الدرس في دروس وعبر من مآسي المسلمين، خطبة الجمعة بمسجد التقوى 12 محرم 1430 هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الخطيب بالحمد والثناء على الله، ويشير إلى أهمية أخذ العبرة من المحن والفتن التي يمر بها المسلمون. يشدد على ضرورة التصحيح العلمي والعملي في مواجهة هذه المحن.
يتناول دروسًا من حديث نبوي حول طاعة النبي وعدم مخالفته، ويشير إلى سنة الله في الأمم. يؤكد على أهمية الرجوع إلى شرع الله ومرجعية العلماء العاملين.
يُنبه إلى أهمية التمسك بالثوابت الشرعية في مواجهة الفوضى، ويشدد على ضرورة نصرة إخوانهم المسلمين وإصلاح أنفسهم عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاقًا.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمد الله تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، روى الإمام أحمد في مسنده بإسناده عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، قال: حدثنا حسان بن عطية، عن أبي منيب الجرشي، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثت بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، بعثت بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم». تأملوا عباد الله هذا الحديث العظيم عن نبينا صلى الله عليه وسلم: «بعثت بين يدي الساعة...» عباد الله، إنما يمر بالناس من محن وبلايا وقضايا وفتن مدعات لأخذ الدروس والعبر والوقوف بوقفات صادقة تقتضي التصحيح وإعادة النظر في حياتنا الخاصة والعامة. عباد الله، كم مرت بنا من محن وقضايا لأقليات مسلمة في مشارق الأرض ومغاربها؟ كم مرت بنا من محن وقضايا لكثير من إخواننا المسلمين؟ فقضية البوسنة والهرسك ليست عنا ببعيد، وتلك الإبادات الجماعية التي كانت لإخواننا المسلمين المستضعفين بمرأى ومسمع من العالم بأجمعه. وليست قضية الشيشان وما جرى وما يجري فيها عنا ببعيد، ولا ما حصل لإخواننا في كشمير وفي بورما والفلبين، وهكذا مواضع كثيرة. كل هذه القضايا عباد الله تستدعي العظة والذكرى وأخذ الدروس والعبر والتصحيح الحقيقي العلمي والعملي المقتضي لإيجاد واقع غير الواقع الذي يعيش عليه الناس اليوم. أول هذه الدروس عباد الله ما في هذا الحديث العظيم، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الذل والصغار جعل على من خالف أمره عليه الصلاة والسلام، ومن خرج عن شريعته ودينه. وهذه سنة الله جل وعلا في الأمم في هذه الأرض. ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾. هكذا عباد الله، هذه سنة الله في الأفراد والجماعات وفي الحكام والمحكومين. إن الله سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل، كما قال جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. عباد الله، جعل للناس من الآيات الشرعية والآيات الكونية الواقعية التي يرونها بأعينهم ويعاشرونها ويحضرونها بأجسادهم وحياتهم، وما يمر في تاريخهم ما هو مدعاة لتأكيد ما يجب على هذا المسلم على وجه الخصوص والإنسان عمومًا من الرجوع إلى أمر الله جل وعلا وشرعه. إن هذه الحقيقة لا بد أن ترسخ في قلوبنا، وأن يكون لها أثر من تصحيح الكثير من الأخطاء والكثير من الانحرافات على مستوى الأفراد والجماعات وعلى مستوى الشعوب والدول. ومن الدروس والعبر عباد الله أن يفيق العالم بأجمعه بتلك الدعاوى والمدعيات التي تثار في وسائل الإعلام المتنوعة وفي المحافل العامة والخاصة، دعاوى العدالة وحقوق الإنسان، وتلك المنظمات الكاذبة المنثورة في هذا العالم التي تبرهن هذه القضايا بتكرارها وترددها وتجددها أنها عبارة عن زور وكذب. عباد الله، إن من الدروس والعبر أن يعلم الناس أن مرجعيتهم في تفسير الأحداث وتقويمها وحلولها ووضع الشيء في مواضعه إنما هي للعلماء العاملين الراسخين من علماء الكتاب والسنة. عباد الله، ليستفيق أهل الإسلام جميعًا وليعلموا المرجعية الصحيحة التي ينبغي أن يرجع إليها. إن في ذلك درسًا آخر يتأكد للناس