الدرس في التعليق على القصيدة الهائية 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ أبيات القصيدة الهائية التي تتحدث عن يوم القيامة وأحوال الناس فيه، وكيفية أخذ الكتاب إما باليمين أو بالشمال حسب الأعمال. كما يُبيّن جزاء النفس الصالحة والفاسدة يوم القيامة.
يصف المقطع نعيم الجنة وأهلها، ويشير إلى عظمة النظر إلى وجه الله تعالى، ويشدد على أن وصف الجنة لا يمكن أن يبلغه الواصفون. ما فيها لم تره عين ولم تسمع به أذن.
يذكر أن علماء أهل السنة والجماعة اتفقوا على عدم جواز المظاهرات والاعتصامات لأنها تسبب الشر والفتن وتفتح الباب للأعداء. بعض السياسيين يستغلون هذه الأحداث لتحقيق أهداف بعيدة عن العامة.
يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم هذه المادة: تعليقات على القصيدة الهائية في الترغيب والترهيب للعلامة حافظ بن أحمد الحكمي، أرحمه الله تعالى، لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الرابع. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، تتمة لنظم الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي، رحمه الله تعالى رحمة واسعة، في منظومته الهائية في ترغيب وترهيب، والتي ذكر فيها ما ينبغي من عدم الاغترار بالدنيا والافتتان بها. قال رحمه الله تعالى: وَيَوْمَ تُوفَى كُلُّ نَفْسٍ بِكَسْبِهَا تَوَدُّ فِدَاءً لَوْ بِنِهَا وَمَالِهَا وهذا مر معنا، قال: وَتَأْخُذُ إِمَّا بِيَمِينٍ كِتَابَهَا إِذَا أَحْسَنَتْ أَوْ ضِدَّ ذَا بِشِمَالِهَا وَيَبْدُو لَدَيْهَا مَا أَسَرَّتْ أَعْلَنَتْ وَمَا قَدَّمَتْ مِنْ قَوْلِهَا وَفِعَالِهَا بِأَيْدِي الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ مُصْطَفِرٌ فَلَمْ يُغْنِ، عَنْهَا عُذْرُهَا وَجِدَالُهَا هُنَاكَ تَدْرِي رِبْحَهَا وَخُسَارَهَا وَإِذْ ذَاكَ تُلْقَى مَا إِلَيْهِ مَآلُهَا فَإِنْ تَكُ مِنْ أَهْلِ السَعَادَةِ وَالثُّقَى فَإِنَّ لَهَا الْحُسْنَى بِحُسْنِ فِعَالِهَا تَفُوزُ بِجَنَّاتِ النَعِيمِ وَحُورِهَا وَتُحْبَرُ فِي رَوْضَاتِهَا وَظِلَالِهَا وَتُرْزَقُ مِمَّا تَشْتَهِي مِنْ نَعِيمِهَا وَتَشْرَبُ مِنْ تَسْنِيمِهَا وَزُلَالِهَا هكذا استرسل رحمه الله تعالى في ذكر صفات الناس مع هذه الدنيا وأحوالهم معها. فيقول رحمه الله تعالى: وَتَأْخُذُ إِمَّا بِيَمِينٍ كِتَابَهَا يَعْنِي النَفْسَ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ: وَيَوْمَ تُوفى كُلُّ نَفْسٍ بِكَسْبِهَا فَهَذِهِ النَفْسُ إِمَّا أَنْ تَأْخُذَ الْكِتَابَ بِالْيَمِينِ إِذَا أَحْسَنَتْ، أَوْ ضِدَّهُ أَيْ تَأْخُذَ الْكِتَابَ بِالشِمَالِ إِذَا أَسَاءَتْ. فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ وَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ وَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا عَسِيرًا وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَهُ... نَعَمْ، فَالنَّاسُ يَتَفَاوَتُونَ بِتَفَاوُتِ أَعْمَالِهِمْ، وَبِذَلِكَ يَتَفَاوَتُونَ فِي أَخْذِ كِتَابِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ اسْتَجْدَبَ -كَمَا أَشَارَ قَبْلُ بِالْأَبْيَاتِ السَّابِقَةِ- اسْتَجْدَبَ هَذِهِ الدُنْيَا وَبِتَنَتَهَا وَزُلَالَهَا، إِنْ كُلَّ عَلَيْهِ هَذَا الزُلَالَ وَهَذَا الاسْتِجْدَابَ، ثُمَّ نُقِيعًا فَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ مِمَّنْ يَأْخُذُ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ. أَوْ كَانَ مِمَّنْ وَفَقَهُ اللَّهُ فَحَذِرَهَا وَحَذِرَ مِنْهَا، فَيَكُونُ بِإِذْنِ اللَّهِ مِمَّنْ يَأْخُذُ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، وَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْإِحْسَانِ. وَقَوْلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَيَبْدُو لَدَيْهَا مَا أَسَرَّتْ أَعْلَنَتْ وَمَا قَدَّمَتْ مِنْ قَوْلِهَا وَفِعَالِهَا يَعْنِي يَبْدُو كَذَلِكَ لِهَذِهِ النَفْسِ مَا أَسَرَّتْ وَأَعْلَنَتْ فِي هَذِهِ الدُنْيَا، وَمَا قَدَّمَتْ وَمَا أَخَّرَتْ مِنْ قَوْلِهَا وَفِعَالِهَا، لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِمَّا كَانَ مِنْ الْعِبَادِ الشَيْءُ. وَلِذَلِكَ يَتَفَاجَأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نَسْأَلُ اللَّهَ السَلَامَةَ وَالْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ، فَيَقُولُ: مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا. الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ وَالسِرُّ وَالْعَلَنُ وَالْمُقَدَّمُ وَالْمُؤَخَّرُ وَالْقَوْلُ وَالْفِعْلُ كُلُّ ذَلِكَ يُحْصَى وَيُكْتَبُ وَيُحَاسَبُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، يُحَاسَبُ عَلَيْهِ النَفْسُ. فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَالْعَاقِلُ يَحْرِصُ عَلَى السَلَامَةِ لِأَنْ لَا يَغْتَرَّ بِزُخْرُفِ هَذِهِ الدُنْيَا بِمَا يَكُونُ عَلَيْهِ حَمْلًا وَثِقَلًا وَحُسْنَ عَاقِبَةٍ وَسُوءَ كَذَلِكَ نِهَايَةً بِمَا يَكُونُ مِنْ إِسَاءَتِهِ وَاغْتِرَارِهِ وَاسْتِجْدَابِهِ لِمَا لَا يَجُوزُ وَلَا يَحْسُنُ بِهِ. قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: بِأَيْدِي الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ مُصْطَفِرٌ فَلَمْ يُغْنِ عَنْهَا عُذْرُهَا وَجِدَالُهَا يَعْنِي هَذَا الَّذِي يُكْتَبُ تَكْتُبُهُ الْكِرَامُ الْكَاتِبُونَ، أَيْ الْمَلَائِكَةُ، وَيُصْطَفَرُ بِمَا لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ وَلَا الْإِفْرَارُ مِنْهُ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ عُذْرٌ وَلَا جِدَالٌ، بَلْ يُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، فَجَوَارِحُهُ تَنْطِقُ بِمَا كَانَ مِنْهَا، تَنْطِقُ بِمَا كَانَ مِنْهَا. وَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ فَتَنْطِقُ الْجُلُودُ وَالْجَوَارِحُ بِمَا يَكُونُ بِهِ سُوءُ عَاقِبَتِهَا فِي الدَارِ الْآخِرَةِ. قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: هُنَاكَ تَدْرِي رِبْحَهَا وَخُسَارَهَا وَإِذْ ذَاكَ تُلْقَى مَا إِلَيْهِ مَآلُهَا يَعْنِي فِي ذَاكَ الْوَقْتِ وَذَاكَ الْحِينِ تَدْرِي الرِّبْحَ مِنْ الْخَسَارَةِ، لَكِنْ مَتَى؟ حِينَ لَا يَنْفَعُ النَّدَمُ وَلَا يَنْفَعُ الْعِلْمُ وَالدِرَايَةُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وَقْتِ الْإِمْكَانِ وَالْعَمَلِ. وَإِذْ ذَاكَ تُلْقَى مَا إِلَيْهِ مَآلُهَا، يَعْنِي يُجَازَى بِحَسَبِ مَا يَقِلُّ إِلَيْهِ حَالُهُ، إِنْ أَحْسَنَ بِإِحْسَانٍ، وَإِنْ أَسَاءَ فَجَزَاءٌ وِفَاقًا بِمَا كَانَ مِنْهُ، نَسْأَلُ اللَّهَ السَلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ. قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فَإِنْ تَكُ مِنْ أَهْلِ السَعَادَةِ وَالثُّقَى فَإِنَّ لَهَا الْحُسْنَى بِحُسْنِ فِعَالِهَا يَعْنِي إِنْ كَانَتْ هَذِهِ النَفْسُ مِنْ أَهْلِ السَعَادَةِ وَالثُّقَى، فَإِنَّ لَهَا الْحُسْنَى بِحُسْنِ فِعَالِهَا، كَمَا مَرَّ مَعَنَا بِالْآيَاتِ الْكَثِيرَةِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَحَدِيثٍ كَثِيرٍ كَذَلِكَ فِي سُنَّةِ النَبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ. فَأَمَّا مَنْ اتَّقَى وَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَقَ بِالْحُسْنَى، مَاذَا؟ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى. وَالْعَكْسُ بِالْعَكْسِ، وَهَكَذَا كَذَلِكَ قَوْلُهُ: بِحُسْنِ فِعَالِهَا، يَعْنِي كُلَّمَا أَحْسَنَ أَحْسَنَ إِلَيْكَ، لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ. وَهَكَذَا فِي الْمُقَابِلِ، كُلَّمَا أَسَاءَ وَجَدَ عَدْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَعَهُ. وَلِهَذَا كَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَتَلَ الْأَنْبِيَاءَ وَعَذَبَ النَّاسَ فِي هَذِهِ الدُنْيَا، وَعَذَبَ النَّاسَ فِي هَذِهِ الدُنْيَا، فَهُوَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَهَكَذَا كَذَلِكَ كُلَّمَا كَانَتْ الْجَرِيمَةُ أَكْبَرَ كَانَتْ مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ أَسْرَعَ. وَلِهَذَا كَانَ أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِي مَاذَا؟ فِي الدِّمَاءِ، لِعِظَمِ أَمْرِ الدِّمَاءِ، لِعِظَمِ أَمْرِ الدِّمَاءِ. فَلَا يَظُنَّ النِّظَامُ الَّذِي يُسْتَرْخَصُ دِمَاءُ الْبَشَرِ بِغَيْرِ حَقٍّ أَنَّهُ يُفْلِتُ مِنْ قَبْضَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، بَلِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يُحَاسِبُهُ الْحِسَابَ الْعَسِيرَ، وَيَبْدَأُ بِأَمْثَالِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْحُقُوقِ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَقَوْلُ رَحِمَهُ اللَّهُ: تَفُوزُ بِجَنَّاتِ النَعِيمِ وَحُورِهَا وَتُحْبَرُ بِرَوْضَاتِهَا وَظِلَالِهَا يَعْنِي هَذِهِ النَفْسُ إِذَا كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْإِحْسَانِ وَحُسْنِ الْفِعَالِ -كَمَا أَشَارَ فِي الْبَيْتِ الَّذِي قَبْلَهُ- فَتَفُوزُ بِجَنَّاتِ النَعِيمِ وَحُورِ الْعَيْنِ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ فِي كِتَابِهِ، وَنَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسُنَّتِهِ. وَتُحْبَرُ فِي رَوْضَاتِهَا وَظِلَالِهَا، تُكْرَمُ وَيَكُونُ لَهَا مِنْ أَنْوَاعِ وَأَصْنَافِ النَعِيمِ مَا يَكُونُ بِهِ التَنَعُّمُ فِي هَذِهِ الرَوْضَاتِ وَالظِلَالِ فِي جَنَّاتِ النَعِيمِ. قَالَ: وَتُرْزَقُ مِمَّا تَشْتَهِي مِنْ نَعِيمِهَا وَتَشْرَبُ مِنْ تَسْنِيمِهَا وَزُلَالِهَا هَذَا كُلُّهُ بِمَا كَانَ مِنْ مَاذَا؟ مِنْ إِحْسَانِهِ فِي هَذِهِ الدُنْيَا، وَمِنْ إِعْمَارِهَا بِالْأَعْمَالِ الصَالِحَةِ، وَحِرْصِهِ عَلَى أَنْ لَا يُفَوِّتَ شَيْئًا. وَلِهَذَا صَحَّ عَنْ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلَاةُ وَالسَلَامُ أَنَّ النَّاسَ يَتَحَسَّرُونَ عَلَى اللَّحَظَاتِ الَّتِي تَمُرُّ عَلَيْهِمْ فِي الدُنْيَا وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِهَا، تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً وَنَدَامَةً. أَنْتَ إِذَا ذَكَرْتَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كُتِبَتْ لَكَ حَسَنَاتٌ، وَكُفِّرَ عَنْكَ سَيِّئَاتٌ، وَرُفِعَ لَكَ بِهَا دَرَجَاتٌ، وَرُبَّمَا غُرِسَتْ لَكَ بِهَا شَجَرَاتٌ فِي جَنَّةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَبُنِيَ لَكَ بِهَا قُصُورٌ وَدُورٌ، وَجُعِلَ لَكَ مِنْ حُورِ الْعَيْنِ وَمِنْ أَنْوَاعِ النَعِيمِ الْمُقِيمِ مَا تَتَحَسَّرُ أَنَّهُ فَاتَكَ الْكَثِيرُ فِي الدُنْيَا وَلَمْ تَسْتَغِلْهُ فِي عِمَارَةِ الْآخِرَةِ وَلَمْ تَسْتَغِلْهُ فِي عِمَارَةِ الْآخِرَةِ. فَهَذَا النَعِيمُ وَأَمْثَالُهُ كَثِيرٌ، هُوَ بِمَا كَانَ مِنْ عِمَارَةِ هَذِهِ الدُنْيَا بِطَاعَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَخُصُوصًا أَنَّ أَيَّامَهَا -كَمَا مَرَّ مَعَنَا- سَرِيعَانِ مَا تَنْقَضِي وَتَنْتَهِي، وَيُدَارُ مَمَرُّ لَا دَارَ مُسْتَقَرَّ. قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَتُرْزَقُ مِمَّا تَشْتَهِي مِنْ نَعِيمِهَا وَتَشْرَبُ مِنْ تَسْنِيمِهَا وَزُلَالِهَا وَإِنَّ لَهُمْ يَوْمَ الْمَزِيدِ لِمَوْعِدًا زِيَادَةً زُلَفًا غَيْرُهُمْ لَا يَنَالُهَا يَوْمَ الْمَزِيدِ، يَوْمَ يُكْرِمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عِبَادَهُ بِأَعْظَمِ نَعِيمٍ بَعْدَ رِضْوَانِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، هُوَ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِهِ جَلَّ وَعَلَا، لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ. فُسِّرَتِ الزِّيَادَةُ -كَمَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ- بِالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، فَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْإِكْرَامِ وَالْإِنْعَامِ الَّذِي يُكْرِمُ بِهِ أَهْلَ الْجَنَّةِ. قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وُجُوهٌ إِلَى وَجْهِ إِلَهِي نَوَاظِرٌ لَقَدْ طَالَ مَا بِالدَّمْعِ كَانَ ابْتِلَالُهَا وُجُوهٌ إِلَى وَجْهِ الْإِلَهِ نَوَاظِرٌ لَقَدْ طَالَ مَا بِالدَّمْعِ كَانَ ابْتِلَالُهَا ضَرَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مَثَلًا -وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى- إِذَا كَانَ لَكَ شَوْقٌ بِمَنْ تُحِبُّ، إِنْسَانٌ عَزِيزٌ لَهُ مَعَزَّةٌ عَظِيمَةٌ عِنْدَكَ، افْتَقَدْتَهُ زَمَنًا طَوِيلًا، وَبَعْدَ مُرُورِكَ بِصِعَابٍ كَثِيرَةٍ، رَأَيْتَ وَجْهَهُ بَعْدَ أَنْ نَجَوْتَ مِنْ أَعْظَمِ السَعَادَةِ، كَيْفَ تَكُونُ فَرَحَتُكَ؟ فَرَحَةٌ يَنْزِلُ مَعَهَا الدَّمْعُ لِمَا وُفِّقْتَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ. فَكَيْفَ بِاللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟ فَكَيْفَ بِاللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يُكْرِمُكَ بِرُؤْيَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَعْدَ أَنْ تَمُرَّ عَلَيْكَ تِلْكَ الْمَوَاقِفُ الصَعْبَةُ الَّتِي رَأَيْتَ النَّاسَ يَتَصَاقَفُونَ فِيهَا عَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ يَسَارِكَ؟ وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَوْقِفٌ عَصِيبٌ مَرَّ بِكَ فِي الْقَبْرِ، وَقَبْلَ ذَلِكَ فِي الدُنْيَا، وَمَوْقِفٌ عَصِيبٌ مَرَّ بِكَ فِي الْحَيَاةِ الْبَرْزَخِيَّةِ وَانْتِقَالِ رُوحِكَ، وَمَوْقِفٌ عَصِيبٌ مَرَّ بَعْدَ ذَلِكَ فِي مَرَاحِلِ النَّاسِ فِي الْيَوْمِ الْآخِرِ فِي حُقُوفِهِمْ فِي عَرَصَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالْعَرَقُ يَغْطِي النَّاسَ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ. وَهَكَذَا مَوْقِفٌ آخَرُ فِي الْمُحَاسَبَةِ وَالْقُدُومِ عَلَى الْمَوَازِينِ، فَالْقُلُوبُ تَرْتَجِفُ، وَكَذَلِكَ النَّاسُ فِي خَوْفٍ شَدِيدٍ، فَتُوزَنُ الْأَعْمَالُ وَتُوزَنُ الْأَجْسَادُ. ثُمَّ مَوْقِفٌ آخَرُ فِي الْمُرُورِ عَلَى الصِّرَاطِ وَأَهْوَالِهِ، فَيَنْجُو مَنْ يَنْجُو وَيَسْقُطُ مَنْ يَسْقُطُ، حَتَّى لَا يَدْرِيَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَنَّهُ يُسَلِّمُ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَوْ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ. فَيَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ دَفْعَةً دَفْعَةً وَزُمَرًا زُمَرًا وَطَوَائِفَ طَوَائِفَ، كُلَّمَا دَخَلَ الدَفْعَةَ رَجَاءُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ، حَتَّى يَدْخُلَ جَنَّةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَبَعْدَ أَنْ يُوَفِّقَكَ اللَّهُ وَهُوَ يَتَنَقَّلُ بَيْنَ تِلْكَ الْمَرَاحِلِ، فَيَرَى أَهْلَ الْجَنَّةِ دَخَلُوا الْجَنَّةَ، وَأَهْلَ النَّارِ دَخَلُوا النَّارَ، وَتَصِلُهُ صُرَخَاتُ أَهْلِ النَّارِ، وَيَصِلُهُ حَسَرَاتُ أَهْلِ النَّارِ، وَيَقَعُ بِقَلْبِهِ مَا يَقَعُ مِنْ الْحُزْنِ عَلَى مَنْ يُحِبُّ، وَالشَوْقِ لِمَنْ افْتَقَدَ. بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ يُكْرِمُهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ الْكَرِيمِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَصَدَقَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: وُجُوهٌ إِلَى