإمام في آخر حياته يجد أنه استفاد كثيرًا كثيرًا من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وهذا ما جعل أمره يختلف جدًا في آخر حياته على ما كان عليه في أول حياته رحمه الله. والتنبيه الثاني أن المؤلف رحمه الله مع إمامته وجلالته كان قد ابتلي بالرافضة والشيعة بطوائفهم وفرقهم. وقد ابتلي بلاءً عظيمًا بهم رحمه الله رحمة واسعة. ومن يقرأ في تاريخ سيرته وترجمته رحمه الله يجد من ذلك الشيء الكثير. ولذلك فإنه أحيانًا قد يذكر بعض أقوال هؤلاء الشيعة ليرد بها على أتباعهم، وكذلك ليستدل بها على بعض نقولاتهم. وهذه النقولات التي ينقلها لأنه ابتلي بمجتمع مليء بالتشيع متعصب له، وهذا عذره رحمه الله. ولكن جعله بعض أهل العلم محل نقد وملحوظ تمنوا أنه تركه رحمه الله رحمة واسعة. ولعل عذره ما قدمناه له. ولهذا ينقل عنهم أحيانًا في بعض كتبه. وكما سنرى في هذا الكتاب إن شاء الله أنه يذكر هذه النقولات أحيانًا ليبين هذا تارة، ولأجل يشير إلى أشياء أخرى تارة أخرى. وإذا فهو قد أفاد جدًا في رده على هؤلاء في كتاب خاص، وهو ما سماه بالسيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، وهو من أحسن كتبه في الرد على هؤلاء الرافضة والشيعة في الأبواب الفقهية. والتنبيه الثالث أن المؤلف رحمه الله تعالى رحمة واسعة مع إمامته وجلالته وهو كغيره من العلماء قد يقع منهم الخطأ، ولا يسلم من الخطأ أحد. تجده في بعض كتبه، خصوصًا في باب الفقه، يميل إلى قول الظاهرية. واعتذر له بعض العلماء بأنه لما ابتلي بمجتمع فيه التوسع في باب الرأي، إذ أكثر أقوال الرافضة والشيعة في باب الفقه هو من قول الحنفية، وهم كما لا يخفى على طالب العلم في باب الرأي يتوسعون جدًا. فقابل ذلك بالشدة التي دفعته أن يميل إلى قول الظاهرية. ولهذا كان هذا اعتذارًا له رحمه الله فيما ذهب إليه في بعض مؤلفاته من الأقوال التي هي من أقوال الظاهرية، شد بها رحمه الله، بل ربما استحدث أقوالًا في هذه المنهجية لم يسبقه إليها أحد من أهل العلم، يعني قبل ذلك. وسيأتي معنا التنبيه على ذلك إن شاء الله في ثنايا هذه المباحث في هذا الكتاب النافع الماتع. وطريقة التعليق على هذا الشرح ستكون إن شاء الله تعليقات مختصرة بحسب ما يناسب ويقتضيه المقام. وإلا فالأصل أننا نستفيد مما ذكره رحمه الله في الشرح، فإن احتيج إلى تعليق سواء في الجيانب الفقهي أو الحديثي فإنه ينبه عليه، وإلا فالأصل نكتفي بما ذكره وأفاده رحمه الله في كتابه. قال رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، أحمد من أمرنا بالتفقه بالدين، وأشكر من أرشدنا إلى اتباع سنن المرسلين، وأصلي وأسلم على الرسول الأمين وآله الطاهرين وصحبه الأكرمين. وبعد، فإني جمعت المختصر الذي سميته الدرر البهية في المسائل الفقهية، قاصدًا بذلك جمع المسائل التي صح دليلها واتضح سبيلها، تاركًا لما كان منها من محض الرأي، فإنه قيل وقيل. ونسبة هذا المختصر إلى المطولات من الكتب الفقهية نسبة السبيكة الذهبية إلى التربة المعدنية. والمعنى أنه اختصر هذا المختصر من بحر من مسائل الفقه وكتب الفقه، وجعله خلاصة ذلك الكثير مما هو أنفع وأفيد، كالذهب بين تربة مليئة بالمعادن، فالذهب أنفع وأجود وأثمن المعادن. فكذلك أخرج المؤلف رحمه الله في هذا المختصر أثمن وأنفع وأفضل ما ذكر في كتب الفقه. قال رحمه الله تعالى: سألني جماعة من أهل الانتقاد والفهم النافذ الذين عضوا على علوم الاجتهاد بأقوى لحين، أن أجلي عليهم عروس ذلك المختصر، وأزفهُ إليهم ليمعنوا في محاسنه النظر. فاستمهلتهم ريث ما أصحح منه ما يحتاج إلى التصحيح، وينقح فيه ما لا يستغني عن التنقيح، ويرجح من مباحثه ما هو مفتقر إلى الترجيح، ويوضح من غوامضه ما لابد فيه من