أجمعين أن هذه الوسائل، وسائل الإعلام المتنوعة مرئية أو مسموعة أو مكتوبة، كلها إنما تخدم أعداء هذا الدين. عباد الله، انظروا إلى تغيير الحقائق ولف مجريات القضايا كيف يكون بهذه الجرأة وهذا التصرف المهين. إن ذلك يستدعي عباد الله أن يعلم الناس جميعًا موضع الثقة التي ينبغي أن تكون، وهكذا مواضع الأخبار الصحيحة. عباد الله، إن مصداقية ما حذر الله منه في الآيات الكثيرة كقوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْ،﴾. نعم عباد الله، إن مصداقية هذه الآيات والأحاديث الكثيرة من نظائر هذا المعنى يتحقق في الرؤية الصادقة في مثل هذه القضية ونظائرها. عباد الله، إن من الدروس والعبر أن يفيق أهل الإسلام من تلك الغفلة التي يمرون بها تجاه ما يحصل لإخوانهم في مشارق الأرض ومغاربها. نعم عباد الله، تضيق صدور أناس بما يصدر من العلماء الراسخين مما فيه الواجب الشرعي تجاه الكفر والكافرين. هذا أوان معرفة حقيقة ما يحذر منه العلماء. نعم عباد الله، إن الكافرين بجميع طوائفهم هم متمالئون على ضرب الإسلام وأهله. فينبغي أن يستفيق أهل الإسلام وأن يرجعوا إلى ما يجب الرجوع إليه من تلك الثوابت الشرعية في كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. عباد الله، إن من الدروس والعبر حقيقة فقه الواقع الذي يدعيه أولئك الحزبيون الحركيون الثوريون. كم ادعوا أنهم يفقهون الواقع، وكم ادعوا أنهم أهل السياسة والحنكة، وفي المقابل كم صدرت منهم من تنازلات ومداهنات بقضايا العقيدة والإيمان والتوحيد. نعم عباد الله، لنعلم أن فوقهم الواقع حقيقة هم علماء أهل السنة والجماعة الذين هم ثابتون على دين الله جل وعلا، يميزون بين الصادق والكاذب وبين المؤمن والفاجر وبين المشرك والموحد. عباد الله، إنما يجري في هذا العالم فوضى كثيرة من أناس ينتسبون إلى الإسلام أو قل إلى العلم، فضلًا عن آخرين من طبقات متنوعة في هذا المجتمع، كل يهرف بما لا يعرف ويتكلم بما لا يحسن. فلا تكن أخي المسلم عونًا لتلك الفوضى ولذلك الشر الذي يجري في المجتمع، وأرجع الأمور إلى ما ينبغي إرجاعها إليه مما علمت من تلك الثوابت الشرعية الأصيلة مما علمت من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأخيرًا، إن من الدروس والعبر عباد الله الواجب الشرعي على جميع أهل الإسلام كبيرهم وصغيرهم تجاه هذه القضايا من الصدق معها أولًا فيما يجب إرجاعها إليه، وهكذا من الصدق مع الله جل وعلا ومع عباد الله المصطفين فيه من نصرتهم النصرة الشرعية الحقيقية العادلة. نعم عباد الله، إن دين الله جل وعلا بين الغالي والجافي. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا رشدنا وأن يرينا الحق حقًا يرزقنا اتباعه. اللهم انصر إخواننا في فلسطين، اللهم انصر إخواننا في فلسطين وفي كل بلاد المسلمين يا رب العالمين. اللهم انصرهم بنصرك وأيدهم بتأييدك، وأنزل عليهم يا رب العالمين عونك ومددك. اللهم عليك باليهود الكافرين ومن شايعهم وناصرهم يا رب العالمين. اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك. اللهم انزل العذاب من فوق رؤوسهم وزلزل الأرض من تحت أقدامهم واجعل بأسهم بينهم يا رب العالمين. اللهم اجعل الدائرة عليهم، اللهم اجعل تدبيرهم تدبيرًا عليهم يا رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. أما بعد، عباد الله، بعد إذ سمعنا ما سمعنا، فينبغي علينا أن نحقق الواجب الشرعي الذي أوجبه الله عز وجل على كل مسلم في مثل هذا المقام. عباد الله، به نعلم أن الحق لا يعرف بكثرة دعاته ولا بما يروج له، ولكن الحق يعرف في القضايا العامة والخاصة بصحة دليله وبرهانه دليله الشرعي أولًا. فلنقم بهذا الواجب عباد الله كل بحسب استطاعته من إصلاح عقيدتنا، فإنها أول أسباب النصر. وإصلاح عباداتنا ومعاملاتنا وأخلاقنا وسلوكنا. نسأل الله جل وعلا عباد الله أن يردنا إلى الحق ردا جميلا، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه. آمين.