الدرس في شرح مختصر السيرة 134، الدرس الرابع والثلاثون بعد المائة:من( حوادث سنة ثلاثين ... وفيها مات عبدالرحمن بن عوف..والعباس بن عبدالمطلب وأبو سفيان بن حرب رضي الله عنهم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
في سنة ثلاثين للهجرة، وقعت عدة أحداث مهمة منها فقدان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم وغزو خرسان وفتح بلاد جديدة. كما حدثت مواجهات مع ملك الفرس يزدجرد وخلافات مع أبي ذر الغفاري بسبب الاستمتاع بالأموال.
تضمنت أحداث هذه السنة أيضا موقف أبي ذر الغفاري وخلافه مع معاوية بن أبي سفيان، وإقامته في الربذة، وزيادة عثمان بن عفان أذانا ثالثا يوم الجمعة، ووفاة أبي بن كعب.
شهدت السنة الحادية والثلاثين مقتل يزدجرد وغزوة الصواري، بينما غزا معاوية بلاد الروم في السنة الثانية والثلاثين حتى بلغ مضيق القسطنطينية. كما توفي عدد من الصحابة البارزين في السنة 32 هـ.
توفي في السنة 32 هـ عدد من الصحابة المقربين للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومنهم عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود وسلمان الفارسي.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: وفي كتاب مختصر سيرة الرسول، قال رحمه الله تعالى: قال حوادث سنة ثلاثين. قال: ثم دخلت سنة ثلاثين، وفيها وقع خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم من يد عثمان بن عفان رضي الله عنه في بئر أريس، فنزحت ولم يوجد، فحزن لذلك أشد الحزن، فوقعت من الرعية الخلل على عثمان بعدها. قوله: وفيها وقع خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم من يد عثمان، جاء خبر هذه القصة كذلك بالصحيحين من حديث عبد الله بن عمر. وبئر أريس بئر تبعد عن المدينة بعد ميلين، قليلة الماء. وهذه القصة اشتهرت كذلك في كتب التاريخ والسير. وأما ما ذكر: فوقع من الرعية الخلل على عثمان، فليس لأجل الخاتم، ولكن شيئا قد قدره الله سبحانه وتعالى. قال: وفيها غزى سعيد بن العاص من الكوفة خرسان، ومعه حذيفة بن اليمان، والحسن، والحسين، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم. وفي هذه السنة، كما ذكر أهل التاريخ والسير، ومنهم ابن حبان في السيرة، وهكذا الواقدي وغيرهم: أنهم فتحوا عددا من البلاد، منها خرسان وأذربيجان، وكذلك مواضع من بلاد فارس وما حولها، ففتحت كذلك الكاريان والفنسنجان، وكذلك دار الجرد وأردشير. وفيها قوتل ملك الفرس في ذاك الوقت يزدجرد، حتى إنه هرب إلى نواحي سجستان، ولم يزالوا يفتحون البلاد ويهرب من بلد إلى بلد، حتى استقر وأقام فترة في أصبهان، ثم كان قتله بعد ذلك، ما سيأتي إن شاء الله في أحداث سنة 31. قال: وفيها كان ما كان من أمر أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، وشدة إنكاره على معاوية وأهل الشام في الاستمتاع بما أنعم الله عليهم والتوسع فيما أباح لهم وأفاء عليهم من الأموال؛ لأنه في تلك السنين فتح الله عز وجل على المسلمين فتوحا عظيمة في جهة الشرق والغرب والشمال، ففتحوا بلادا كثيرة من بلاد فارس وما حولها، وهكذا كما سيأتي من بلاد الروم وما جاورها، وكذلك أجزاء من أفريقيا، حتى اجتمعت لهم أموال عظيمة من الذهب والفضة وغيرها من الأموال. وكان أبو ذر رضي الله عنه يرى أنه لا يجوز لمسلم أن يبقي مالا أكثر من