التوضيح، بشرح مختصر من معين عيون الأدلة معتصر. فدونك هذا المشروح، والشرح ملقي إليك زمام التفويض في المدح والقدح، يا من له في أوج التحقيق صعود، وعليه من ملابس التوفيق والتدقيق برود. وسميت هذا الشرح الدراري المضية شرح الدرر البهية. يبين في هذا رحمه الله أن سبب شرح هذا المختصر سؤال بعض أهل العلم من أهل الانتقاد والفهم النافذ. وهذا معناه أن أولئك الذين سألوه ممن انتقدوا كتب الفقه ولم يرتضوها في زمانهم، فتمنوا أن يكون هناك كتاب فقه فيه من التحقيق والترجيح ما يكون مرجعًا للناس مختصرًا. ولذلك اعتذر بأنه سيفعل ذلك ولكن يحتاج لوقت حتى يضع فيه كما قال من التحقيق والتصحيح والتنقيح ما لا يستغني عنه من يريد أن يخرج شيئًا نافعًا للناس. فهذا هو ما ذكره رحمه الله تعالى في قوله: فاستمهلتهم ريث ما أصحح منه يعني طلب منهم أن يعطوه المهلة، وهي الفترة التي كتب فيها هذا الشرح لما كان من تصحيح وتنقيح وترجيح وتوضيح لذلكم المختصر. وأشار بهذا رحمه الله أنه ربما أضاف أشياء وعدل أشياء على خلاف ما كان في الأصل في هذا الشرح. وسيأتي معنا إن شاء الله ذلك في ثنايا أبواب وفصول كتب هذا الكتاب. قال رحمه الله تعالى: وأرجو الله سبحانه أن يعين على التمام، وينفعني به في هذه الدار ودار السلام، اللهم آمين. قال رحمه الله تعالى: باب. والماء طاهر مطهر، لا يخرج عن الوصفين إلا ما غير ريحه أو لونه أو طعمه من النجاسات. وعن الثاني ما أخرج عن اسم الماء المطلق من المغيرات الطاهرة. ولا فرق بين قليل وكثير، وما فوق القلتين وما دونه، ماء ومتحرك وساكن، ومستعمل وغير مستعمل. قوله رحمه الله: باب. بعد أن ذكر كتاب الطهارة في النسخة التي عندي ليس فيها كتاب الطهارة. وفي بعض النسخ كتب: كتاب الطهارة، باب. وفي نسخة أخرى: باب المياه. فيكون ابتدأ كتاب الطهارة. والكتاب لغة ما أخذ من لفظه ومعناه، أي هذا مكتوب يتعلق بأحكام الطهارة. فكتاب فعال يأتي بمعنى مفعول كثيرًا في اللغة. فنقول: كساء بمعنى مكسو، ولباس بمعنى ملبوس. وهكذا كذلك كتاب بمعنى مفعول، أي مكتوب. فهذا مكتوب يتعلق بأحكام الطهارة. والطهارة من لفظها كما نرى مأخوذة من معنى التطهير، مأخوذة من معنى التطهير. وذكر الطهارة في أول كتاب الفقه أخذه العلماء اقتداء بما ألف وكتب العلماء وأئمة من قبل، كالإمام الشافعي رحمه الله وغيره من الأئمة. وقالوا أن هذا أخذًا من حديث ابن عمر رضي الله عنه في مباني الإسلام، فإنه بني بعد ذكر الشهادتين بالصلاة، بنيا الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، الحديث. وأول شروط ومسائل الصلاة الطهارة، فهي مفتاح هذه الصلاة التي لا تصح الصلاة إلا بها. فلهذا ناسب أن تذكر أحكام الطهارة في أول كتب الفقه، في أول كتب الفقه. وقوله: باب. في نسخة: باب المياه. ذكر المياه وأحكامه. والباب لغة ما يدخل منه ويخرج. والمراد ها هنا الدخول والخروج المعنوي، أي هذا مدخل لمعرفة أحكام المياه وذكر أحكام المياه في أول كتاب الطهارة لأنه هو المستعمل الأول في الطهارة، أي الماء. ولهذا احتيج إلى معرفة أحكام المياه في أول مباحث ومسائل الطهارة. وكثير من الفقهاء يذكرون باب المياه في أوائل كتب الطهارة أو في أوائل كتاب الطهارة طهارة. قال رحمه الله تعالى: هذا الباب قد اجتمع على مسائل. الأولى: كون الماء طاهرًا مطهرًا، ولا خلاف في ذلك. وقد نطق بذلك الكتاب والسنة. وكما دل الدليل على كونه طاهرًا مطهرًا، وقام على ذلك الإجماع، كذلك يدل على ذلك الأصل والظاهر والبراءة. فإن أصل عنصر الماء طاهر مطهر بلا نزاع. وكذلك الطهور يفيد ذلك. والبراءة الأصلية عن مخالطة النجاسة له مستصحبة. قوله رحمه الله: والماء طاهر مطهر. يعني أن الأصل في الماء أنه طاهر، وفي نفس الوقت