الدرس في كتاب الفرائض 1، 1- باب ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في إلحاق الفرائض بأهلها، ويبين أهمية هذا الحديث في علم الفرائض ومعنى كتاب الفرائض. يوضح أن ما بقي من الميراث يكون لأولى رجل ذكر.
استدل العلماء بالحديث على البداءة بأهل الفرض في المواريث وتوريث العصبة، مع وجود استثناءات مثل تعصيب الأخوات مع البنات. كما أشار إلى مسائل العول والحجب في المواريث.
يشرح المقطع أصحاب الفرائض المقدرة وعددهم، ويستدل بالحديث على مسائل الميراث وتفاصيلها، ويشرح معنى "أولى رجل ذكر" وتأويل العلماء له.
يدل تكرار الإمام البخاري لحديث معين في صحيحه على أهمية هذا الحديث وفقهه الكثير، مما يجعله موضوعًا للدراسة المتعمقة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: كتاب الفرائض، قال: باب ألحق الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر. قال: حديث بن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ألحق الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر». أخرجه البخاري في كتاب الفرائض، باب ميراث الولد من أبيه وأمه. أورد المؤلف -رحمه الله تعالى- هذا الكتاب والباب على قاعدته في ذكر التراجم، على ما ترجم به لصحيح مسلم، ويورد متن الحديث على ما جاء في صحيح البخاري. والحديث من الأحاديث التي اتفق عليها الشيخان: البخاري ومسلم. وقد أخرجه الإمام البخاري في الموضع الذي أشار إليه، فقال -رحمه الله-: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا أبوهيب، قال: حدثنا ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس، فذكر الحديث بلفظه. قوله -رحمه الله-: كتاب الفرائض، أي: هذا مكتوب يتعلق بأحكام الفرائض. وتكرر معنا أن فعال يأتي بمعنى مفعول كثيرًا في اللغة، وهذا منه. والفرائض: جمع فريضة، والمراد بها ها هنا: الأنصبة التي فرضها الله عز وجل في قسمة المواريث. وهذه الفرائض أو الأنصبة التي فرضها الله عز وجل كما أشار المعلق في كتاب الله: النصف، ونصفه، ونصف نصفه. ومعناه: النصف، ونصف النصف الربع، ونصفهما أو نصف الربع، وهو الثمن. والثلثان، ونصفهما، ونصف نصفهما، ونصف الثلث. الثلثان هو الثلث ونصفهما، ونصفهما هو السدس. ويكون بهذا استوعب ذكر الفرائض التي فرضها الله عز وجل في كتابه. ومر معنا قريبًا أن الفرائض: منهم من أخذها من معنى الفرض وهو الإيجاب، ومنهم من أخذها من معنى القطع والحز. وكل المعاني قريبة من المعنى الذي يورد لأجله ها هنا. وأما علم الفرائض، فقد تقدم معنا أنه علم يعرف به من يرث ومن لا يرث، ومقدار ما لكل وارث. وقيل: إنه العلم بقسمة المواريث فقهًا وحسابًا. وقوله: باب ألحق الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر. الباب لغة: ما يدخل منه ويخرج، والمراد ها هنا: الدخول والخروج المعنوي، أي: هذا مدخل لمعرفة كيفية إلحاق الفرائض بأهلها، وأن ما بقي فلأولى رجل ذكر. وهذا هو نص حديث ابن عباس. وهذا الحديث يعتبر أصلًا عظيمًا في باب الفرائض، وكما مر معنا قريبًا فيما ذكره شيخنا -رحمه الله- في مقدمة كتابه التسهيل: أن آيات الفرائض مع هذا الحديث يعد استيفاء لأحكام الفرائض، يعني على وجه الإجمال. ولهذا استنبط بعض أهل العلم من هذا الحديث سائر أصول مسائل الفرائض. ففي قوله -عليه الصلاة والسلام-: «ألحقوا الفرائض بأهلها»، استدلوا بهذا اللفظ على البداءة بأهل الفرض، وهي القاعدة أو قاعدة من قواعد الفرائض دل عليها نص هذا الحديث. وهكذا كذلك معناه في الآيات في كتاب الله، آيات الفرائض. واستدلوا كذلك بقوله -عليه الصلاة والسلام-: «فما بقي فهو لأولى رجل ذكر» على التوريث بالتعصيب. وهذه قاعدة أخرى من قواعد هذا العلم وقسمة الفرائض. بل في هذا اللفظ كذلك تضمين عصبة الذكر، ليس فقط الرجل يرث عصبه، بل ويعصب معه كالبنت مع الابن، والأخت مع الأخ. فإن قيل: هذا الحديث ظاهره أنه لا عصبة إلا للذكور، فكيف نصنع بما ورد في تعصيب الأخوات مع البنات، كما قال القائل: والأخوات إن يكن بنات فهن معهن معصبات. ودليله حديث بن مسعود في الصحيح، حين راجع فتوى أبي موسى -رضي الله تعالى عنهم جميعًا- في بنت وبنت ابن وأخت. قضى أبو موسى بفتوى ليس فيها موافقة للسنة. وأراد أن يقره على ذلك بن مسعود، فقال ابن مسعود: قد ضللت إذن وما أنا من المهتدين، ولكن أقضي فيها بما سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: للبنت النصف، ولبنت الابن تكملة الثلثين، أي: السدس، والأخت عصبة، وما بقي للأخت. وهذه أو هذا الحديث دليل على تعصيب الأخوات مع البنات. فالجواب: أنه لا معارضة بين هذه المسألة في تعصيب الأخوات