وَجْهِ الْإِلَهِ نَوَاظِرٌ لَقَدْ طَالَ مَا بِالدَّمْعِ كَانَ ابْتِلَالُهَا تُجَلْجِلُ لَهُ الرَّبُّ الرَّحِيمُ مُسَلِّمًا فَيَزْدَادُ مِنْ ذَاكَ التَجْلِيلِ جَمَالُهَا كَمَا صَحَّ عَنْ النَبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ يَرْجِعُونَ إِلَى أَزْوَاجِهِمْ وَقَدْ ازْدَادُوا جَمَالًا وَبَهَاءً، فَيَسْأَلُونَهُمْ فَيُخْبِرُونَهُمْ أَنَّهُمْ رَأَوْا الرَّبَّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: بِمَقْعَدِ صِدْقٍ حَبَذَا الْجَارُ رَبُّهُمْ وَدَارُ خُلُودٍ وَدَارُ خُلُودٍ لَمْ يَخَفُوا زَوَالَهَا فَوَاكِهُهَا مِمَّا تَلَذُّ عُيُونُهُمْ فَوَاكِهُهَا مِمَّا تَلَذُّ عُيُونُهُمْ وَتَطْلُبُ الْأَنْهَارُ بَيْنَ خِلَالِهَا عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ ثُمَّ فِرَاشُهُمْ -كَمَا قَالَ فِيهَا رَبُّنَا وَاصِفًا لَهَا- فَطَائِمُهَا اسْتَبْرَقٌ، كَيْفَ ظَنُّكُمْ بِظَوَاهِرِهَا؟ لَا مُنْتَهَى لِجَمَالِهَا. وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى -يَعْنِي النَّارَ- فَوَيْلٌ وَحَسْرَةٌ وَنَارُ جَحِيمٍ مَا أَشَدُّ مَكَالِهَا. هَذِهِ بَعْضُ مَا يُكْرِمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ أَهْلَ جَنَّتِهِ، وَمَا يَكُونُ لِأَهْلِ كَرَامَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْجَنَّةِ، مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ -كَمَا صَحَّ عَنْ النَبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. فَمَهْمَا وَصَفَ الْوَاصِفُونَ وَحَدَّثَ عَنْهَا الْمُحَدِّثُونَ، وَمَا جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَفِي سُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ الْكَثِيرِ، إِلَّا أَنَّهُ كُلُّ ذَلِكَ لَا يَصِفُ حَقِيقَةَ مَا فِي هَذِهِ الْجَنَّةِ. وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ الصَلَاةُ وَالسَلَامُ: إِنَّ فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. طَيِّبٌ، نَقِفُ عِنْدَ هَذَا الْقَدْرِ إِلَى هُنَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا، طَيِّبٌ، إِذَنْ نَأْخُذُ مَا تَيَسَّرَ مِنْ أَسْئِلَةٍ. يَقُولُ قَوْلُ الْقَائِلِ: ارْتَوَيْنَا بِالْقُرْآنِ، هَلْ هَذَا مِنْ وَصْفِ الْقُرْآنِ بِأَنَّهُ مُخْلَقٌ؟ لَا، لَيْسَ يَلْزَمُ أَنَّهُ وَصْفٌ لِلْقُرْآنِ بِأَنَّهُ مُخْلَقٌ؛ لِأَنَّ الرِّيَّ رِيٌ حِسِّيٌّ وَرِيٌّ مَعْنَوِيٌّ، رِيٌّ حِسِّيٌّ وَرِيٌّ مَعْنَوِيٌّ. وَلَكِنْ إِذَا كَانَ مِثْلُ هَذَا يَشَكِّلُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ، فَيُتْرَكُ وَيُسْتَخْدَمُ غَيْرُهُ مِمَّا يُبْعِدُ الْإِشْكَالَ، مِمَّا يُبْعِدُ الْإِشْكَالَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. نَعَمْ. إِذَا أَحَدُهُمْ يُرِيدُكُمْ، وَاللَّهُ نَعَمْ، فَضِّلُوا حَتَّى يَأْتِيَ وَقْتُ قِيَامِ الصَّلَاةِ، وَإِذَا بَقِيَتْ أَسْئِلَةٌ فَضِّلُوهَا. نَعَمْ، طَيِّبٌ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ نَحْفَظُ لِلْإِخْوَةِ الْكِتَابَةَ السُّؤَالِ، وَلَكِنَّ هَذَا سُؤَالٌ مُهِمٌّ. حَتَّى مَا ذِي إِذَا تَأْتِي إِلَى سُئِلَةٍ أَقُولُ: السُّؤَالُ عَنْ مَا يُسَمَّى بِالْإِضْرَابِ أَوِ الْعِصْيَانِ الْمَدَنِيِّ، الْعِصْيَانِ الْمَدَنِيِّ. تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ -عُلَمَاءُ السُّنَّةِ- عَلَى هَذِهِ الْأَفْعَالِ أَنَّهَا مِنْ الْأَفْعَالِ الْمُحْدَثَةِ الَّتِي دَخَلَتْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْكَافِرِينَ، وَأَنَّهَا تُسْتَخْدَمُ كَثِيرًا فِي إِثَارَةِ الْفِتَنِ وَالْقَلَاقِلِ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ. وَهِيَ مَفَاتِيحُ شَرٍّ وَمَنَابِعُ فِتَنٍ تَبْتَدِئُ -كَمَا يَزْعُمُونَ- بِالسِلْمِيَةِ، فَتَنْتَهِي بِالْفَوْضَوِيَةِ وَالْمُشَاغَبَاتِ وَالتَدْمِيرِ، رُبَّمَا يَنْتَهِي إِلَى مَا عَلَيْهِ حَالُ الْكَثِيرِ مِنَ الدُّوَلِ الْيَوْمِ، وَمِنْهَا بِلَادُنَا، حَالُ بِلَادِنَا مِنْ أَثَرِ هَذِهِ الثَوْرَاتِ. هَذِهِ الثَوْرَاتِ الَّتِي بَدَأَتْ بِمَاذَا؟ بِاعْتِصَامَاتٍ وَعِصْيَانٍ سِلْمِيٍّ مَدَنِيٍّ -كَمَا يَقُولُونَ وَيَزْعُمُونَ-. وَقَالَ -لَعَلَّكُمْ تَذْكُرُونَ- أَنَّهُ شَارَكَ حَتَّى بَعْضُ الْمُهَيِّجِينَ مِنْ غَيْرِ الْيَمَنِ، وَهُوَ يَفْتَخِرُ وَيُسَجِّلُ وَيَمْشِي بِصَدْرِهِ وَيَقُولُ: مَنْ يُنْكِرُ عَلَيْنَا فِعْلَنَا هَذَا؟ إِنَّمَا هَذِهِ مَظَاهِرَةٌ سِلْمِيَةٌ، وَهَذِهِ عِبَارَةٌ عَنْ احْتِجَاجٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. هَلِ انْتَهَتْ وَوَقَفَتْ عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ؟ الْجَوَابُ: لَا، ابْتَدَأَتْ بِمَا يُسَمَّى بِهَذِهِ الْمُسَمَّيَاتِ، ثُمَّ انْتَهَتْ إِلَى هَذِهِ الْفِتَنِ: سَفْكِ الدِّمَاءِ، وَذَهَابِ الْأَمْنِ وَالْأَمَانِ، وَحُصُولِ الْفَوْضَى، وَإِشْعَالِ الْقَتْلِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَدُوقُ مَرَارَتَهُ هَذِهِ الدُّوَلُ الَّتِي ابْتُلِيَتْ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ. قَوْلُ الْعُلَمَاءِ -أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ- وَاحِدَةٌ: لَا يَجُوزُ فِعْلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ؛ لِأَنَّهَا مَنَابِعُ شَرٍّ وَفِتَنٍ، وَسَبَبٌ لِتَصَيُّدِ أَعْدَاءِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ وَمَنْ يَتَرَبَّصُ الْفِتَنَ بِالْبَلَدِ الْمُسْلِمِ أَنْ تَفْتَحَ هَذِهِ الْيَنَابِعُ الْهَلَعُ مِنْ خِلَالِ هَذِهِ الْاعْتِصَامَاتِ وَالْمَظَاهَرَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأُمُورِ الْأُخْرَى. بَلْ بَعْضُ السِيَاسِيِّينَ لَهُمْ أَغْرَاضٌ بَعِيدَةٌ لَا يَدْرِكُهَا الْكَثِيرُ مِنَ الْبُسَطَاءِ الَّذِينَ يُهَيَّجُونَ وَيَكُونُونَ كَأَمْثَالِ الْأَبُوَاقِ، اسْتَغَلُّوا رِعَايَةَ النَّاسِ فِي إِثَارَةِ الْفِتَنِ فِي مُغَالَبَاتٍ بَيْنَ أَحْزَابٍ سِيَاسِيَّةٍ وَمُكَوَّنَاتٍ حِزْبِيَّةٍ، يَتَسَلَّطُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِتَهْيِيجِ هَؤُلَاءِ الرِّعَايَةِ فِي الْمُج