الدرس في مجالس رمضانية لعام 1431هـ 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل الأحكام المتعلقة بالصيام في رمضان، مثل تبييت النية واستعمال قطرة العين والأنف والإبر. كما يجيب عن أسئلة شائعة حول تغيير النية في الصيام والتبرع بالدم نهارا.
ينصح هذا الفصل بالاستمرار في الطاعات بعد رمضان وعدم الاكتفاء بالعبادات خلال الشهر الفضيل فقط. ويحذر من العودة إلى المعاصي بعد انتهاء رمضان.
يتناول هذا الفصل مسائل فقهية متعلقة بالصيام مثل حكم الغوص في نهار رمضان، وحكم شرب الماء بعد أذان الفجر. كما يتناول حكم التعامل مع نسخ القرآن التي تحتوي على تفسير منحرف.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. هذا سائل يسأل، يقول: ما معنى تبييت النية؟ فهل هو شرط في صحة الصيام؟ وهل يشترط لكل يوم النية أم نية واحدة لجميع الشهر؟ الصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا يلزم استحضار نية يومية في كل يوم من أيام الشهر؛ لأن النية محلها القلب. ومن دخل عليه شهر رمضان وقد اجتمعت النية في قلبه، فإن هذه النية تلازم القلب، ولا حاجة أن يذكر نفسه في كل ليلة بنية خاصة. ولهذا؛ لما كان التشدد في هذا الباب والتنطع أوقع ذلك بعض الناس إلى الدخول في أبواب الوسوسة، حتى أنهم ربما أعادوا صيام بعض الأيام مرات، بحجة أنهم لم يعقدوا في ليلة أو بعض الليالي نية الصيام، مع أن هذا ليس بالصحيح. فما من مسلم دخل عليه شهر رمضان إلا وقد انعقد في قلبه أمر صيام الشهر، ولا حاجة لعقد نية جديدة في كل يوم يستحضر القلب بها ذلك، حتى يقال: إنه لا يصح الصيام إلا بهذا. وأما حديث حفصة: على القول بصحته «من لم يبيت النية فلا صيام له»، فالمراد به تبييت النية في أول الشهر الذي تبقى معه هذه النية، أو لمن تجدد له في أثناء الشهر سفر أو غيره، فإن الصيام ينقطع، فيحتاج لنية؛ لأن المسافر مخير بين الفطر والصيام. فمثل المسافر هو الذي يحتاج أن يجدد نية، أما غير المسافر، فالصحيح: تكفيه نيته في أول الشهر، ما دام مواصلا، والنية محلها القلب. وأعظم من ذلك ما يفعله بعض الناس والجهال من التلفظ بالنية، فيفعل ذلك بعض الأئمة أو المؤذنين، أو ربما كذلك بعض الناس في بيته يلفظ أهل بيته واحدا واحدا بالنية. وهذا؛ مع ما فيه من التجديد على الناس بما ليس فيه حجة ولا برهان، كذلك هو بدعة منكرة، ليس لها أصل ولا دليل، لا من كتاب الله، ولا من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من السلف. وهو كذلك عبث؛ يذر الإنسان بنفسه، فينزل نفسه منزلة من في عقله شيء. ولهذا قال من قال من أهل العلم: إن التلفظ بالنية نقص في العقل، ونقص في الدين. أما نقصان الدين: بكونه بدعة منكرة، وأما نقصان العقل: لأنه ينزل نفسه منزلة من في عقله شيء. فمن يحدث نفسه بما يريد أن يعمله، مما هو موجود في قلبه، يفعل العبث. يقول: ما حكم الآتي في نهار رمضان قطرة العين؟ حكم قطرة العين، وهكذا قطرة الأنف: أنه يفصل فيها. فإن كان قطرة العين أو الأنف أو الأذن يجد الصائم طعمها، والناس يختلفون في هذا. فالأفضل والأكمل أن يؤجل استعمالها إلى الليل، وإن كان لا يجد طعمها فلا حرج عليه في ذلك. وإن كان يجد طعمها، ولكنه يحتاجها، ولا يستطيع تأخيرها، فيقال له: لا بأس استعملها، ولكن أبصق هذا الطعم الذي تجده، لا تبتلعه. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام النهي عن المبالغة في المضمضة والاستنشاق للصائم. وهذا من باب أولى إذا وجد طعمه، فالنهي للكراهة. يسأل عن الإبر العضل وإبر الوريد. الصواب في هذا: التفصيل بين الإبر الذي تقوم مقام الطعام والشراب، فهي تفطر؛ تفطر، كالإبر المغذية. وما لا يقوم مقام الطعام والشراب، فالصحيح من أقوال أهل العلم: أنها لا تفطر، ولا يضر استعمالها. يسأل عن الاغتسال للتبرد. لا بأس بالاغتسال للتبرد، وقد صح ذلك عن عدد من الصحابة والتابعين من سلف الأمة. فإذا اشتد الحر على الصائم، لا بأس عليه أن يغتسل ليتبرد، ولا ينافي هذا الصيام، ولا فضله وأجره. فأجره ثابت، وفضله -إن شاء الله- باقي. وقد روي عن عمر رضي الله عنه: أنه كان يتبرد بقربة تندي بالماء في شدة الحر. يسأل عن تذوق الطعام. يجوز تذوق الطعام إذا احتاج إليه؛ فالمرأة قد تحتاج أن تتذوق لتعرف نضج الطعام من عدمه، ووجود الملح مثلا من غيره. لكن ليس معنى ذلك أن تبتلع ما تذوقت، وإنما هو بطرف اللسان، ثم تبصق وتخرج هذا الذي أدخلته بطرف اللسان. يسأل عن مباشرة. حكم المباشرة: مباشرة الرجل لأهله، إن كان يعرف من نفسه أنه يملك نفسه، فهو جائز؛ فقد ثبت في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، ولكنه كان أملك لإربه. فمن كان كذلك، فهو مباح، ومن علم من نفسه أنه ربما أنزل أو وقع فيما هو أعظم من ذلك، فلا ينبغي له أن يفعل ما يفضي به إلى خدش صيامه. ولذلك؛ على مثل هذا أن يترك هذا؛ لأنه يفضي به إلى إفساد الصيام، فالإنزال من مفسدات الصيام. يقول: إذا حست المرأة قبل المغرب بألم الحيض، ولم يخرج الدم، ولم يؤذن بعد، فهل هي صائمة أو تعد مفطرة؟ ما دام الدم لم يخرج، فهي صائمة، وتواصل صومها. فإن أذن المؤذن ولم يخرج الدم، فصومها صحيح، وهي -إن شاء الله- مأجورة. وإن خرج منها قبل الأذان، فهو مفطر من المفطرات، تكون به مفطرة، وعليها قضاء يوم آخر، وهي مأجورة على ما صامت، وما كان من مشقة الصيام. يقول السائل كذلك: ما حكم الدم الخارج قبل الولادة بيوم أو يومين؟ هل هو من النفاس الذي لا تصوم معه المرأة؟ الجواب: نعم، الدم الذي يخرج قبل الولادة: هو من الولادة، خصوصا إذا علمت أنه آمن. أما إذا كان بسبب ضربه أو غيره، فالغالب أن مثل هذا استحاضة، وعلى المرأة أن تميز. فالغالب أن المرأة تعرف وصف دم الحيض والنفاس، ودم الاستحاضة. فدم الاستحاضة يختلف؛ فقد ذكر العلماء لذلك أربع صفات: أولها: أن دم الحيض والنفاس يميل إلى السواد. وثانيها: أن له رائحة. وثالثها: أن المرأة تشعر به يخرج من الجوف، لا من الطرف. ورابعها: أنه يكون ثخينا لا رقيقا. وخامسها -زاد بعضهم، وهذا من بعض المعاصرين-: أنه يتأخر في تخثره. فإذا وجدت أحد هذه الصفات الخمس، فهو دم الحيض والنفاس. فإذا لم يكن كذلك، فهو دم استحاضة. فإن كان استحاضة، فلا حرج عليها. يقول: من أدركه رمضان ولم يقض ما سبق من رمضان السابق، هل عليه إثم؟ وماذا عليه؟ من كان هذا حاله، وهو مفرط، يلحقه الإثم. ومن كان غير مفرط، حرصا، لكن اجتمعت له أسباب ترخص له في ذلك، فمثل هذا: معذور. والمفرط غير معذور. ولذلك؛ المفرط عليه التوبة والاستغفار والقضاء. على الجميع. بعض أهل العلم أوجب كفارة على من أخر إلى رمضان الآخر، ولم يكن له عذر. والصحيح: أنه لم يرد شيء من الأدلة مما يوجب هذه الكفارة. فعليه القضاء مع التوبة. يقول: جرت العادة في مساجد بعض بلادنا: توزيع التمر على الصائمين قبل المغرب. هل يجوز للشخص أن يأخذ من هذا التمر ويذهب به إلى بيته فيفطر به مع أهله؟ نعم -إن شاء الله- يجوز إذا كان الأمر على هذا الوصف، فيجوز. وأما إذا كان التمر لمن في المسجد فقط، كان يوضع في سفرة المسجد، فلا يأخذ إلا باستئذان. وهذا سائل يقول: يزيد عندنا بعض التمر في المسجد، فنتركه لمن يصوم بعد رمضان، أو نبيع بعضه في مصلحة المسجد. إذا زاد شيء من التمر، ينظر إلى من تبرع بهذا التمر، فإن كان موجودا، فالأفضل استئذانه فيه. فإن لم يعلم من هو، فما صنعتم -إن شاء الله- صحيح؛ يجعل لمن يصوم بعد رمضان، في الثلاثة البيض أو الاثنين والخميس، فيلحق -إن شاء الله- المتصدق أجر إفطار الصائم، والمشارك فيه. وإن خشي فساد التمر لكثرته وتأخر بقائه، فلا بأس يباع، ويشترى به شيء في مصالح المسجد. وهذا في مصلحة المتصدق؛ لأن فساد التمر معناه ضياع الصدقة، وإدراكه قبل فساده، والاستفادة من ثمنه في مصالح المسجد: إبقاء للصدقة، وهذا هو المطلوب. يقول: شخص يقرأ القرآن بصوت منخفض، لا يسمع، وأحيانا لا يحرك شفتيه، فهل قراءته صحيحة؟ قراءته صحيحة. والأفضل والأكمل أن يحرك شفتيه، وأن يسمع نفسه شيئا من القراءة؛ فإن الأذن منفذ القلب. وكلما كان الصوت يدخل من الأذن إلى القلب، كان أنفع في العظة والاعتبار والاتعاظ وغير ذلك. يقول: حديث أبي هريرة في سنن أبي داود: فيما إذا كان الإناء بيد أحدنا يأخذ نهمته منه. قال شارح السنن: إن جمهور السلف على عدم العمل بمعناه، وأن له تأويلات. فهل هناك أحد من السلف سبق العلامة المحدث الألباني رحمه الله بهذا القول؟ نعم، وهذا كثير. يكفي أنه صح بإسناد صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه، وهو من علماء الصحابة. وقد روي بإسناد صحيح عن أبي هريرة موقوفا عليه. وأما الحديث المرفوع، ففيه خلاف. والصحيح: أنه معلل. ومع ذلك؛ ففتوى أبي هريرة رضي الله عنه موقوفا عليه له حكم الرفع، فلا يعلم له مخالف من الصحابة. فلا حرج -إن شاء الله- على من كان في يده الإناء، وما زال المؤذن يؤذن وهو يشرب: يكمل ما في يده. وإن تركه، فهو أحوط، ولا شك. يقول: إذا تقيا شيئا يسيرا إلى الحلق، ثم رجع، فهل يفطر؟ إذا كان خطأ، فهو معذور؛ إن الله تجاوز عن أمة الخطأ والنسيان. وإذا كان عن عمد، فهو يفطر؛ فإدخال القلس والقيء إلى الجوف عمدا بعد خروجه: يعتبر من المفطرات، مع أنه شيء قبيح ينبغي أن يتنزه عنه المسلم. يقول: امرأة ينزل منها شيء باستمرار بتأثير وبدون تأثير، وهذا يقلقها، فماذا عن الصلاة والغسل؟ ينظر في هذا النازل: الغالب أن مثل هذا هو رطوبة المرأة، وهذه الرطوبة: الصحيح أنها ليست من نواقض الوضوء، وهو من المشقة الذي يجلب التيسير. وكان شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله يفتي بذلك؛ فلا حرج عليها لا في غسل ولا في وضوء، خصوصا مع استمراره وعلى هذا الوصف المذكور، والمشقة تجلب التيسير. وقد ذكر العلماء في حكم سلس البول -وهو أشد وأصرح-: أن صاحبه إنما يتوضأ لكل صلاة. بل بعض أهل العلم يعل الرواية التي فيها الوضوء لكل صلاة، ويرجح أنها من الموقوف، وليس من المرفوع. فيقول: الصحيح في حكم صاحب السلس: أنه إنما يتوضأ إذا أحدث بالحدث الذي بإرادته. وأما ما كان بغير إرادته، فهو معذور عنه. يقول: بعض النساء تصلي في هذا المسجد في صفوف متقطعة من وراء الساتر، والأخريات داخل مبنى المسجد، بحجة أن لهن أولادا، فهل هذا العمل صحيح؟ النساء كالرجال؛ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «النساء شقائق الرجال». فما يؤمر به الرجل تؤمر به المرأة. وتسوية الصفوف في صلاة الجماعة للجميع: للرجال وللنساء. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بتسوية الصفوف، وعدم ترك الفرج بينها للشيطان، وإتمام الأول فالأول، وهكذا تؤمر النساء. ومن كان عندها أولاد، لا يعني ذلك أن تبتعد عن الصف، ولكن تصلي وتجعل مثلا ولدها إما بين يديها، وإما في طرف الصف من جهة اليسار، في طرف الصف من جهة اليسار أو جهة اليمين إلى جهة الجدار. فالمهم: يجعل لهذا حل، وليس بتقطيع الصفوف. وننصح بعض الأخوات أن يقوموا بهذا الذي ينبغي في هذا المقام من توجيه الأخوات إلى ما فيه إتمام السنة في هذا الباب. وقد كان عمر رضي الله عنه يستعين ببعض الرجال في تسوية الصفوف حين كثر المسلمون في المسجد. يقول: نرجو نصيحة لبعض الناس الذين يسارعون في الخيرات في هذا الشهر من صدقة أو قيام نحو ذلك، فإذا خرج رمضان تكاسلوا عن الطاعات واقترفوا السيئات. سمعتم في الخطبة إشارة إلى هذا المعنى. وننصح أمثال هؤلاء أن يعيدوا النظر في حياتهم، وفيما يؤول إليه أمرهم. وإنما الأعمال بالخواتيم، ويبعث المرء على ما مات عليه. فإن كان الإنسان على هذا الحال، فإنه لا يدري لعله يدركه الموت وهو على غير الجادة، فبأي شيء يقف بين يدي الله عز وجل؟ ما هو الذي دفعك أخي المسلم أن تحسن في رمضان؟ أليس خوفا من الله وطمعا بما عند الله؟ فالله سبحانه وتعالى رب رمضان، وشوال، وشعبان، وسائر الشهور والأعوام. فما ترجوه من ربك سبحانه وتعالى في رمضان: كذلك ترجوه منه في شوال، وفي شعبان، وفي سائر الشهور والأعوام. وما تخاف، وما تخاف منه من سوء أعمالك، وما يؤول إليه أمرك بعد مماتك؟ فما منا إلا وسيموت، وسيقف بين يدي الله عز وجل، فيكون مرتهن بعمله. إن كان محسنا، فبفضل الله عز وجل ورحمته: يكرمه الله جل وعلا بأعظم الكرامة. وإن كان مسيئا، فبعدل الله سبحانه وتعالى وحكمته: يكون له ما يكون لغيره من الكافرين والفاجرين. ففي أي الطريقين والمصيرين تريد أن تكون؟ وأنت قد علمت واستيقنت أن الدنيا لم تخلد لأحد، وما بقي فيها أحد، لا صالح ولا طالح، الكل ذهبوا منها وتركوها، مهما طالت أعمارهم، ومهما كذلك حرصوا فيها على سلامة أنفسهم. ليس أحد مخلد في هذه الدنيا، كل نفس ذائقة الموت، وإنما توفون أجوركم يوم القيامة. فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة: فقد فاز. وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور. فأرجو أن يعقل أمثال هؤلاء في مثل هذا الفعل، الذي مع ما فيه من الخطأ، فيه من الكذب على النفس، وكذلك النقص في الدنيا قبل الآخرة. ألا تستحي وأنت تكرر هذا الفعل في كل عام؟ لم تستحي من الله؟ ولم تستحي من الناس؟ والناس حين يرونك أقبلت في أول رمضان: علموا أنك من أصحاب التوبات المؤقتة؛ لأنك سرعان ما تنقضها في شهر شوال. فلم تستحي من الناس؟ ولم تستحي من الله؟ وأنت تعرف في قرارة نفسك أن ما تفعله ليس بصحيح، وليس معنى هذا أن نجهدك في هذا الخير الذي أقبلت عليه، وأن نطلب منك أن تنقض توبتك وطاعتك. ولكن المقصود من هذا: أن تواضب وتستمر على الخير. وإنما الأعمال بالخواتيم. فنسأل الله عز وجل لنا ولجميع المسلمين الهداية والسداد. يقول: رجل يعمل في البحر، ويحتاج إلى الغوص والدخول في الماء، فربما دخل في جوفه ماء دون قصد. الذي ينبغي للإنسان أن يترك هذا العمل الذي يضطره إلى مثل هذا الفعل في نهار رمضان. وسمعت النبي عليه الصلاة والسلام: نهى عن المبالغة في المضمضة والاستنشاق، وهي عبادة وطاعة، ومع ذلك؛ لأن الصائم قد يدخل إلى جوفه شيء بسبب المبالغة: نهاه عن ذلك. فالغوص من باب أولى: يكره في حق أمثال هؤلاء الغوص. وإذا حرصوا، وإذا دخلوا، فليحرصوا على أن يتخذوا الأسباب التي تمنع دخول الماء. وإن دخل خطأ، فإن الله تجاوز عن أمة الخطأ والنسيان. يقول: رجل بالغ في الاستنشاق، فدخل الماء جوفه دون قصد، فماذا عليه؟ إنما الأعمال بالنيات، والله أعلم بالسرائر. فإن كان مخطئا، فالخطأ معذور فيه صاحبه. وإن كان متعمدا وليس مخطئا، فالله أعلم بالنيات. بعض الناس إذا اشتد عليه الحر يعمل في البحر في شدة الحر، ثم إذا اشتد عليه الحر: صار كل قليل يتمضمض بالماء، كل قليل يمسح وجهه ويتمضمض بالماء، وربما سول الشيطان لبعضهم أن يخطئ فيقول: أخطأت. فهذا يلحق به الحديث المتقدم. يقول: رجل استيقظ بعد أذان الفجر الثاني بخمس دقائق، فشرب ماء، ظانا أن المؤذن لم يؤذن، فلم يتنبه إلا وهم يصلون، فماذا عليه؟ إن كان حرصا، وبدل الوسع، واجتهد في معرفة الوقت، ولم يعلم، فأخطأ، فهو معذور. وقد صح من حديث أسماء: أنهم ظنوا غروب الشمس في يوم فيه غيم، فأفطروا، ثم ظهرت الشمس، فسألوا النبي عليه الصلاة والسلام، فأمرهم بمواصلة صيامهم، ولم يؤمروا -على الصحيح- بالقضاء. فدل ذلك: أن الخطأ بعد الاجتهاد، وبدل الوسع: يعذر صاحبه. فإن كان هذا الرجل اجتهد وحرص وبدل الوسع، ومع ذلك حصل الخطأ، فهو معذور. وأما إذا كان متلاعبا ومفرطا، فهذا غير معذور، وهو يأثم، وعليه القضاء، وعليه التوبة مما صنع. فبعض الناس إذا قام من النوم متأخرا: لا يريد أن ينظر إلى ساعة، ولا يريد أن يتأكد من الوقت، أول شيء: إلى الثلاجة على طول، يأخذ حاجته منها. فإذا أخذ حاجته منها بعد ذلك: يبحث، ينظر الساعة كم وكم الوقت؟ فمثل هذا متلاعب؛ لأنه كان يستطيع أن ينظر في الساعة قبل أن يذهب إلى الثلاجة. وإنما الأعمال بالنيات، والله أعلم بالسرائر، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. يقول: نحاول أن نأخذ أسئلة المتعلقة بالصيام؛ لأن الناس في حاجة إلى هذا، والأسئلة كثيرة، لا نستطيع استيعابها جميعا. يقول: عندنا رجل في البيت عنده مرض في الكلى، وإذا صام لا يستطيع أن يتوقف عن الماء، فيمتنع عن الطعام، فماذا يفطر؟ لا يصلح صيام مع شرب الماء؛ الصيام بتركي الطعام والشرب. فهو؛ ما دام لا يستطيع أن يترك الماء، فهو معذور، وهذا المرض من المرض المعتبر. فمن كان هذا حاله، ولا يعلم لنفسه برء قريبا: فيطعم عن كل يوم مسكينا. فأصحاب الفشل الكلوي في الغالب من أصحاب الأمراض المزمنة؛ فيطعم عن كل يوم مسكينا، ولا حرج عليه، ولا حاجة لأن يمسك عن الطعام، ويأكل ويشرب؛ لأنه يكلف نفسه شيئا لا يؤجر عليه، ولم يأمره الله جل وعلا أن يتعبد به. صحيح نيته حسنة؛ يريد أن يكون مثل الصائمين، لكن ليس هذا بالعاطفة، هذا بالشرع. وما دام أنه من أهل الأعذار، ولو كان قويا على ترك الطعام، ما دام لا يستطيع ترك الماء، فهو -إن شاء الله- معذور، والله أرحم به وأحكم. يقول: انتشر في بعض مساجد بلادنا نسخ من القرآن صادر عن دار معرفة أو معرفي في الكويت، في هامش كل ورقة من القرآن يوجد تفسير على فهم الشيعة. من ذلك ما جاء صفحة سبعة عشر ومئة: في هذه الآية دليل على أن الأحق بالخلافة بعد النبي عليه الصلاة والسلام: علي بن أبي طالب. وغير ذلك كثير. هل ننبه الناس على هذا الأمر؟ أم نكتفي بتنبيه أئمة المساجد؟ وهل نسحب هذه النسخ من مساجدنا؟ كيف نفعل بهذه النسخ؟ هذه النسخ؛ إذا سحبتموها، واستطعتم أن تزيلوا هذا الهامش، وينتفع من المصحف: كان ذلك. وإن كان هذا فيه مشقة وصعوبة: فتحرق هذه المصاحف؛ تحرق، ولا يجوز الانتفاع بها، وهو من التعاون على الإثم والعدوان، أي: نشر مثل هذه المصاحف؛ لأن فيها تحريفا في تفسير القرآن، وهذا لا يجوز. والواجب: التعاون في هذا الباب. ويكفي أن تنبه أئمة المساجد والقائمين على مثل هذا العمل. فإن احتاج الأمر