الدرس في كتاب الحج 8، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الدرس بتوضيح مسائل فقهية متعلقة بطواف الحج والعمرة، مع التركيز على تقبيل الحجر الأسود واستلام الركن اليماني كأفعال تعبدية. يبين أهمية الإخلاص في العبادة وعدم الإضرار بالآخرين أثناء أداء الطواف.
يشرح كيفية استلام الحجر الأسود وتقبيله أثناء الطواف، مبينًا وجود أربع كيفيات لذلك، مع التشديد على أهمية الإخلاص وعدم الإضرار بالآخرين، مستندًا إلى أحاديث نبوية صحيحة.
يتناول أحكام الطواف في الحج والعمرة، مثل استلام الركن اليماني وعدد الطوافات للقارن، واشتراط الطهارة أثناء الطواف، مع ذكر آراء العلماء والاستثناءات في حالات الضرورة.
يذكر أن الحجر الأسود من الجنة وقد أثرت ذنوب بني آدم في سواده، ويختم بالصلاة على النبي محمد عليه الصلاة والسلام، مما يعزز فهم أهمية هذا الرمز الديني.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، بنشكر أولاً أخانا فضيلة الشيخ الدكتور عبد الرحمن بن غازي حفظه الله تعالى على هذه المشاركة وهذا الدرس المبارك. نسأل الله عز وجل أن يجزيه خير الجزاء، وأن ينفعنا وإياكم وسامعينا بما نسمع ونجعله في ميزان حسناته. وهكذا ينبغي أن يكون أهل السنة متعاونين، متكاثفين، متناصرين بالخير والحق والهدى، والتعاون بتبليغ العلم، وكذلك بصالِح الأعمال، كل بحسبه وبما يتيسر له. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يستعملنا جميعًا في أبواب طاعته ومرضاته، ونجعلنا وإياكم السامعين أبواب خير ورحمة وبركة لهذه الأمة ولأنفسنا ولإخواننا مجتمعاتنا. مرة معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله من مسائل في صفة طواف القدوم، وقد علمنا أن طواف القدوم يختلف عن غيره بعدة أمور. من يذكر بعض هذه الأمور؟ نعم، فضل الرمل. نعم، أو الخبب، كلاهما واحد. نعم، تسوية رداء، أي شيء يسمى؟ كيفية وضع الرداء على الكتف. نعم، حسن كيفية، لا يستر الأيمن، لا عكس، عكس يكشف الأيمن ويستر الأيسر. ها، يكشف الأيمن ويستر الأيسر. نعم، الثالث، الثالث، أحد في الخلف. ها، الثالث، عندك أن يكون محرمًا. نعم، أن يكون بإحرام. ومر معنا من المسائل كذلك أن الرمل والخبب نوع من ماذا؟ من المشي أو من الجري؟ ها؟ عندك، الشابة، هذا عندك. أيها صعب، الساعة اللي جاء وراك يمينك. عندك، نعم، مشي ولا جري؟ مشي، مشي، مشي سريع. أحسن، المشي السريع يسمى خبب، ووصفه أن يتقارب بالخطى مع سرعتها، يتقارب بالخطى مع سرعتها. وكذلك مر معنا من المسائل ما ذكره المؤلف ورحمه الله تعالى من حكم هذا الرمل والاتباع، وهل هو خاص بحال وجود المشركين وزمانهم أم أنه عام مع الدليل؟ ها؟ أحد هنا والخلف. ها؟ عام أو خاص؟ فضلًا لاستمرار النبي صلى الله عليه وسلم على فعله. الدليل، نعم، حديث ابن عمر بالصحيحين أنه فعله في الحج والعمرة، وهذا دل أنه استمر عليه عليه الصلاة والسلام حتى بعد عام الفتح، حتى بعد عام الفتح. ولهذا قال عمر رضي الله عنه: إنه كان من سنة النبي صلى الله عليه وسلم. أخذنا تقبيل الحجر أم لا؟ أول يوم، اليوم، تقبيل الحجر الأسود. طيب، قال المؤلف رحمه الله تعالى: تقبيل الحجر أم لا؟ تقبيل الحجر الأسود. ففي الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يقبل الحجر ويقول: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك. ناقص هنا عن عمر، من حديث عمر، عن ابن عمر، عن عمر. عندكم ماذا؟ ابن عمر ولا عمر؟ أيهما هو الصواب؟ عمر، ابن عمر، عن عمر، في الصحيحين من حديث عمر. في بعض النسخ: ابن عمر. صوابه عمر. عندكم ابن عمر صح؟ صوابه عمر، القائل هو عمر رضي الله عنه. وفي هذا الأثر عن عمر رضي الله عنه وارضاه أولًا: استحباب تقبيل الحجر الأسود اقتداءًا بالنبي صلى الله عليه وسلم. وثانيًا: أنه سنة ماضية إلى قيام الساعة. وثالثًا: أن تقبيل الحجر لا لأجل الحجر، ولكن لأجل التعبد لله عز وجل بهذه العبادة. كما أن الطواف بالبيت ليس لأجل البيت، ولكن التعبد لله عز وجل. كما أن الصلاة في المساجد ليس لذات المساجد، ولكن التعبد لله عز وجل. ومن لم يفهم هذا المقصد ظن أن المسلمين عندهم وثنية حتى يقول بعض الملحدين أن المسلمين عندهم وثنية بالصندوق الأسود. انظر على استهزاء وسخرية، عاملهم الله بما يستحقون. وهذا كثير بتبكير الملحدين. وهذا ليس بصحيح، فلا أحد من المسلمين الذين عرفوا الإسلام الصحيح يرجو خيرًا أو يدفع شرًا بالبيت ولا بالحجر الأسود. إنما يدعون الله سبحانه وتعالى. فالبيت محل اجتماع المسلمين، وقبلتهم، وطوافهم، جعله الله عز وجل سببًا للاجتماع على عبادته وطاعته، لم يقصد لذاته أبدًا. لم يقصد لذاته أبدًا. فلو وعد إنسان آخر في مكان أو وعد جماعة من الناس في مكان، فهل يعني أنهم يرجون خيرًا في هذا المكان ويدفعون شرًا؟ لا، إنما ينظر بحسب المصلحة. فاجتماع المسلمين بالطواف حول الكعبة وبتقبيل الحجر طاعةً لله عز وجل، وابتداءً بأنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام. وإلا فهم على يقين أنه حجر لا يضر ولا ينفع، وإنما هم يتعبدون لله عز وجل بما ابتلاهم الله عز وجل به أمرًا ونهيًا. الله عز وجل يبتلي أمرًا ويبتلي نهيًا، فنهى آدم عن الشجرة، وأمر كذلك بالطواف بالبيت، فيطاع فيما أمر ويطاع فيما نهى سبحانه وتعالى. وهذه كيفية أنه من كيفيات تقبيل الحجر أن يقبل مباشرة كما في هذا الحديث عن عمر، لأن عمر يرويه عن من؟ عن النبي صلى الله عليه وسلم. وستأتي معنا كيفيات أخرى، فإن هذا من كيفياته. والموضع الوحيد الذي يقبل هو الحجر الأسود، فلا يقبل الركن اليماني ولا يقبل أي ركن من أركان البيت. لا يقبل أي ركن من أركان البيت. وكذلك التقبيل يكون في أول الطواف، لا في آخره. وكذلك التقبيل خاص بهذا الموضع، ولا يستلم إلا الركن اليماني، وبقية الأركان لا تستلم ولا تقبل كما سيأتي. وينفي في هذا الحديث كذلك أن يكون هناك اعتقاد مع هذا التقبيل حتى لا تكون هناك وثنية وشيء من الاعتقاد الشركي. قال: وأخرج أحمد وابن ماجة والترمذي وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يأتي هذا الحجر يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد لمن استلمه بحق». قال: وفي الباب أحاديث يعني بهذا المعنى، والحديث الصحيح بمجموع طرقه. وقد روي من طرق حسنة يرتقي بها إلى الصحة. وجاء في رواية من هذه الروايات: «يشهد لمن استلمه بالتوحيد لمن استلمه بالتوحيد». وهذه الرواية جاءت من طريق أبي هارون العبدي، فيه كلام أو فيه ضعف، لكن لها طرق يشد بعضها بعضًا، فترتقي إلى الحسن أو الصحة. فيكون المعنى أولًا: استلامه بحق على وجه السنة. وكذلك أن لا يكون فيه أذية لأحد كما سيأتي معنا إن شاء الله. والثاني وهو الأهم: أن يكون تعبدًا لله خالصًا ليس فيه شائبة رياء ولا سمعة ولا شرك. لأن من الناس من يقبل الحجر ليقول أنه ماذا؟ قبلت الحجر، وربما يأخذ سيلفي وهو يقبل الحجر، أبطل بهذا العبادة على نفسه عبادته. ها، فمن فعل مثل هذا هل قبله بحق؟ ما قبله بحق. تقبيله بحق أن يكون خالصًا لله، وافقًا لسنة، هذا هو التقبيل بحق. ولهذا جاء في بعض الروايات: «من استلمه بالتوحيد بالتوحيد»، أي الإخلاص، فلا شائبة رياء ولا عجب ولا سمعة ولا وثنية ولا شرك. ومن اعتقد أنه يضر أو ينفع، فهذا أشد وأشد، فقد وقع في الوثنية والشرك. وهكذا موافقة سنة النبي صلى الله عليه وسلم في التقبيل، يعني تتعبد الله حتى في كيفية التقبيل، تقبل مرة واحدة. ها، تفعل مثل العوام أول ما يستلم الحجر الله أكبر، كأنه فتح غزوة، وبعدها ليس مرة يقبل، يقبل يلحس حتى ما يخرج رأسه إلا بشد من العسكرين، يعني ما بقي إلا يلصق رأسه بالحجر. هل هذا من السنة؟ ليس من السنة. ما قبل الحجر بحق، تقبيل بحق، عبادة قبل توكر على الله. ومثل تقبل إذا لا يوجد زحام ولا يؤذي ذلك الناس وقت الزحام، يكفي أن تستلم بيدك إن استطعت. إن كان الزحام أشد فتشير بيدك، وإن استطعت ويوجد معك شيء محجن أو عود، فبالعود وتقبل طرف العود أو طرف المحجن كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي معنا. فاستلام الحجر له أربع كيفيات: الكيفية الأولى التقبيل المباشر مرة واحدة، ليس مليون مرة، مرة واحدة في الطواف الواحد، مرة واحدة. وليس به لحس ولا وضع الجبهة ولا تمسيح الدقن ولا تمسيح الخدين، كل هذا من البدع والمحدثات، ليس من سنة النبي صلى الله عليه وسلم. ولا مسح العمامة، بعض المدخل العمامة إذا كان غير محرم أو طرف الإزارة والرداء، كل هذا من البدع والمحدثات، تقبل فقط. أو إذا لم تستطع أن تقبل وعندك شيء تستطيع أن تلمسه مثلًا، ناس مزدحمين وأنت معك عصا، تمشي عليها تدخل العصا إلى الحجر وتمس الحجر وتقبل طرف العصا وتمشي. هذه الكيفية الثانية. الكيفية الثالثة أنك بالمسك تستلم بيدك، إن قبلت فهذه كيفية، تبع العصا. إن لم تقبل كذلك تستلم وتمشي. الكيفية الرابعة أنك تشير بيدك، تشير بيدك وتمشي. ويسن عند الإشارة والتقبيل في أول شوط تقول: «بسم الله الله أكبر». وفي بقية الأشواط فقط «الله أكبر» دون «بسم الله». وللأسف يخطئ الكثير من العامة في هذا الموضع فيقولون: «بسم الله الله أكبر» في كل طواف، في كل شوط، وهذا خطأ، خلاف السنة، خلاف السنة. قال رحمه الله تعالى: «إن تيسر كله نعم». نعم، كل أنواع الطواف إن تيسر ولم يشق على الناس. قال رحمه الله تعالى: في الباب أحاديث. وفي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس قال: «طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على بعير، يستلم الركن بمحجن، يستلم الركن بمحجن»، يعني يضع المحجن ويمشي بدون تقبيل، هذه كيفية من الكيفيات. طيب، وفي رواية مسلم عن أبي الطفيل أنه كان يقبل المحجن، يستلم المحجن ويقبل طرفه. وهذه الكيفية الثانية كما مر معنا. قال: وأخرج نحو مسلم من حديث أبي الطفيل، وزاد: «ويقبل المحجن»، هذا الذي ذكرناه بالقليل. قال: وأخرج أحمد من حديث عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «يا عمر، إنك رجل قوي، لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف، إن وجدت خلوة فاستلمه، وإلا فاستقبله وهلل وكبر». وفي إسناده مجهول، ولكن الحديث له طرق يرتقي بها إلى الحسن، فالصحيح أن الحديث حسن. وقد حسنه الشيخ الألباني رحمه الله، وجماعة من أهل العلم. ومعنىه صحيح، والمعنى أن الإنسان القوي ينبغي أن يرفق بالضعفاء، فلا ينبغي أن يستخدم قوته في الوصول إلى ما فيه أذية الضعفاء، لا في الطواف ولا في تقبيل الحجر أو استلامه، ولا في الرمي ولا في السعي، ولا في أي موضع من مواضع الحج والعمرة. فينبغي أن ينتبه لهذا، ويخطئ بعض الناس يستخدمون القوة أو الجماعة، بعض الناس يمشون أفواجًا، جماعات، بعض الأفارقة كأنهم داخلين في جهاد، خلاص يلتحمون اللحمة واحدة، وإذا جاءوا فابتعدوا وقلوا: «اللهم سلم سلم»، وعسى أنك تسلم. وهكذا بعض الدول كذلك عندهم يعني نوع من الاستعمال الشدة في المناسك، وهذا خطأ، خلاف السنة. وينبغي أن يحرص المعلمون والمرشدون والمرشدون للحجاج على تنبيه الحجيج على مثل هذا الخطأ. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال لعمر: «إنك رجل قوي، لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف». وهكذا كذلك أرشد إلى أدب آخر، وهو أن استلام الحجر أو تقبيله إنما يكون إذا وجد خلوة، فإذا لم يجد خلوة فلا يدخل نفسه بالزحام، يعني مجرد وجود الزحام صارف لك، لا تحاول أنك تصد إلى الحجر ما دام أن هناك زحام وليس هناك خلوة. فإذا كان هناك خلوة أو فرجة تفضل، لم يكن هناك خلوة ولا فرجة، ابتعد. لو فعل كل الناس هذا الأدب، هل سيكون هذا القتال الذي نراه؟ لن يكون هذا القتال الذي نراه. لكن هذا القتال والازدحام على الحجر بسبب الجهل بهذه السنة وعدم العمل بها. وهكذا كذلك ثالثًا: إذا لم يجد هذه الخلوة، فينتقل إلى آخر كيفيات استلام الحجر، وهو ماذا؟ الإشارة، خلاص، آخر شيء الإشارة، تشير وتهلل وتكبر وتمشي. قال رحمه الله تعالى: استلام الركن اليماني. قال: وأخرج أحمد والنسائي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن مسح الركن اليماني والركن الأسود يحط الخطايا حطًا». وفي إسناده عطاء بن السائب، ولكن كما أشار في التعليق وأشار غير واحد أن رواية عطاء في هذا الحديث من طريق سفيان الثوري، وقد سمع منه قبل الاختلاط، فلا يضر. فليس كل رواية عطاء بن السائب ضعيفة، بل هذا من الصحيح المنفقة من حديث عطاء بن السائب. ولهذا كان الصحيح أن هذا الحديث حسن، وليس بضعيف. والشاهد منه أن فيه فضل استلام الركن اليماني والركن الأسود. والركن اليماني ليس فيه إلا الاستلام، فليس فيه تقبيل، وليس فيه إشارة إذا لم تستطع أن تستلم الركن اليماني، فلا تشر، الإشارة فقط للحجر الأسود فقط. الركن اليماني ليس فيه إشارة. فإن قيل: لماذا كان الاستلام والتقبيل للركنين اليمانيين ولم يكن للركنين الشاميين؟ الاستلام للركن اليماني والتقبيل للحجر الأسود، لماذا فقط في الركنين اليمانيين وليس في الركنين الشاميين؟ اليمانيين جهة اليمن، الجنوب، والشاميين جهة الشمال. الجواب: أجاب العلماء بعدة أجوبة، من أحسنها وأفضلها أولًا: أن الله تعبدنا بهذا، وسن هذا لأنبيائه ورسله، فنحن نستن بسنتهم رضي الله عنه صلى الله عليه وسلم، وطاعة لله عز وجل. الثاني: أن الركنين اليمانيين باقيين على أساس إبراهيم الذي بنى عليه الصلاة والسلام. أما الركنين الشماليين فليس هما ركن البيت الذي بناه إبراهيم، لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما بنى البيت بناه أوسع من هذا، ولكن لما انهد البيت بسبب سيل وما دخل على البيت في سنوات ماضية قديمة، أعاد أهل مكة بناء البيت، فقصرت بهم النفقة لأنهم تحالفوا وتعاهدوا على أن لا يبنوا البيت إلا بمال حلال صافي. فلما اشترطوا هذا لم يجدوا ما استطاعوا أن يبنوا البيت كاملًا، نقصت النفقة، فماذا فعلوا؟ بنوه على مكانه الذي هو عليه الآن، وجعلوا علامة لمكان البيت الأصلي القديم الذي كان على عهد إبراهيم عليه الصلاة والسلام في هذا الحجر الذي يسمى اليوم بحجر إسماعيل، وليس بالصحيح أنه حجر إسماعيل. فإذن الركنين الشاميين ليس هما على ما كان عليه زمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ولهذا على الصحيح صار الاستلام فقط للركنين اليمانيين، وليس للركنين الشاميين. واضح؟ وهذا التعليل هو أقرب مع الذي قبله. قال رحمه الله تعالى: في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر قال: «لم أرى النبي صلى الله عليه وسلم يمسه من الأركان إلا اليمانيين». وأخرج البخاري بتاريخه وأبو يعلى من حديث ابن عباس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الركن اليماني». وفي إسناده عبد الله بن مسلم بن هرمز وهو ضعيف. وأخرج أحمد وأبو داود من حديثه يعني من نفس حديث ابن هرمز أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل الركن اليماني ويضع خده عليه. وهذا لم يصح. فما يفعله العامة يستندون إلى حديث ضعيف لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأما تقبيل الركن اليماني فكذلك لم يصح، لأنه من رواية عبد الله بن هرمز وهو ضعيف. وإنما الصحيح الذي جاء في الأحاديث الصحيحة استلام الركن اليماني فقط، يستلم الركن اليماني، ويقبل الحجر الأسود، ويجوز أن يستلمه إذا لم يستطع التقبيل على الكيفيات الأربع التي سبقت في الكلام على استلام وتقبيل الحجر الأسود. ويستحب أن يقول بين الركنين اليمانيين: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار». كما صح عن ابن عمر رضي الله عنه وارضاه. طيب، قال رحمه الله تعالى: الطواف للقارن. قال: وأما كونه يكفي القارن طواف واحد وسعي واحد، فلكونه صلى الله عليه وسلم حج قارنًا على الأصح، واكتفى بطواف واحد للقدوم وبسعي واحد، ولا دليل على وجوب طوافين وسعيين. ويؤيده ما جاء بصحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يطف بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا، طوافه الأول. وفي رواية يقول: «من فعل مثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم»، الراوي، «وكفانا الطواف الأول». فدل على أن القارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد. وجاء عن عائشة رضي الله عنها لما حاضت أخبرها النبي صلى الله عليه وسلم أن طوافها بعد ذلك يغنيها عن عمرتها وحجها. ويدل أن القارن يغنيه ماذا؟ طواف واحد. وقوله لعائشة رضي الله عنها كذلك أن طوافها يغنيها، فيدل على ذلك. وكذلك صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر المتمتع بالطواف والسعي ويفعل ذلك في عمرته، فهو يطوف طوافين ويسعى سعيين. طيب، طيب. قال رحمه الله تعالى: وأخرج الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعًا: «من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد». وقد حسنه الترمذي. وهذا الحديث اختلف فيه، فقد تفرد به الدراوردي بهذا اللفظ، وقد رواه غير واحد عن عبيد الله بن عمر ولم يرفعوه، وهو الأصح، أي موقوف على ابن عمر. موقوف على ابن عمر، والصحيح أنه موقوف له حكم الرفع، لأن مثل هذا لا يقال بالرأي، فهو موقوف له حكم الرفع، والله أعلم. وقد صححه الشيخ الألباني رحمه الله مرفوعًا. والصواب فيه الوقف كما تقدم، لأن المرفوع تفرد به الدراوردي، وفيه ضعف. قال رحمه الله: وأما أنه يكون حال الطواف متوضئًا ساترًا لعورته، فلما بالصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن أول شيء بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم أنه توضأ ثم طاف بالبيت. وفيه الطهارة للطواف. قالوا: بهم أيضًا من حديث أبي بكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يطوف بالبيت عريان». وهذا قالوا في حجة أبي بكر في السنة التاسعة، فلا يطوف بالبيت عريان، بل يكون ساترًا متسترًا. وجاء عن ابن عباس أن الطواف بالبيت صلاة، فيكون لها حكم الصلاة إلا أنه يستثنى منها الكلام كما جاء عن ابن عباس وغيره. قالوا: أما كون الحائض تفعل ما يفعل الحاج غير أن لا تطوف بالبيت، فلحديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الحائض تقضي المناسك كلها إلا الطواف». أخرجوا أحمد، يعني معناه إذا كانت حائض فلا تطوف. وفي هذا دليل أن الطواف يشترط له الطهارة، لكن الطهارة في الطواف، وهذا الحديث فيه ضعف، لكن له شواهد من حديث ابن عمر وغيره يرتقي بها إلى الحسن. قلنا أن هذا الحديث وما كان بمعناه يشترط فيه دليل على شرطية الطهارة للطواف. ولكن الصحيح أن الطواف ليس كالصلاة، لأنه جاز فيها الكلام، ولذلك رخص بعض العلماء عدم اشتراط الطهارة في وقت الضرورة، في وقت الضرورة كالحائضة التي لا تستطيع أن ترجع إلى البيت ويلزمها السفر، ولا وقت، فمثل هذه وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله. أجاز غير واحد من أهل العلم أن تتحفظ وتطوف على حالتها للضرورة، للضرورة، كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وجماعة من أهل العلم، ومنهم شيخنا من المعاصرين محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، وشيخنا مقبل كذلك رحمه الله. نقف إلى هنا ونكمل الباقي إن شاء الله في درس لاحق. يقول: ما حكم من يدخل التقبيل بالقوة ويزاحم الناس، بل يضارب؟ تقدم الجواب على هذا بما يغني عن التكرار، هذا خلاف السنة، وهو مأزور، غير مأجور، لأنه في الحديث: «استلمه بحق»، وهذا لم يستلمه بحق، فصاحبه إلى الوزر أقرب من الأجر. وهذا يسأل: هذا الحجر الأسود من الجنة، جاء حديث بهذا المعنى، يحسن بعضها للعلم، وكونه سودته ذنوب بني آدم كذلك نعم. طيب، إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد عليه الصلاة والسلام.