الخوارج - Al-khawaarij

الدرس في الخوارج - Al-khawaarij، Al-khawaarij: attentats, takfeer, khorooj etc... la secte des khawaarij, leur caracteristiques et le debut de leur histoire. Cours donne par shaikh abdoullah al-boukhaari (un des savants contemporains de medine) par telephone a la mosque de Brixton a Londre en 2004. ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أصول الخوارج وظهورهم وتكفيرهم لأهل القبلة

يتناول هذا الفصل أصول الخوارج وبداية ظهورهم وتكفيرهم لأهل القبلة بسبب الذنوب واستحلالهم لدمائهم. كما يشير إلى رأي شيخ الإسلام ابن تيمية فيهم وفتاويه حولهم.

مناظرة ابن عباس للخوارج وردودهم المبدئية

يتناول هذا الفصل قصة مناظرة عبد الله بن عباس للخوارج، حيث أرسله علي بن أبي طالب لمناقشتهم، ويبين كيف رد ابن عباس عليهم بأدلة من الكتاب والسنة.

تفنيد شبهات الخوارج وتوضيح ضلالاتهم

يتناول هذا الفصل استخدام ابن عباس للآيات القرآنية والأحاديث النبوية لرد شبهات الخوارج حول حكم الرجال وتكفير المسلمين، موضحا أن تكفير المسلمين بغير حق ضلال.

ختام الدرس والدعاء بالحفظ

يختتم هذا الفصل بالحديث عن وداع المتحدث للمخاطبين ودعائه لهم بالحفظ، ويظهر الأدب الإسلامي في الوداع والتحية.

التفريغ النصي الكامل

وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وبعد، أيها الإخوة، فكما فهمت من طلبكم، ترغبون أن نتكلم عن أمر مهم، وهو يتعلق بالتكفير والخروج وما إلى ذلك. وهذه القضية تعني الكلام في هذه النقطة. بارك الله فيكم، على أنه يجب قبل أن نتكلم عن شيء أن نتصوره. فقاعدة عند أهل العلم أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره. وهذه المسألة -أعني مسألة الخوارج- والتي خرج منها التكفير، لها جذور قديمة وتمتد إلى العصر الأول، عصر الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «عن الخوارج هم أول من كفر أهل القبلة بالذنوب، بل بما يرونه هم من الذنوب، واستحلوا دماء أهل القبلة في ذلك». ذكر ذلك في «فتاويه» في المجلد السابع، في الصفحة الواحدة والثمانين بعد الأربعمائة. فهم أول من كفر أهل القبلة بالذنوب. وبناء على هذا التكفير استحلوا دماءهم. ولم يكتف الأمر عندهم بأنهم كفروا أهل القبلة بالذنوب، بل كفروا بما يرونه هم من الذنوب، يعني وإن لم يكن الأمر ذنبا في حقيقته، بل تخيلوا وتصوروا أن ذلك ذنبا، فأعملوا فيهم هذا الحكم، أي حكم التكفير. وقال رحمه الله في تسمة كلامه: «واستحلوا دماء أهل القبلة بذلك». وهذه قضية مهمة، لا بد أن نعلم أن هذه الفرقة وما نشأ عنها في العهد الأول، سلكت مسلكا بعيدا عن السنة كل البعد. فأول ما فعلوا التنفير -تنفير الناس والعامة من أهل العلم- فترتب على ذلك أنه بعد ذلك سلكوا مسلك التكفير، ثم ركبوا بعد ذلك -بعد التكفير- إلى التفجير والتقسير. التقسير والتفجير والهدم لا يكون ابتداء، فإنما هي ثمارة تنفير، ثم تكفير، والتقسير والتفجير. نعم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في «المجموع» الثالث: «فلما شاعت الأمة أمر الخوارج، تكلمت الصحابة فيهم، ورووا عن النبي صلى الله عليه وسلم الأحاديث فيهم، وبيّنوا ما في القرآن من الرد عليهم، وظهرت بدعتهم في العامة». انتهى كلامه. وقال في موطن آخر من نفس المجلد: «ولذلك اتفق على قتالهم الصحابة والأئمة». فهؤلاء الخوارج لهم أصول يسيرون عليها، من أصولهم وسماتهم التي يسيرون عليها التكفير بالمعاصي. ويترتب على هذا التكفير إلحاقهم من وقع في ذلك من المسلمين بالكفار بأحكامهم، وفي دورهم ومعاملاتهم، وكذلك قتالهم. وأصل أصول مسألة الخوارج التي بسببها كفر الخوارج الصحابة رضي الله عنهم، يدور هذا النزاع على مسألتين. وهاتان المسألتان تجتمعان في أصل واحد، ألا وهو التكفير بالذنب ولوازمه. يعني محصلة المسألتين ترجع إلى هذا الأصل، عن التكفير بالذنب ولوازمه. فالمسألتان: المسألة الأولى التحكيم والحكم. فلما اتفق المسلمون على تحكيم الحكمين -أبي موسى الأشعري رضي الله عنه من قبل علي رضي الله عنه، وعمر بن العاص من قبل معاوية رضي الله عنه- اعترض الخوارج السبئية وأعلنوا ذلك الاعتراض. فقالوا: «أتحكمون في دين الله الرجال؟». ثم تلقف هذه الكلمة سلم طوائف من بعض الجهلاء والذين شاركوا في قتل عثمان رضي الله عنه. وقالوا: «لا حكم إلا لله». فكان هذا شعارهم الذي فارقوا به الإمام وجماعة المسلمين. وهذا نتج عنه المقولة الأخرى، وهي التكفير بالمعاصي، وهي المسألة الثانية. فكفروا عليا ومعاوية والحكمين ومن رضي بحكمهما. واستدلوا على ذلك بقول الله جل وعز: «إن الحكم إلا لله». ورتبوا على ذلك جميع لوازم الكفر، والتي منها إسقاطهم إمامة علي رضي الله عنه، لأنه حكم الرجال. ونزعوا البيعة من أعناقهم. وبناء على ذلك، كل من رضي بحكم علي وولايته، وبحكم الحكمين، فإنه كافر. وأمروا على أنفسهم أميرا وبايعوه، وهو عبد الله بن وهب الراسبي. وكان ذلك في عام السابع والثلاثين من الهجرة النبوية. وبذلك بدأ استباحة الأمة وظهور هذه الفرقة بشكل واضح وجلي. وأثرت