مطهر، خلافًا لما ذكره بعض الفقهاء أن الماء طاهر ولكنه ليس مطهر، بل الصحيح أن الأصل في الماء ما دام أنه ماء فهو طاهر ومطهر، وهو المسمى بالطهور. لأن الله عز وجل وصفه بهذا الوصف في كتابه، قال الله عز وجل: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ﴾ فهو طاهر مطهر. وقال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ فالطهور مطهر. وهذا المفهوم كذلك في حديث أبي هريرة لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن البحر، قال: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته». فإذن الأصل في الماء أنه طاهر ومطهر، وهو معنى الطهور الذي دلت عليه ألفاظ الكتاب والسنة. وقوله رحمه الله: يدل على ذلك الأصل والظاهر والبراءة. لأن هذا هو الأصل في الماء كما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. ومن نازع في هذا الأصل فعليه بالدليل، ولا دليل على ذلك، بل كل الأدلة تدل على هذا المعنى. وقوله: إن أصل عنصر الماء طاهر مطهر بلا نزاع. يعني في معنى جنس الماء. ومن نازع في ذلك فقوله شاذ. وسيأتي معنا إن شاء الله الإشارة إلى ذلك في المسائل الآتية إن شاء الله. وقوله: وكذلك الطهور يفيد ذلك. يعني لفظ الطهور الذي كما مر معنا ذكر في أدلة الكتاب والسنة. وإذا كان المقصود كما في النسخة الأخرى: الظهور. فيكون يعني الأصل الظاهر في الحكم. ولكن الظاهر والله أعلم أن الصواب: وكذلك الطهور. فيكون بالطاء المهملة والمشددة بالفتح، ليس بالضم. وقوله: والبراءة الأصلية عن مخالطة النجاسة له مستصحبة. والمعنى: أصل مسمى الماء أنه خال من النجاسات ومخالطتها للبراءة الأصلية. وسيأتي معنا إن شاء الله ما يؤكد ذلك في المسائل الآتية. قال رحمه الله: قوله: لا يخرج عن الوصفين. أي عن وصف كونه طاهرًا، وعن وصف كونه مطهرًا. قوله: إلا ما غير ريحه أو لونه أو طعمه من النجاسات. والمعنى أن الأصل في الماء أنه طاهر في نفسه مطهر لغيره. فإذن إذا كان كذلك لا يخرج هذا الماء ما دام يسمى ماء عن هذين الوصفين، أي كونه طاهرًا في نفسه ومطهرًا لغيره، إلا ما غير ريحه أو لونه أو طعمه من النجاسات. وسيأتي معنا دليل ذلك، فإنه ورد حديث وإن كان في إسناده ضعف، لكن قام الإجماع على صحة معناه، قام الإجماع على صحة معناه. والمقصود أن الأصل في الماء أنه طاهر مطهر، وهو الطهور. ولكن قوله رحمه الله: إلا ما غير ريح أو لون وطعم من النجاسات. كلامه كلام صحيح إذا كان يتعلق بكونه مطهرًا. لأنه إذا خالط النجس فتغيرت أوصاف هذا الماء بهذه النجاسة، فهو ماء النجس لا يجوز التطهر به. لكن إذا كانت هذه النجاسة قليلة لم تغير لا ريح ولا لون ولا طعم، فلا يتأثر هذا الماء بهذه النجاسة اليسيرة كما سيأتي معنا إن شاء الله بيانه في المسائل الآتية. هذا أمر، والتنبيه الآخر وهو أنه قد يخالط الماء بعض الطاهرات وليس النجاسات فينزع منه اسم الماء. فإذا نزع اسم الماء فلا يصح التطهر به على القول الصحيح من أقوال أهل العلم كما سيأتي معنا إن شاء الله في المسائل الآتية. فعندنا مثلًا الماء إذا خالط الشاي صار شايًا، فإذا غلب الشاي نزع اسم الماء فصار ماذا؟ شايًا. أو خالطه كذلك أحد المعتصرات فنزع منه اسم الماء فلم يبق ماء، وإنما سمي ماذا؟ معتصرًا. ومثله الماء المقيد بما خلط به، كبعض العطور فإنها خلطت بالماء، ولكن لأنها خلطت وانتزع منها اسم الماء بالقيد الذي خالطها فلم تعد تسمى ماء. والصحيح من أقوال أهل العلم أن ما نزع منه اسم الماء فإنه لا يبقى ماء، فلا يصح التطهر به على القول الصحيح من أقوال أهل العلم. لأن اسم الماء قد نزع منه فلم يسمى ماء، وإنما أجاز الشرع الطهارة بالماء لا بغير الماء كما سيأتي معنا إن شاء الله بيانه في المسائل الآتية.