ثلاثة أيام، ويتلو عليهم قول الله عز وجل: ﴿الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾ يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون. وخالفه جمهور الصحابة، وصحت به الأحاديث الصحيحة: أن معنى الآية إنما هي في حق من يكنز ولا يؤدي الزكاة، وأما من أدى الزكاة فإنه لا شيء عليه، وإن كان يستحب الإنفاق. وكذلك قالوا: إنه تأول حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي جاء في البخاري وغيره، وجاء من حديث أبي ذر، وجاء من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم -وهذا في لفظ حديث أبي ذر- قال لأبي ذر مرة: أتبصر أحدا؟ قال: فنظرت، وإذا الشمس ما بقي من النهار -يعني منها شيء- يعني في آخر النهار في العصر. قال: وأنا أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسلني، وأنا أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسلني في حاجة له، فقلت: نعم. كأنه فهم أن النبي صلى الله عليه وسلم سيرسله إلى جبل أحد لحاجة، وجبل أحد موضوعه اليوم معروف من مسجد النبي عليه الصلاة والسلام. قال: قلت: نعم. قال: ما أحب أن لي مثل أحد ذهبا فيمر علي ثلاث إلا أنفقته، قال: إلا في دين. وفي حديث أبي هريرة: أنه لا يمر علي ثلاث وعندي منه شيء إلا شيء أرصده في دين. وجاء خارج الصحيح: أنه زاد النفقة. فالشاهد من هذا: فهم أبو ذر رضي الله عنه من هذا الحديث، وكذلك عموم الآية: أنه لا يجوز لمسلم أن يكنز ذهبا أو فضة ولو كان يؤدي زكاته، وخالف بهذا جمهور الصحابة، فكان ينكر على الصحابة رضي الله تعالى عنهم شيئا لهم فيه سعة، فلذلك حصل ما كان سببا في نفيه من المدينة كما سيأتي إن شاء الله. قال رحمه الله تعالى: وأفاء عليهم من الأموال، وأنه يرى أن لا يبيت أحد من المسلمين وعنده درهم ولا دينار وإلا كان من الذين يكنزون الذهب والفضة، فكتب معاوية بشأنه إلى عثمان، خصوصا وأن بعض المفسدين من أهل مصر وغيرهم استغلوا مثل ذلك في الطعن في بعض الأمراء. قال: فكتب عثمان بإشخاص أبي ذر إلى المدينة، قال: ومحاولة بعض دعاة الفتنة لالتفاف حول أبي ذر، فهرب منهم إلى الربذة، والربذة كانت بادية من بوادي المدينة. قال: بإذن عثمان وفي طاعته، وأقام بها حتى مات رضي الله عنه. وجاء في بعض الأخبار: أن عثمان رضي الله عنه نفاه، فرضي الله عنهم جميعا وأرضاهم. وبه نعرف أن الخلاف شر حتى ولو كان في بعض أمور الاجتهاد، فينبغي لمن كان عنده شيء فيه خلاف، وخصوصا مما قد يسع فيه الخلاف، أن يحتفظ بذلك لنفسه حتى لا يفتن الناس، ولا يستغل ذلك الخلاف بعض المفسدين. قال: وفيها زاد عثمان النداء الثالث يوم الجمعة على الزوراء حين كثر الناس، فثبت الأمر على ذلك إلى اليوم. والزوراء دار كانت له بالمدينة، وهو اسم موضع، وكان لعثمان فيها دار، وكان سوق المدينة في ذاك الزمان، واليوم كما ذكر بعض أهل العلم: الزوراء هو بالقرب ما يسمى اليوم بمسجد الغمامة، مسجد الغمامة موضع معروف حوله بعض الأسواق. كان في زمن عثمان حين كثر الناس وكثر البنيان وتوسع أمر الناس، خرج بعضهم إلى ذلك من موضع، فربما جاء وقت الصلاة لانشغالهم وبعدهم لم يسمعوا الأذان ولم يشعروا به، فأمر عثمان رضي الله عنه اجتهادا أن يؤذن لهم في وقت يسعهم أن يصلوا إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. وأصل ذلك قد روي في