وأدخنت في الأمة. ولهذا قال شيخ الإسلام ما تقدم نقله: «كان أول من فارق جماعة المسلمين من أهل البدع الخوارج المارقون». نعم. ثم دخل في الخوارج علم الكلام وتأثروا بالجهمية، ومنهم من تأثر بالمعتزلة، ومنهم من تأثر بالأشعرية والماتوردية وغيرهم. لكن لهم سمات تجمعهم، ولهم مواقف تبين ما هم عليه. وقبل أن أتكلم عن هذا، أود أن أسوق لكم قصة مناظرة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما للخوارج. بهذا يتبين لنا بعض سمات هؤلاء. ومعلوم أن أول النشوء لم يشبه كثيرا من الانحرافات التي توارت على هذه الفرقة بعد مرور زمن عليها، من دخول المتكلمين ومن دخول الفرق فيهم. فأخرج الإمام أحمد في مسنده، والحاكم في مستدركه، والبيهقي في سننه الكبرى. واللفظ الذي سأسوقه هو لفظ الحاكم -أبو عبد الله- وهو حديث صحيح، صححه الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية»، والعلمة الإمام الألباني رحمه الله في «الإرواء». قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما -وهو يتكلم مع تلميذه سماك الحنفي أبي زميل-: «قال ابن عباس: لما خرجت الحرورية -وهم الخوارج- لما خرجت الحرورية، اجتمعوا في دورهم، ستة آلاف. كان عددهم لما خرجوا ستة آلاف شخص». يقول ابن عباس: «أتيت عليا ابن أبي طالب رضي الله عنه، فقلت: يا أمير المؤمنين، أبرد بالظهر. أبرد بالظهر -يعني أخر قليلا صلاة الظهر- وهذا من السنة، وهو راجع إلى ولي الأمر. فقد كانت سنة النبي عليه الصلاة والسلام إذا اشتد الحر أو جاء الصيف، أبرد بالظهر -يعني أخرها- ما يصليها في أول الوقت، حتى تبرد الشمس، فيستطيع الناس -يعني- أن يصلوها من غير حرج. وإذا جاء الشتاء، عجل بها في أول وقتها». فقلت: «يا أمير المؤمنين، أبرد بالظهر، لعلي آتي هؤلاء القوم فأكلمهم -يعني أناقشهم- قال -يعني علي بن أبي طالب- أجاب عبد الله بن عباس قال: إني أخاف عليك. قلت: كلا -يعني لا تخف علي-». هنا نقف وقفة. وهي أنه لا ينبغي مناظرة أهل البدع لكل أحد. الواجب إذا أريدت المناظرة، أن يكون المناظر من أهل العلم، أهل العلم الراسخين فيه. هذا أولا. ثانيا: أن يكون بعد إذن ولي الأمر. ثالثا: أن لا تكون في هذه المناظرة تشويشا على العامة، إلى غير ذلك مما ذكره أهل العلم في هذا الباب. قال: «إني أخاف عليك». لماذا خاف علي؟ لماذا خاف الأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه على ابن عباس؟ يخاف عليه منهم؛ لأنهم يستحلون الدم. أي: خاف عليه أن يقتلوه. قلت: «كلا -أي لا تخاف- قال ابن عباس: فخرجت إليهم، ولبثت أحسن ما يكون من حلل اليمن -لباس يلبسه- يعني شيئا من الجمال ونحو ذلك». قال أبو زميل -الراوي عن ابن عباس، وهو سماك الحنفي-: «كان ابن عباس جميلا جهيرا -جميل يعني الشكل والمنظر- بما خلقه الله عليه، وجهيرا -جهوري الصوت-». قال ابن عباس: «فأتيتهم وهم مجتمعون في دارهم قائلون -يعني وقت القيلولة- والقيلولة هي تكون بعد نصف النهار أو عند منتصف النهار، كما قاله النووي وغيره». قال: «فسلمت عليهم -يعني ألقى ابن عباس عليهم السلام- فقال: السلام عليكم. يعني سلم عليهم». فقالوا: «مرحبا بك يا ابن عباس -يعني هذا يدلك على أنهم لا يرون ابن عباس من أهل السلام- بل يرونه حلال الدم، كافر لا يرد عليه السلام. فلما سلم عليهم، ما أجابوا السلام، وهم بهذا مخالفون لنص الآية، أو من قول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. وهذا يدلك -بارك الله فيك- على أن من سمات هؤلاء الخوارج الجهل. كما سيأتي معنا -إن شاء الله- إن بقي في الوقت متسع لذكر جملة من سماتهم. فهم جهلاء، وهم جهلاء في كل مكان، في كل عصر، وفي كل مصر. وإن تلبسوا بالعلم زورا وبهتانا، فليسوا من أهله. إنما يتبعون ما تشابه منه. قال: «فقالوا مرحبا بك يا ابن عباس. ما ردوا عليه السلام لما تقدم، فما هذه الحلة؟ -أي ما هذا اللباس الذي تلبسه- هذا اللباس الحسن». هذا السؤال يريدون به أن يظهروا لأتباعهم أن هؤلاء -أي الصحابة- قد اشتغلوا بالدنيا عن الآخرة، وزهدوا في الآخرة، ورغبوا عن الآخرة، ورغبوا في الدنيا. قال أي ابن عباس: «قلت: ما تعيبون علي؟ ما هذا الذي تنقمون علي؟ لقد رأيت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحسن ما يكون من الحلل». ونزل: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ﴾. فهذا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما تعمد لبس تلك الحلة؛ لأنه يعلم من حالهم الجهل، وأنهم سينقمون عليه ذلك. فرد عليهم بالسنة وبالكتاب. وهذا يفيد -كما عليه السلف وأهل السنة من أهل العلم- أنهم غير جهلاء، وإنما أهل علم، يحكمون الكتاب والسنة في أقوالهم وفعالهم. قال: «ما تعيبون علي؟ لماذا تعيبون علي؟ ما هذا الذي تنقمون؟ فقد رأيت على رسول الله عليه الصلاة والسلام أحسن ما يكون من الحلل». يعني من أجمل ما يكون لبسها، ويحكمون لبسها. ويحكمون على رسول الله. قال: «ما تعيبون عليهم الذي يتعرضون لبسها وعباده وعباده من الرزق». وعندما يتعرضون لهم هذه الحلل وفي كل سنة. قالوا: «ما تعيبون عليهم؟ لماذا تعيبون عليهم؟». قال عبد الله بن عباس: «قلت: أخبروني ماذا تنقمون على ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصهره، والمهاجرين والأنصار؟ ما الذي تنقمونه؟ وماذا تأخذون على ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم -يعني عليا أمير المؤمنين- وصهره -زوج ابنته- والمهاجرين والأنصار -يعني الصحابة الذين تكفرونهم-؟». قالوا: «ثلاثا -يعني نعلم ثلاث مسائل أو ثلاث أمور- قالوا: قلت: ما هن؟ -يعني أخبروني ما هذه الثلاث مسائل- نعم». قالوا: «أما إحداهن، فإنه حكم الرجال في أمر الله. وقال الله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾. وما للرجال؟ وما للحكم؟ -يعني إنه حكم الرجال كما تقدم في مسألة التحكيم بين علي ومعاوية رضي الله عنهما- واستدلوا بتكفيرهم بقول الله جل وعز: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾. فقلت: «أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله، ومن سنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، ما يرد به قولكم، أترضون؟ -يعني لو جئتكم بالنصوص من الكتاب والسنة ما يرد هذا القول ويدفعه ويبين بطلانه، أترضون؟- قالوا: نعم. ليس لهم خيار آخر إلا أن يقولوا: نعم؛ لأنهم لو قالوا: لا، لكفروا». فقلت: «أما قولكم: حكم الرجال في أمر الله. فأنا أقرأ عليكم ما قد رد حكمه إلى الرجال -أنا سآتيكم بآية مما رد حكمه إلى الرجال- يعني رد الله حكمه إلى الرجال في ثمن ربع درهم، في أرنب ونحوها من الصيد». قال الله جل وعز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾. فنشدتكم الله: «أحكم الرجال في أرنب ونحوها من الصيد أفضل، أم حكمهم في دمائهم وصلاح ذات بينهم؟ -أيهما أفضل في حكم أرنب أو نحو ذلك، أو في صلاح ذات البين؟ أيهما أهم؟- وأنتم تعلمون أن الله لو شاء لحكم -يعني لحكم حتى في هذا الأرنب- ولم يصير ذلك إلى الرجال؛ لأن الله على كل شيء قدير -سبحانه وتعالى-». ثم استدل لهم بآية أخرى. قال: «وفي المرأة وزوجها». قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾. قال ابن عباس: «فجعل الله حكم الرجال سنة مأمونة -سنة مأمونة أخرجت من هذه؟ يعني أجبتكم عن هذه- لأنهم قالوا: حكم الرجال، وما للرجال؟ وللحكم؟ والله يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾. فأنا جئتكم بما يرد قولكم من الآيات الدالة الواضحة من كتاب الله. فهل أجبتكم على هذه الشبهة أن حكم الرجال ليس على الدوام مرفوضا، بل هو سنة مأمونة بنص القرآن؟ أخرجت عن هذه؟ أجبتكم عن هذه؟ قالوا: نعم». قال: «أما قولكم: قاتل ولم يسب ولم يغنم؟ لما قاتل علي رضي الله عنه، قاتل في القتال الذي حصل والفتنة التي حصلت بينه وبين بعض الصحابة، كان معهم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في معركة الجمل». قال: «قاتل ولم يسب ولم يغنم. أتسبون أمكم عائشة؟ تسبون أمكم عائشة؟ ثم تستحلون منها ما يستحل من غيرها؟ -يعني لئن كانت سبية، طارت من الجوار، يصح الإتكوة، تكون عبدة، ولها أحكام مقررة في الشرع كثيرة، من أحكام الرق- قال: أتسبون أمكم عائشة؟ ثم تستحلون منها ما يستحل من غيرها؟ فلئن فعلتم لقد كفرتم -يعني لئن فعلتم هذا- لئن فعلتم هذا -يعني استحلالكم منها ما يستحل من غيرها- لقد كفرتم. ولئن قلتم: وهي أمكم. ولئن قلتم: ليست أمنا، لقد كفرتم؛ فإن الله يقول: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾. فأنتم تدورون بين بلتين -يعني إن قلتم أنها تسبى، هذا بل. إن قلتم ليست أمنا، هذا بل. كلاهما بل- قال: لئن قلتم: فأنتم تدورون بين ضلالتين. أيهما سرتم، سرتم إلى ضلالة». قال ابن عباس: «فنظر بعضهم إلى بعض، بدأ كل منهم ينظر إلى آخر، ذهولا من هذا الجواب السني». قلت: «أخرجت من هذه -يعني أجبتكم عن هذه- قالوا: نعم». قال: «أما قولكم: محى اسمه من أمير المؤمنين. فأنا آتيكم بمن ترضون». وأريكم قد سمعتم أن النبي عليه الصلاة والسلام يوم الحديبية -يعني أتاهم بالسنة الآن- أن الرسول لما طالح طلح الحديبية، كاتب سهيل بن عمر وأبا سفيان بن حرب. فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام لأمير المؤمنين -كان إذاك الكاتب- كاتب الصلح علي: «اكتب يا علي: هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله». قال المشركون: «لا والله ما نعلم إنك رسول الله -يعني ما نعلم، لا نوافقك على أنك رسول الله- ولو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك». فقال عليه الصلاة والسلام: «اللهم إنك تعلم أني رسول الله. اكتب يا علي: هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله -يعني محى رسول الله لفظة: رسول الله. محى النبي عليه الصلاة والسلام هذه اللفظة من الكتابة، وقال بدلا منها: محمد بن عبد الله-». يقول ابن عباس: «فوالله لرسول الله خير من علي، وما أخرجه ذلك من النبوة حين محى نفسه». أجابهم حتى عن الثالث في السنة. قال عبد الله بن عباس في آخر الحديث: «فرجع من القوم ألفي كانوا ستة آلاف، رجع منهم ألفي. رجع من القوم ألفي». وهذا يدلك على أن التكفير كان قد شبه عليهم ولبس عليهم، ظنوا أن أولئك على الحق بهذا التكفير وهذا التقتيل. ولكن لما بيّن لهم الحجج، أراد الله بهم خيرا، فرجعوا عن الضلال الذي هم فيه. قال ابن عباس: «فرجع من القوم ألفي، وقتل سائرهم على ضلالة». انتهى الحديث. قتل الأربعة الآلاف على ضلالة، أي ضلالة هذه؟ ضلالة الخروج، ضلالة الخروج التي وقعوا فيها. فهذا ابن عباس يحكم عليهم بأنهم ضلال. وقد جاء في الحديث الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «كلاب النار، شر قتلى تحت أديم السماء -يعني الخوارج-». وبهذا يتبين لنا -بارك الله فيكم- أنه من تطرق عليهم بسيف السنة والعلم، بسيف السنة والعلم. ومن أراد أن يسلك مثلك، أن ينجو به، فليسلك مثلك. من ثلاث، وما ذر قرن البدع في وقت من الأوقات، ولا في مصر من الأمصار، فعلاه سيف السنة والعلم إلا قطعه؛ لأنهم -كما ترون- أهل جهل وهواء، أهل جهل وهواء. فالعلم هو سلاح هذا الجهل، وقاتله. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وَاسْتَوْدِعُكُمُ اللَّهَ الَّذِي لَا تَضِيعُ وَدَائِعُهُ. وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.