إلى تنبيه العوام: إذا انتشرت في أيدي بعض العوام في البيوت، كان يكون هناك من يوزعها، فلا بأس أن تعلق في الأماكن العامة، وفي المساجد ونحوها: تحذيرا وتنبيها من هذه المصاحف، وهذه الطبعة. مع البحث عن من ينشرها؛ فإن تتبع أمثال هؤلاء المفسدين من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصح للمسلمين: ينبغي. والاستعانة كذلك بولاة الأمر في المنطقة: حتى يكف مثل هذا الشر؛ فكون الرافضة يبثون مثل هذا الشر، وهذا القرآن المحرف: هذا جرم عظيم، لا ينبغي السكوت عليه. يقول: ما صحة هذه العبارة: «الإسلام هو الحل»؟ وما حكم من يقول: إنها لم تعد تجدي نفعا في هذا الوقت؟ إذا لم ينفع الإسلام، فما الذي ينفع؟ يقول عمر رضي الله عنه وأرضاه: «إن قوما عزنا الله بهذا الدين، وما تبتغون العزة في غيره: أذلنا الله». فالذي يريد العزة في غير دين الإسلام: يذله الله. فالإسلام هو الحل. يقول مالك رضي الله عنه ورحمه الله: «لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها». وما هو الذي أصلح أول هذه الأمة؟ هو الإسلام الذي جاء به نبينا عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك آخر هذه الأمة. أما بعض الناس الذين في قلوبهم شيء، ولو كانوا ينتسبون إلى الإسلام: فيهم لوثة من لوثات الكافرين، إما لكونهم مبتعثين من المبتعثين، أو أخذوا من زبالات أفكارهم وسقطات ثقافاتهم: ما جعلهم ينظرون إلى الإسلام والمسلمين بمنظار النقص، وينظرون إلى الكافرين بمنظار الإعجاب. غرتهم الحضارة المادية، فجعلوها ميزانا ومعيارا، وليس الأمر كذلك. أو كذلك: أناس آخرون ينتسبون إلى الإسلام، ويزعمون أنهم من الدعاة إليه، ولكنهم بالحقيقة: دعاة سوء. يحاولون مجاراة المجتمعات، وإرضاء جميع الجهات، حتى ربما صاروا من أعظم الناس صلة بالكافرين، يروج لهم الكفار؛ لعلمهم أنهم خير من يطعن في هذا الدين من خلال تلك الفتاوى الزائغة، والكلمات الخاطئة التي فيها مسايرة المجتمعات. وكما يقال: «أسلمت الكفريات»، فصار الكثير مما كان منكرا وكفرا وفسادا: بفتاوى بعض الزائغين إما محل نظر واجتهاد، أو كذلك مما غير فتواه ومعناه الزمان ونحو ذلك. ولهذا: صرنا نسمع بالعجائب من الفتاوى في هذا الزمان، بسبب أمثال هؤلاء من دعاة السوء الذين صار بعضهم أصابع خفية من أصابع الكفار، يستخدمونهم في التشويش على المسلمين. بعض الأمور كانت من الثوابت، ولا زالت -الحمد لله-، ولكن يحاول بعض دعاة السوء التشويش فيها: تشويش في قضية الحجاب، تشويش في قضية كذلك الاختلاط، تشويش في قضية الغناء والموسيقى، وغير ذلك من قضايا كثيرة لا تعد ولا تحصى. يحاول بعض الناس التشويش فيها. ومثل هذه العبارة: ولا يستبعد أن يقولها بعض من ينتسب إلى الإسلام والدعوة، وهو بالحقيقة ممن يهدم الإسلام، وممن يحاول تشتيت جهود الدعاة من خلال أمثال هذه الكلمات، ونحوها من المعاني المفسدة. يقول: نصلي أول الليل، ما علمنا بأفضلية الصلاة آخر الليل، ولكن خشية أن يتكاسل الأولاد ويفهمون فهما خاطئا، فهل هذا العمل من تقديمنا المفضول على الأفضل صحيح؟ إذا كنت تعلم أن ذلك يتحقق، ولا يمكن الجمع بين الأمرين، ففعلك صحيح. فإن من العمل ما يجعل المفضول فاضلا. فكونك تحرص على إدخال الخير لأهل بيتك، وتنشيطهم عليه: هذا أمر حسن. وإن استطعت أن تجمع بين الأمرين: بأن تحثهم وتعينهم وتوجههم، وتكون أنت في آخر الليل: فأنت جمعت بين الأمرين. يقول: رجل عزم على الإفطار، ثم تراجع عن ذلك، هل يكون قد أفسد الصيام بهذه النية؟ فيكون مفطرا؟ الصحيح من أقوال أهل العلم: أن النية وحدها وتغييرها لا يبطل الصيام. هذا هو الصحيح. ولا يوجد شيء صحيح صريح، لا من الكتاب، ولا من السنة، ولا عن أحد من سلف الأمة: يدل أن تغيير النية أو حصول شيء في النية مع عدم حصول العمل: أنه يبطل، خصوصا في الصيام. وهذا يقال: خصوصا مع كثرة ابتلاء بعض الناس بالوسوسة، فلربما جاءك من أمثال هؤلاء الموسوسين من تلاعب بهم الشيطان، ويقول: «أنا جاء في نيتي شيء»، فكيف أفعل؟ هل علي القضاء؟ وأنت ما تدري ماذا الذي جرى في قلبه؟ ربما وهم وخاطر من خواطر الشيطان: ينفخ في أذنه ويوسوس في قلبه، فإذا به يقول لك: «أنا سمعت فتوى أن النية إذا حصل لها شيء من التردد أو التغير: بطل الصيام، وأنا أظن أنه وقع لي ذلك». فدرءا لمثل هذه المفسدة، وغيرها، وهكذا لعدم ورود شيء صحيح صريح في هذا الباب: الصواب أن هذا ليس مفطر. يقول: ما حكم من نسي فأكل أو شرب عدة مرات ناسيا؟ كما تقدم: «إنما الأعمال بالنيات، والله أعلم بالسرائر». إن كان صحيحا أنه ناسي، ويوجد بعض الناس فيه غفلة الصالحين: ربما ينسى في اليوم عشر مرات، خصوصا في أول يوم من رمضان، وما بعده، كل قليل: «يا أخي أو سبحان الله نسيت، سبحان الله نسيت»، وهكذا. فبعض الناس من طبعه ذلك، فهذا معذور. وأما الذي هو يتساهل ويتلاعب، فالله أعلم به، ومثل هذا لا يعذر. وهذا يسأل عن التبرع بالدم في نهار رمضان. الأفضل أن يؤجله إلى الليل، وإن اضطر إليه ولم يضره، فالصحيح: أنه ليس بمفطر من المفطرات. يقول: ما رأيكم فيمن يقرأ القرآن أثناء العمل، علما أن صاحب العمل لا يحب أحدا يقرأ؟ إن كانت القراءة تنقص من جهد العامل، فلا يقرأ؛ لأنه الآن هو في عمل يتقاضى عليه أجرة. وينبغي المسلم أن يكون أمينا في عمله، ومن أمانته: أن لا ينقص من أجرته. إلا أن يقول له مثلا: «أنا سأقرأ وأعمل، وأنقص في الأجرة»، إن كنت يعطيني في الشهر عشرة: يعطيني خمسة، أو يعطيني سبعة. إن كان صحيحا أن القراءة تشوش على العمل. هذا إذا كان مثلا يقرأ بمصحف. أما إذا كان من حفظه، فإن شاء الله لا أظن أن مثل هذا يضر بالعمل. يقول: هل يجوز للحائض والنفساء أن تقرأ القرآن؟ الصحيح من أقوال أهل العلم: أنه يجوز، وروي ذلك عن الإمام مالك وغيره، خصوصا في مثل هذا الشهر إذا احتاجت إلى أجر القراءة، فلها ذلك. طيب، نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وجزاكم الله خيرا، شكرا.