الصحيحين من حديث السائب بن يزيد، وجاء في كتب السير والتاريخ وغيرها عن عدد كذلك من الصحابة، وأسانيد أخرى كثيرة. وهذه المسألة من المسائل التي اختلف فيها أهل العلم، حتى ذكر بعض أهل العلم: أن بعض الصحابة أنكر على عثمان صنيعه ذلك. وبهذا يعلم أن المسألة ليس فيها إجماع، ولا كذلك اتفاق، فضلا أن يقال إجماع، بل وقع فيها الخلاف، وهو اجتهاد اجتهد عثمان رضي الله عنه. فمن أخذ بسنته فهو بين الأجر والأجرين، ومن بقي على أصل سنة النبي صلى الله عليه وسلم فهو كذلك على ما هو عليه، والناس في هذه المسألة بين الأجر والأجرين، كل منهم مجتهد، ولكل مجتهد نصيب. وإن كان عمومات الأدلة تقتضي البقاء على ما كان من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، خصوصا وأننا في هذا الزمان لا نحتاج لمثل هذه السنة التي سنها عثمان رضي الله عنه لتيسر وسائل معرفة الوقت، وكذلك لوجود مكبرات الصوت التي يمكن بها أن يستشعر الناس أمر الصلاة والأذان وغير ذلك. فالحاصل: بعض أهل العلم أجاز مثل هذه السنة إذا كان لها حاجة، اقتداء بسنة عثمان، وعموم قول النبي عليه الصلاة والسلام: «عليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ». قال رحمه الله تعالى: وفيها مات أبي بن كعب، سيد القراء وأحد القراء الأربعة. وكذلك هذا مما ذكره الواقدي، والواقدي كما مر معنا قد كذب، إلا أن العلماء أخذوا منه ما ذكره في الأخبار والتاريخ، خصوصا ما تابعه فيه غيره من أهل التاريخ والسير. وقد توبع على ذلك ذكر ذلك خليفة بن خياط، وكذلك ذكر ذلك غيره، ولكن اختلف بتاريخ وفات أبي، فهنا الواقدي ذكر أنه مات سنة إحدى وثلاثين، وذكر خليفة بن خياط أنه مات سنة اثنين وثلاثين، وذكر عبيد الله بن سعد الزهري أنه مات سنة اثنين وثلاثين أو ثلاثة وثلاثين، وأن عثمان رضي الله عنه وأرضاه صلى عليه. فيكون الأقرب هو قول خليفة بن خياط وعبيد الله بن سعد الزهري؛ فقد توافقا في ذكر اثنين وثلاثين، ثبت الزهري واستيقن خليفة، وخالفهم الواقدي، والواقدي من عرفتم. قال: حوادث سنة إحدى وثلاثين. قال: ثم دخلت السنة الحادية والثلاثون، وفيها قتل يزدجرد آخر ملوك الفرس، وهو الذي مزق كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي دعاه به إلى الإسلام، فدعا عليه أن يمزق الله ملكه. هكذا ذكر بعض أهل التاريخ والسير، والصواب أن يزدجرد ليس هو الملك الذي دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد جاء بالبخاري من حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى. وجاء في بعض الروايات تسميته خارج صحيح البخاري: أنه أبرويز. وقد ذكر ابن حبان في السيرة وغيره من أهل السير: أن الملك الذي كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ومزق كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ودعا عليه هو أبرويز بن هرمز أو شيرويه. وهذا هو جد يزدجرد، فيزدجرد قيل: اسمه يزدجرد بن شهريار بن أبرويز بن هرمز، فأبرويز الذي دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم هو جد هذا الذي قتل في زمن عثمان رضي الله عنه وأرضاه. وقد ذكر الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية شيئا كثيرا في تاريخ يزدجرد، وكيف تمزق الملك في حال في زمن النبي صلى الله عليه وسلم في ملك أبرويز، وكلهم يقال لهم: كسرى؛ فكسرى لقب لملك الفرس، كما أنه قيصر لقب لملك الروم، وكذلك فرعون لملك مصر، فهي ألقاب لكن لأشخاص مختلفين. فالشاهد: الصحيح أنه ليس هو الذي دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وفيها فتح حبيب بن مسلمة الفهري أرمينيا، وذكر نحو ذلك ابن حبان في السيرة وغيره من أهل السير، وافتتح قبلها مواضع من تلك الجهات، فافتتح خلاط وسراج ووادي المطامير وغيرها من البلاد. قال: وقال الواقدي: كان في هذه السنة غزوة الصواري في البحر، وكان فيها محمد بن أبي حذيفة ومحمد بن أبي بكر، فأظهر عيب عثمان وما خالف وما خالف أبو بكر وعمر، ويقولان: دمه حلال. والواقدي لا يعتمد عليه إذا خالف، وهذا إنما نقله الواقدي، ولم ينقله غيره، وسيأتي معنا الكلام حول هذا إن شاء الله في موضعه. وأما غزوة الصواري فهي غزوة عظيمة وقعت بين المسلمين وبين الروم، وكانت تلك الغزوة في جهة المغرب في جهة بلاد المغرب؛ فقد فتح الله عز وجل على المسلمين بلاد مصر وما فوقها حتى وصلوا بلاد المغرب، وكذلك من جهة الشام وصلوا إلى حدود القسطنطينية، وهي التي تسمى اليوم إسطنبول. فإن غاضى الروم لذلك فخرجوا يريدون أن يقمعوا شوكة المسلمين ويدخلوا عليهم من شمال أفريقيا من جهة المغرب، فخرجوا بخمسمائة قارب كما ذكر، وذكر ذلك أهل السير، وخرج المسلمون بقوارب أقل، وكان الروم أضعافهم بأضعاف كثيرة. وكانت معركة ذكرها أهل التاريخ والسير، وبسط القول فيها الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية، ولذلك سميت بغزوة الصواري؛ لأنها كانت في البحر على صواري تلك السفن. وكانت غزوة عظيمة حتى قيل: إن لون البحر تغير من كثرة الدماء التي قتل فيها الناس في ذلك اليوم أو في تلك الأيام، فقتل من المسلمين كثير، وقتل من الروم أضعاف ذلك بكثير، وكانت الغلبة للمسلمين كما ذكر هنا المؤلف رحمه الله تعالى. قال رحمه الله: حوادث سنة ثنتين وثلاثين. ثم دخلت السنة الثانية والثلاثون، وفيها غزا معاوية بلاد الروم حتى بلغ مضيق القسطنطينية، وهي ما يسمى اليوم بإسطنبول، فهي المدينة التي بشر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بفتحها، وكانت عاصمة -كما يقال اليوم- عاصمة مملكة الروم. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في مسند الإمام أحمد وعند الحاكم وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر، وذكره العلامة الألباني في الصحيحة في الجزء الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي المدينة إن تفتح أولا: القسطنطينية أو رومية؟ ورومية هي روما اليوم، كانت تسمى في ذاك الزمان برومية. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مدينة هرقل تفتح أولا» يعني القسطنطينية. وقد فتحت على المسلمين، وكان الفتح التام لها بعد ثمانمائة سنة في زمن محمد الفاتح العثماني، وكان لها بعض الفتح في زمن معاوية رضي الله تعالى عنه. وفيها قتل مجموعة من الصحابة، منهم أبو أيوب رضي الله تعالى عنه وأرضاه. قال: وفيها مات عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن مسعود، وسلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري جندب بن جنادة، والعباس بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن حرب رضي الله عنهم -يعني في هذه السنة- يعني في هذه السنة. طيب نقف إلى هنا، والله تعالى أعلم.