مع البنات مع هذا الحديث؛ لأن هذا الحديث عام مخصوص بحديث بن مسعود. لو قال قائل: هذا الحديث فيه دليل أنه لا يرث بالتعصيب إلا الذكر. أجيب: أن هذا صحيح وهو الأصل، ولكن لكل قاعدة استثناء، وهذا أمر أغلبي. غالبًا ما يكون هناك استثناءات، وهنا خرج عن هذه القاعدة هذه المسألة بالدليل، دليله حديث ابن مسعود الصحيح. وهكذا كذلك استفيد من هذا الحديث أن فيه إشارة إلى مسائل العول. فإذا تزاحم أهل الفرائض وتراكم بعضهم على بعض، فهنا لا يحجب بعضهم بعضًا، وهم أهل فرض، ولكن يحصل النقص من الجميع، وهو ما يسمى بالعول. فقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: «ألحق الفرائض بأهلها»، إذا استوفت الفرائض وكان هناك عاصب، فهو يأخذ الباقي. فإذا تزاحم أهل الفرائض على الفريضة ولم يكن هناك عاصب، وضاقت عليهم القسمة، فإن المسألة تعول. فقد تعول من ستة إلى ثمانية. وهكذا كذلك غير ذلك مما ذكره العلماء في مسائل العول. فباب العول وتحته مسائل كثيرة وتقاسيم وفروع دل عليه هذا الحديث. فصار هذا الحديث حديثًا عظيمًا. ومن مسائله كذلك في هذا الحديث إشارة إلى مسائل الحجب؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «فما بقي فهو لأولى رجل ذكر». فهذه الأولوية تقتضي حجب بعض لبعض. وقد ذكر العلماء في باب الحجب مسائل وتفاصيل، أصل هذه المسائل هذا الحديث، ثم هناك أدلة أخرى فهمت من أدلة الكتاب. وهكذا كذلك السنة. وفي هذا الحديث كذلك إشارة إلى مسألة أخرى من مسائل الفرائض، وهي ذكر أصحاب الفرائض المقدرة ومن هم أصحابها. وقد مر معنا أن الفرائض المقدرة في كتاب الله: النصف، ونصفه، ونصف نصفه، يعني: النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس. وهذه الفرائض المقدرة دل عليها دليل الكتاب، وهكذا جاء معناها في أحاديث عن النبي -عليه الصلاة والسلام-. وفي قوله -عليه الصلاة والسلام-: «ألحق الفرائض بأهلها»، دليل أن هناك شيء مفروض يجب تتبعه وحصره وحفظه وفهمه حتى يطبق على الوجه الصحيح. ولهذا حصر العلماء أصحاب النصف، وأصحاب الربع، وأصحاب الثمن، وأصحاب الثلثين، وأصحاب الثلث، وأصحاب السدس، على ما هو مذكور تفصيله في كتب الفرائض. وفي هذا ضمنًا كذلك إشارة إلى الوارثين من الرجال والنساء. وقد ذكر العلماء بالاستقراء أن الوارثين من الرجال عشرة، وأن الوارثات من النساء سبعة. فمن الرجال: الابن، وابن الابن وإن سفل، والأب، والجد وإن على، هؤلاء كم أربعة. والأخ، وابن الأخ، والعم، وابن العم، والزوج، والمولى بالنعمة، هؤلاء عشرة. وفي النساء سبعة: البنت، وبنت الابن وإن سفلت، والأم، والجدة، والأخت، والزوجة، والمولى بالنعمة، فهؤلاء سبعة. واستدل بهذا الحديث كذلك على مسألة أخرى من مسائل الفرائض. ففي هذا الحديث كذلك دليل على بعض تفاصيل مسائل الفرائض ونوادرها. ففي قوله -عليه الصلاة والسلام-: «فهو لأولى رجل ذكر»، قال بعض أهل العلم: قوله: «ذكر» بعد «رجل» من باب التأكيد؛ لأن الرجل يأتي مذكرًا، فلماذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ذكر»؟ قال كثير من أهل العلم: قاله -عليه الصلاة والسلام- من باب التأكيد. وهذا مثل قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الزكاة: «ابن لبون ذكر». يأتي «ذكر»، فلماذا قال «ذكر»؟ تأكيد، تأكيد. وقال بعض المحققين من أهل العلم: بل فيه زيادة معنى على هذا التأكيد، فيه زيادة معنى على هذا التأكيد. ليس المقصود التأكيد فحسب، بل فيه كذلك إشارة إلى نقصان الحكم بنقصان الوصف. ونقصان الحكم بنقصان الوصف، ولهذا قال بعض أهل العلم في الزكاة: أن ابن لبون إذا نقص في وصفه لم يصر ذكرًا، يعني: إذا كان صغيرًا، يعني وصف ذكوريته تكون قاصرة؛ لكونه لم تكتمل فيه صفات الذكورية. فالمراد هو اكتمال هذا الوصف. وعلى هذا قال بعض أهل العلم: في هذا اللفظ إشارة إلى إخراج حكم الخنثة؛ فإنه يعطى أقل النصيبين، على ما تقرر ذكره في علم الفرائض، وله باب خاص وفصل خاص في أحكام الخنثة المشكل. فتأمل كيف هذا الحديث بهذه العبارة المختصرة صار فيها معاني كثيرة. وهذا يدل على فصاحة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. فجاءت العبارة كما قيل: في أعلى درجات الفصاحة وأسنى غايات البلاغة. فتناولت كلمات يسيرة متضمنة لمعاني كثيرة. ومن تتبع إرادة الإمام البخاري -رحمه الله- لهذا الحديث في صحيحه، وجد الفقه الكثير الذي تضمنه هذا الحديث. فقد أورده الإمام البخاري -رحمه الله- في مواضع كثيرة من صحيحه، ومنها الباب المشار إليه. وهذا يدل على الفقه الكثير الذي تناوله هذا الحديث. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم.